في الطريق بين عالمي الفن والأعمال: يمشي الفنان الجديد محاطا بالالغاز والحكايات وخرافة تمرده

حجم الخط
0

صارت صيدلية الفنان البريطاني داميان هيرست عملا فنيا متحفيا. قبل سنوات تجولت بين خزاناتها البيضاء متأملا أدويتها قبل أن أذهب لتأمل روائع تيرنر في القاعة المجاورة. حدث ذلك في التيت بريتين.
لم يزعجني إلا ذلك الجوار غيرالمنصف بين هيرست وتيرنر. لا تزال رسوم تيرنر مليئة بأسباب الالهام والتجلي والابهار. ثلاثة قرون أضافت عليها الكثير من البهجة. قبل سنتين رأيت معرضا في ستكهولم اقام منظموه صلة وصل مدهشة بين البريطاني تيرنر والفرنسي كلود مونيه والامريكي سي تومبلي. كل واحد من الثلاثة عاش في قرن منفصل. غير أن رؤية الرسوم المنتقاة بحس نقدي متأن ودقيق لابد أن تقودنا إلى الخيط الذي لم ينقطع بين الرسامين الثلاثة. التجريد باعتباره واقعة طبيعية. قبل ثلاثة قرون كان تيرنر تجريديا. كانت رسومه تنتمي إلى الرسم الخالص، بالرغم من أنها كانت تحاول استدراج مشاهد طبيعية إلى خيالها الشاسع. بهذا المعنى فان رسوم تيرنر كانت لا تزال حية يوم جلبوا خزائن الأدوية التي جعل هيرست منها عملا فنيا.
هيرست يقول على لسان نقاده المتخصصين بفنه إن ذلك العمل انما يتعلق بمفهومه عن الموت. الأدوية التي تشفي من المرض قد تؤدي إلى الموت. فكرة ساذجة يعرفها كل إنسان. يمكننا أن نتخيل نوع الكلام الذي همس به العمال الذين حملوا تلك الخزانات لتحتل مكانها في المتحف باعتبارها أثرا خالدا. ربما شعر البعض منهم أنه قد أخطأ العنوان. لنصم آذاننا عن ضحكات أولئك العمال الذين لم تصلهم بعد أخبار التحولات الجذرية التي شهدها الفن أثناء العقود الثلاثة الماضية ولنتساءل ‘لو أن أحدا غير هيرست اقترح على التيت بريتين، وهي مؤسسة فنية عريقة أن يعينوه على نقل صيدلية إلى قاعاتهم هل سيمتنع موظفو المتحف عن الاتصال بالشرطة لحمل ذلك المجنون إلى أقرب مستشفى للأمراض النفسية والعصبية؟ ولكن في المقابل ماذا يحصل لو ملأ هيرست خزاناته تلك بالساعات مدعيا أن عمله هو محاولة لتحدي الوقت؟ سيكون ذلك العمل موقع ترحيب وسيكتب النقاد عن الوقت بالطريقة ذاتها التي كتبوا بها عن الموت. سيكون عمل ارمان المعروض في فضاء باريس بساحة سان لازار مجرد شبح يذكر بشارلوك هولمز.
الحقيقة تبتسم سخريةً غير أنها تتألم بعمق.
هناك ابتذال أعمى في الفن صار ينشىء مؤسساته الفنية البديلة.
هيرست لمن لا يعرفه أصبح مليونيرا قبل أن يصل الاربعين من عمره. لقد حرصت شركات ومعامل كثيرة على استثمار نجاحه. أعماله التي بيعت بالملايين أثارت شهية أصحاب شركات صنع الهدايا المؤقتة. دمى ودفاتر وأقلام وبطافات بريدية وصحون وقمصان شبابية وأكواب وأقداح وشالات وحقائب صغيرة ومفارش مناضد وورق جدران، كلها تحمل صورا لمآثر ذلك الوحش الذي غزا الحياة الفنية بشاة محنطة منسية في صندوق.
هل علينا أن نصدق ان ادارة التيت بريتان التي تعرض بفخر أعمال تيرنر كانت ساذجة إلى الدرجة التي تجعلها تصدق أن صيدلية هيرست كانت عملا فنيا؟ المشكلة ليست هنا. هناك عالم تعاد صياغته. عالم يتم انتاجه لن يكون لنموذج كادح في بصيرته ومناضل في ارادته ومتوتر من جهة تمنعه من نوع تيرنر مكان فيه. سيكون علينا أن نتحدث عن اساطير السوق. من المؤكد أن هيرست جلب في سنوات قليلة أرباحا للمتحف تبلغ أضعاف ما كان تيرنر قد جلبها طوال العقود الماضية. المعادلة كلها ضدنا.
رضينا أم أبينا صار هيرست نموذجا للفنان الناجح.
أليس في ذلك الاستنتاج ما يحث مؤسسات حول العالم على التماهي مع ذلك النموذج كونه أمراً واقعا؟
سيكون علينا أن نباري النصب والاحتيال في قدرتهما على السرد.
لقد قرأت قبل سنوات نصا لأدوارد سعيد كان مطبوعا على ورقة يعثرعليها المرء ما أن يدخل أحدى صالات دارة الفنون بعمان، حيث كان يقام معرض للفنانة منى حاطوم، وهي بريطانية من أصل فلسطيني. يومها لم أفهم شيئا من النص الذي كتبه سعيد، في الحقيقة لم يكن هناك في معرض حاطوم ما يؤكد ما ذهب إليه سعيد إلا ظنا.
هل كان سعيد يكذب؟
اعتقد أنه وقع في مصيدة وطنية منتحلة بسبب أن ما عرضته حاطوم يومها كان يتعلق بالقضية الفلسطينية.
كانت حاطوم قد عرضت قبل ذلك خزانة زجاجية مبردة تحتوي على دجاج جاهز للبيع. خزانة يراها المرء كل يوم في الاسواق. ماذا يحدث لو استبدلنا الدجاج بالسمك؟ هل سيتغير المعنى؟ ثم ما هو ذلك المعنى العميق الغامض؟
حاطوم هي اليوم فنانة معتمدة، تقف في الصف الأول لمشهد الفن في بريطانيا.
وإذا ما تجنبنا التقييم، فان مما لا يمكن اخفاؤه ان هذا النوع من الفنانين كان قد مزج عالمي الفن والاعمال بطريقة ماهرة وذكية، وهو ما لم تكن تجيده إلا قلة ضئيلة من الفنانين على مر العصور. لم تكن للفنان ملحقات بشرية، أتباع من نوع سكرتير ومدير أعمال ومسوق ومروج وحارس وناقد وصحفي. كان الفنان دائما وحيدا. وحدته التي كان يحرص عليها حرصه على فنه هي مصدر الهامه وخياله وسعادته. اليوم صار الفنان يمشي محاطا باتباعه وبالحكايات التي تؤمن له قدرا من اللغزية، وهي في معظمها حكايات ملفقة، يضعها الفنان قيد التداول من أجل أن يُلهي بها الجمهور عن رؤية حقيقة عمله والتساؤل عن قيمة ذلك العمل.
ولكن هل كل ما صرنا نراه مهيمنا على الفعاليات والأنشطة الثقافية باعتباره فنا هو في حقيقته فن؟ أشك في ذلك. هناك الكثيرمن الحذلقة في ابتكار لغة تظهر اهتماما لافتا بعالمي السياسة والمجتمع يرافقها قليل من الفن أو من علاماته الباهتة. ما من شيء مما صار الفنانون يتداولونه باعتباره مسلمات يُذكر بالفن. في هذا المجال هناك أشياء مهمة يمكن النظر بطريقة محترمة، غير أن اعتبارها أشياء فنية قد يربكها ويضفي عليها طابعا تهريجيا. يمكننا الحديث بانصاف عن شيء ما يقع إلى جوار الفن. شيء ضروري من أجل توسيع دائرة النقاش حول الفن. البحث في علاقته بالسياسة والمجتمع والتاريخ. اختبار إنسانيته في ظل التدهور الأخلاقي غيرالمسبوق في العلاقة بين الشعوب والأديان والأقليات والثقافات والقيم. هناك ما يمكن أن يكون نافعا للفن. رؤى وأفكار ومقاربات واكتشافات يمكنها أن تهب الفن بصيرة مختلفة بشرط أن لا تحل محله.
ما يجري أن الفن صار آخر ما يهتم به ناشطو ومدبرو الفعاليات الفنية، الذين قدموا إلى عالم الفن من عالم ادارة الأعمال. هل علينا أن نثق بما يقوله بشر لا يحركهم سوى هاجس الربح والخسارة بغض النظر عما يمكن أن ينطوي عليه ذلك الهاجس من اضطرار إلى الكذب والتزييف وإنكار الحقيقة وتشويه القيم بحيث تصبح الخيانة على سبيل المثال نوعا من البطولة المتمردة. ألا تقف المجتمعات أمام نوع جديد من عمليات غسيل الدماغ؟ من وجهة نظري فان انتاج أجيال فنية، يكون داميان هيرست نموذجها المثالي يتعدى مرحلة غسيل الادمغة إلى تلمس الطريق واضحة في اتجاه الخواء، حيث يكون الفن مجرد ذريعة لحشد الشباب من أجل تعبئتهم بأفكار عبثية عن حياة لن يكونوا مسؤولين عما تحمله من مفاجآت غير سارة.
متمردو اليوم مقارنة بمتمردي الأمس هم مجموعة من الانتهازيين، الوصوليين، ذلك لانهم لم يقيموا تمردهم إلا على أساس المنح المالية والفرص الاستثمارية. يخبرك بتمرده في الوقت الذي تمتلأ فيه محفظته بالبطاقات المصرفية وتأخذك ثيابه إلى أزمنة الحرير.
شيء ما، خطير في بشاعته يقع باسم الفن.

‘ شاعر وناقد من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية