في الوقت المقدس للفراغ أستطيع أن أعيش
بازدهار امرأة قروية جميلة مترددة على حافة الشارع،
بين لوحات النيون المضيئة والسيارات الصاخبة
أٌقرأ قصائد الشاعرات المنتحرات،
الشاعرات اللاتي تعذبن بسبب الشمس الساخرة من ندى الصباح،
ولم تكن لديهن الرغبة في تعلم أسماءالطيور؛
فأصبحن غرزة النسيج الرقيق بين الصمت والكلام!
ومثلهن سأمارس السحر و»فك المربوط»
وحل وثاق الموت الغارق في سمعة الأذى
وأصغي لكلماتي تدق كمطرقة رعب في لحظة قبل الاحتضار
* * *
في الوقت المقدس للعشق؛
أعيش في الخط الفاصل بين الأرض والسماء،
مثل قلب قصيدة جميلة،
ونورس يحلق على حافة زورق،
ورعونة امرأة تدخل في محادثة مثيرة
عن شجرة المعرفة والثعبان
أجلس على طاولة هذه اللغة العكرة وأتامل غيابك
أقضي بقية الأيام في تلميع قصائد الحب والحرب،
بالأنسجة القاتمة في نهاية الأصابع.
فتستيقظ يدي من غيبوبة الفراق،
لتفك إزار العزلة حين استقرت على كتف!
يدي صوت صرختي بك لحظة استولى الانفصال بعنف على أجسادنا
فأصبحت يدي ماء الحدود الفاصلة،
تسقي الكلمات وراء ظهري،
حتى تحول عمودي الفقري إلى تلة خضراء.
ولكن يدي النحيلة لا تزال
عاجزة عن خلق الفيضانات الكبيرة
* * *
في الوقت المقدس لنشوة الحلم
لن أتعلم أسماء الطيور
سأقرأ قصائد الشاعرات المنتحرات
وأنحني على عرش حزني!
بجانب نهر «السوباط»
هناك سُرّة، بحبلها المقطوع، مدفونة
وخمس كلمات
احتفظتُ بها في جيبي
العزلة والحكمة
الضوء والفضيلة
وظلُّ الألم الغامض فوق الشفاه السميكة
هما شفتاي تطلقان النار على نقطة فارغة،
وفمي يحاول أن ينهيَ عبءَ الكلام والخنجر
أخذتُ أبحث تحت العشب عن المراعي القديمة
عن ثمرة مانجو سقطتْ
عن موجةٍ من ضوٍء من ذهب
تشير نحو الخلود
نحو الجنوب
حيث ثمرة الباباي في الأرضِ الدافئةِ،
موطئِ مسار البقر وبركة الطين اللزجة
ولكن شاهدتُ عصفوراً
يحمل الصمت الأزرق للنيل
وكان حزن الماء وردياً
والأسماك المهترئة
حشدٌ الموت اليوميّ
وصمةُ الحرب على جسد الجنوب
* * *
آه، هناك الأعشاب طويلة القامة
تموت إذا تعاركت فيها الأفيال
والناس طوال القامة يتجرعون حلم الجنوب
جميلٌ وبسيطٌ
ولكنهم يموتون من الحرب
تَميمَةٌ لشجرةِ المَانجُو
لا بدُّ لي أن أعبرَ
بينَ كلابِ المدينةِ
ومُوسيقى الصباح
تحت الرصاص
لكي أكتبَ على ساقِ شَجَرةِ المانجو
هذه القصيدةَ كذكرياتٍ تُمارسُ الحِيَلَ على يومٍ ماطر،
الطقسُ مُجَرَّدُ اِبتسامةٍ مُلتَوية
يمارسُ الانزلاقَ من خلال ثُقب السماءِ المضطرب
يَنِزُّ غرائبيةً غامضةٍ،
كغناءِ مشعوذٍ في أحلك أيام يناير الباردة!
ينبغي أن تكون هذه القصيدة زنبقة
أو تقويم حي في أنشودةٍ قديمةٍ
نُقِشَتْ في العَتَبةِ السِّريةِ للظلامِ الأَبدي
أو امرأة ترتدي شِبْشِبَها الصيفيِ
تَهُزُّ رأسَها وتقول:
أنتَ يا حبيبي على قيدِ الحياة
وَظِلُّ حذائِك يشبهُ البندقية قليلاً
تَحولتْ فقط لتصبح بروميثيوس.
النساءُ يعرفن كيف للموتِ أن يكون سعيدًا
لذا يفضلنَ النَّوافذَ المفتوحةَ،
وابتسامةَ شجرةِ المانجو؛
والليلَ أو هذا الشعورَ السَّريع
الذي يشبه أسئلةَ نسيجِ الوجودِ بين الرَّعْدِ
والعاصفةِ خارجَ النافذة
أو مِحنَةَ العذاب البطيء لصورة السماء المنهارة،
حين يُغادرُ الرِّجَالُ للحَربِ.
لأنَّ النساءَ يعرفن كيف يكون الجُنودُ
أكثر الناس مقدرة على العشق
ويعرفن أنَّ الجنودَ يضعون الدانتيل على ظِلِّ الزِّناد
ويكتبون قصائدهم على جسد المرأة برائحة الهواء
لكن قصيدتي المنقوشة على ساق شجرة المانجو
لم تجرؤ على الوَعْدِ بوصولِ الصَّباح
ولا على النومِ تحت الأمطارِ النَّديةِ العَذبة،
ولا بالقُبْلةِ الحُلوةِ بين دِفءِ يَدَيكَ،
لأنَّ حُروفَها المُتلألِئَةِ غَرَقت
في الأزرقِ العَميقِ لرَائحةِ البَارُود.
شاعرة من جمهورية جنوب السودان
نيالا وحسن آيول