وُلدت الدولة الواحدة أول أمس في تل ابيب. في بازل تأسست دولة اليهود وفي «تسافتا» وُلدت دولة كل مواطنيها من غير أن يتحدث عنها أحد. في أمسية واحدة كان جميع المتواجدين فيها متآمرون أو غريبون وتم اثبات أن الأمر ممكن. قد يكون هذا تضليل للحظة، لكنه حدث. الاغلبية لم تسمع عن عقد الدولة الجديد، لكن أول أمس أثبت المغني زيف يحزقئيل أن الحلم ممكن.
حينما سُفكت الدماء في يافا حدثت معجزة في «تسافتا». على المنصة كان ستة عازفين، خمسة منهم من العرب ـ مسلمين ومسيحيين ودرزي من الشمال ـ وإسرائيلي حريدي يعزف على الطبلة. المغني كانت له لحية ويعتمر قبعه سوداء. افضل الاغاني العربية. فقط بالعربية. الجمهور كانوا من طلاب المعاهد، شباب، يساريين، فنانين، اشكناز وشرقيين، علمانيين ومتدينين ويهود وقليل من العرب. في الصف خلفي كان زوجين من السامرة مع جميع الاشارات الخارجية. وفي الصف أمامي والدي وعمة رافضة التجنيد المسجونة، تئير كمنار. وفي المقعد بقربي مهندس حاسوب بدوي من عرب الشبلي، خريج التخنيون ومختص بأمن المعلومات ومحاربة السايبر ويعمل في «تشيك بوينت». باري سخروف أمامي. اربعة رجال تأخروا، جلسوا جانبا هم موظفو الجهاز الامني. فقط يحزقئيل يمكنه أن يجمع كل هؤلاء معا.
إنه مطرب كبير وله كاريزما وقدرة واسلوب. لقد رفع القاعة. لم يقل كلمة في السياسة. ورغم ذلك كانت هذه احدى الامسيات الاكثر سياسية، بدون كلمات. فقط «أخفيت دموعي وألمي عن العالم»، هذه الكلمات المؤثرة لأم كلثوم. أمسية تحرر وأمل. وفجأة تبين أن نصف القاعة تعرف كلمات عبد الوهاب والنصف الآخر يعرف كلمات أم كلثوم.
من أين جاءوا؟ جميع الذين قاموا بخفض صوت الراديو حينما بث بالعربية كي لا يسمع الجيران وكي يتجنبوا الاحراج، هم وأحفادهم في حفلة للحرية والترفيه عن النفس. لغة وثقافة محظورتين وممسوحتين مزقت في تلك الامسية قيودها. سامي شلوم شتريت كتب هنا في الآونة الاخيرة: «زيف يحزقئيل هو المسيح بالنسبة لي»، «هآرتس»، 25 شباط.
النبي يحزقئيل. في الوقت الذي يقوم فيه تسفي يحزقئيل بالاستخفاف والضحك في كل مساء من العالم العربي ويحرض ضده، فان زيف يحزقئيل يُظهر كم هو متسامي. فله فن ابداعي، يغني باللغة العربية في تل ابيب في أمسية حدثت فيها عمليات دون ضريبة كلامية ودون اعتذار ودون «اتزان». كل شيء مفروغ منه. وحظي بالهتاف والتصفيق ـ هل هناك شيء أكثر شجاعة من هذا؟ وأكثر تشجيعا من هذا؟.
قال يحزقئيل إنه لم يختر العربية بل هي التي اختارته. وعندما يتحدث عن العرض في قرية مسعدة في الجولان يقول إنها بعيدة، «ساعة ونصف عن بيروت». هكذا يمكن الاندماج في المنطقة، لكن بدون الكليشيهات. مشكوك فيه أنه يساري، لكنه رجل سلام أكثر من اغلبية اليسار. وهو إبن لعائلة عراقية، والده تدين وأصبح حاخاما وهو غير راض الآن لأن إبنه يغني بالعربية. محيطه الطبيعي يريد منه الغناء باليهودية لكنه لا يريد ذلك. في مقابلة مع «فلسطين 1948» وهي محطة تلفاز في رام الله، قال يحزقئيل إنه يجب التوقف عن سماع السياسيين. إن عرضا من عروضه يقدر على شطب الانطباع المسموم في ألف خطاب تحريضي. فكروا ما الذي سيفعله عرض كهذا في رام الله. صفقوا للنبي يحزقئيل.
في نهاية العرض عندما قام المستوطن بالصفير ورقص أتباع شاس وصفقت عائلة رافضة الخدمة وغنى يحزقئيل «إنت عمري»، عرفت أن حلم الدولة الواحدة ممكن. يجب أن نقوم بتأليف الاغاني المناسبة له ونعطيه إياها ليغنيها. بعد ذلك خرجت إلى الشارع واستمرت سيارات الاسعاف بالصفير.
هآرتس 10/3/2016
جدعون ليفي