شيء من اللغة: الشهود والشهداء

حجم الخط
1

جهلوا معاني الكلمات فحمّلوا آيات القرآن ما لا تحتمل. وأكتفي هنا بمثال واحد، ففي أكثر من ندوة متلفزة دعوا إلى منع الإناث من الدراسة والعمل والسفر بلا محرم، وكذلك ممارسة الأنشطة الاجتماعية والثقافية، وأوقعوهن في دائرة الخطيئة.
ولقد فلسف بعضهم تلك الآراء بأن السافرات واللواتي يقمن بتلك النشاطات.. مرئيات من قبل الكثيرين وليس الشهود الأربعة فحسب. فهم أولا: لم يفهموا دلالة آية (أربعة شهداء) الخاصة في حالة معينة.
وثانيا: إنهم جهلوا (أو تجاهلوا) أنها لا علاقة لها بالنشاطات الاجتماعية والثقافية للمرأة. ونحن، هنا، لا نتحدث عن حكم شرعي، بل عن فهم لغوي للألفاظ العربية الدقيقة التعبير عن المعاني.
ولما كانت اللفظة المقصودة هنا هي (شهداء) فلننظر في هذه المادة ومشتقاتها:
* (شهد): قريبة من معنى العلم والحضور والبيان، كما في: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ). لاحظ المقابلة بين (نشهد) و(يعلم) فهم يعلمون أنه رسول الله. ولكن لا يريدون اتباعه. فمعنى (نشهد) هنا: العلم، لا الاقتناع.
وأما (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة 185) فمعناه الحضور حين بدء شهر الصيام.
* الشاهد: إسم فاعل من (شهد) وأغلب ما يستعمل لبيان (الشهادة) كما في المحاكم وغيرها. فهو قد (شاهَدَ) أي رأى وعلم أمرا فيدلي به أمام القضاء أو الآخرين وقد لا يكون دقيقا فيما رآه أو رواه، لذلك طلب القرآن عددا من (الشهود) في عديد من الحالات. ومن طريف ما جاء من الجمع (شهود) في الشعر قول الحلي:
لي في محبتكم شهودٌ أربعُ
وشهودُ كلّ قضيةٍ إثنانِ
خفقانُ قلبي، واضطرابُ مفاصلي
وشحوبُ لوني، واعتقالُ لساني
فكأن لسانه (معتقل) لا يستطيع الكلام. ومنه (الشهيد) صيغة مبالغة في (شاهد). والمبالغة هنا تعني الإحاطة والتدقيق وأقصى التأكد. ولم تأت صفة (شاهد) مع لفظ الجلالة. وحلت محلها لفظة (شهيد) في جميع المواضع، كما في: (قل كفى بالله شهيدا).
* لفظة (الشهداء) لها معنى واحد رئيس تتفرع منه تفرعات، وهو: الإحاطة الشاملة الدقيقة، بالموضوع الذي يُراد منهم الشهادة بشأنه، من غير أن يعتور تلك الإحاطة شيء من الخطأ أو الخلل أو عدم الشمول والاستيعاب. وهذا ملحوظ في جميع الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ، كما في: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء). ولم يقل (بأربعة شهود) إذ لا بدّ للشاهد، في هذه الحالة وما يشابهها، أن يكون (شهيدا) متيقنا مما يقول ومتأكدا تمام التأكد، لا تغره ظواهر الأمور فيلقي الكلام على عواهنه، اتهاما وتسقيطا وإساءة لسمعة الناس.
فما دام الأمر كذلك فكيف يجوز تشويه سمعتهن لمجرد أنهن خرجن للدراسة أو العمل أو السفر أو قمن بأي نشاط اجتماعي وثقافي آخر؟ ولا يغرنك ما قاله القدماء والمعاصرون من وحدة دلالة (شهود) و(شهداء). فلقد تسرب إليهم الخطأ من ناحيتين:
الأولى: إنهم اعتبروا (شهداء) ذا دلالة واحدة، سواء كان جمعا لشاهد، أم جمعا لشهيد. فألغوا خصيصة التوكيد والتعميم والشمول منه إذا كان جمعا لشهيد.
الثانية: إنهم بنوا ذلك على ما تصوروه من معنى سياق الجملة أو الآية، لا على أصل اللفظ، ودلالة ذلك الأصل. ولتأكيد المراد أقربه بمثال: فكلمة (عالِم) بكسر اللام جمعها (عالِمون) تقول: نحن عالِمون بهذا الشيء: أي مدركون له، عارفون به. غير أن اللفظ الشائع هو (علماء) مثل (شهداء) للدلالة على سعة العلم والإدراك والإحاطة بجميع جزئيات الموضوع وكلياته.
ومن معاني لفظ (الشهيد) المستشهد في القتال، ولكن ثمة من روى أبوابا أخرى للشهادة، كرواية (من عشق فعفّ فمات فهو شهيد). وجاء في قول الشاعر:
لاموا عليك وما دروا
أن الهوى سبب السعادهْ
إن كان وصلٌ فالمنى
أو كان هجرٌ فالشهادهْ
ولخص الصفدي (696 هـ/ 764 هـ) ذلك بقوله: (إنّ شهادة العشق من أعلى رتب الشهادة).

باحث عراقي / لندن

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية