التجديد الشكلي في رواية «أجراس» للإماراتية زينب الياسي

حجم الخط
1

تسعى زينب الياسي في روايتها المعنونة «أجراس» إلى الإفادة مما أنجزه السرد الروائي العربي والبناء عليه، فهي تعتمد في تشكيل الرواية، بشكل رئيسي، على تعدّد الأصوات، لتقديم الحكاية ذاتها، من خلال وجهات نظر متعدّدة، إضافة إلى اختزال الزمن الروائي الفيزيائي، وغير ذلك مما يمكن التفصيل فيه في أثناء هذه الدراسة.
تروي الحكاية ببساطة قصة زوجين يصلان إلى حافّة الانفصال بينهما، بسبب عدم اهتمام كلّ منهما بخصوصيات الآخر، وفقدان التواصل الفكري الحميم: فالزوجة «أماني» التي تريد أن تنعم بحريتها، وأن تغيّر المنزل الصغير، وأن تلمس رومانسية زوجها، لا تدرك ظروف زوجها «سالم» الذي يبحث عن تحقيق حلمها، والزوج الذي تستنجد به زوجته إثر وقوعها في شرك «عواطف» الشاذة جنسياً لا يسمعها، لانشغاله بمشاكله: «أنا مشغول في دائرة الطابو، كل شيء سيهدم على رأسنا، وأنت لا تدرين». من هذه الفرجة تدخل عواطف، فترسل صور أماني من هاتفها إلى هاتف سالم، ليشتعل الشك في قلبه ناراً لا تنطفئ إلا حين تقرع الرواية أجراس النهاية.
وتقدّم الكاتبة حكايتها من خلال ثمانية أجراس/ فصول يقدّم السارد المتعدد سبعة منها، فيما تقرع المؤلفة بنفسها الجرس الثامن إيذاناً بانتهاء الرواية، وبداية حياة جديدة بين الزوجين، أما الأجراس السبعة التي تقدمها المؤلفة من خلال ضمير السرد المتكلم الذي يجعل الشخصية أقرب إلى القارئ، فتقسم على الشكل التالي:
الجرس الأول = أماني.
الجرس الثاني = سالم.
الجرس الثالث = نورة (الابنة)
الجرس الرابع = أماني.
الجرس الخامس = سالم.
الجرس السادس = عارف (صديق سالم)
الجرس السابع = أماني.
وحتى لا يخلط القارئ بين الساردة والمؤلفة في بعض مقاطع السرد، فإن المؤلفة تهدي روايتها في عتبتها الأولى إلى ابنتها «كوثر» وابنها «عبد الله» وإلى أبي عبد الله الذي منحها من فكره النيّر وعقله المتوقّد، وهي عتبة تجعله منزّهاً عن أن يشبه «سالم» بطل القصة في إهمال زوجته ونسيان التفاصيل المتعلقة بها، كما تجعلها منزّهة عن إهمال أطفالها، على النحو الذي تبدو فيه «أماني» في الرواية.
وما من شك في أنّ الروائية قد خططت ببراعة لهذا التقسيم، فمن السهل أن يلاحظ المرء تخصيص الجرسين الافتتاحيين لأماني وسالم لهجوم كل منهما على الآخر، وتتبع سلبياته، فيما تمّ تخصيص الجرسيين التاليين الخاصين بهما (الرابع والخامس) لبدء التراجع عن الحالة العصبية التي قادت نحو المشكلة، والتفكير في حلّها، بينما يكون الحلّ في الجرس السابع. كما أنّ استعانة الروائية بنورة/ الابنة لتحمل عبء سرد الجرس الثالث، جاء مسوّغاً، بسبب حاجة السرد إلى صوت محايد، لوصف طبائع الزوجين في المنزل، فمن نورة نعرف أن أماني «طيبة وحنونة ولكنها تفقد أعصابها أحياناً»، ومنها نعرف أنّ الأب والمربية «واتي» هما من يحكيان للصغار حكاية ما قبل النوم، بينما تتأخر الأم في التسوّق. وبالطريقة ذاتها نسوّغ رواية الجرس السادس على لسان عارف صديق الزوج؛ لنكتشف جانباً من شخصية سالم خارج المنزل، وربما من المفيد هنا أن أشير إلى حاجة النص إلى جرس آخر تبوح به عواطف عن مكنوناتها، وعن دوافعها الاجتماعية التي قادتها إلى سلوكٍ معادٍ للفطرة الإنسانية.
وتذكّر طريقة زينب الياسي في استناد روايتها إلى تعدد الأصوات، وليس ثمة مجال للمقارنة بين الروايتين، من حيث القدرة على إخضاع هذا التكنيك لمنطق السرد ورشاقته وسرعته، فثمة فارق واضح في الخبرة والتجربة لدى جبرا، غير أن المقصود هو أنّ زينب الياسي تجتهد لبناء سردها، ولا تركن إلى نظام سردي تعاقبي يسم معظم الروايات العربية.
ومن هذا المنطلق أيضاً نشير إلى حرصها على اختزال الزمن الروائي الذي لم يصل إلى ثمانين دقيقة، (حيث تبدأ الرواية في السادسة إلا ربعاً وتنتهي في السابعة تقريباً)، وهذا يفترض أحداثاً كثيرة تجري في الذاكرة، تتجلى على شكل استرجاعات تملأ فراغات الحكاية، وتتلاعب بالبناء التعاقبي للزمن، وهو ما يذكّر بتجارب مهمة في هذا المجال من مثل تجربة فرجينيا وولف في رواية «السيدة دلووي» التي قدمت زمن الرواية الواقعي في أربع وعشرين ساعةً، تجري أحداثها في أحد أحياء لندن، وتعتمد على شخصيتين رئيستين، «ومع ذلك فإن الوقت الذي تدور فيه الدراما الأساسية التي تحدث داخل ذهني هاتين الشخصيتين تستغرق ثمانية عشر عاماً. أما مكان الأحداث فينتقل من الهند إلى بورتون إلى لندن، إلى ميدان معارك الحرب العالمية في فرنسا».
ولا بد لنا هنا أن نؤكد مرة أخرى أننا لا نطمح إلى المبالغة في المقارنة بين الياسي ووولف؛ إذ لا يمكن أن نتناسى إتقان وولف لاستثمار اللوازم الزمنية والمكانية في الرواية، واشتغالها المستمر على التجديد في النقد والإبداع، ولكننا نشير إلى أنّ الروائية الإماراتية الشابة تسعى إلى أن تحجز لها مكاناً تحت الشمس، حتى في كيفية تعاملها مع التحديد الزمني الذي يوحّد بين الساردين الأساسيين، والذي يجعل الساعة شخصية شبه رئيسية في الرواية؛ على نحو يذكّر، وبقوّة، في الساعة التي كانت تدقّ على الجدار في رواية «ما تبقى لكم»، للفلسطيني غسان كنفاني.
ويمكن أن نقول بكلمات قليلة: تكشف رواية «أجراس» عن روائية تحمل كثيراً من الوعي بطبيعة الفن الروائي، وتضع في ذهنها تخطيطات بنائية وشكلية، وتجتهد في تطبيقها من أجل الوصول إلى أبنية سردية مميزة، ومَن كانت هذه صفاته فعلينا أن ننتظر منه مزيداً من الإبداع والتميّز في المستقبل.

كاتب فلسطيني

يوسف حطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية