في النثر، يفجر الشاعر إمكانات الإيقاع، نكاية بسيمترية البنية العروضية الخليلية، في أفق هدم الفاصل بين الألفاظ الشعرية، والألفاظ غير الشعرية. إن قصيدة النثر كمنعطف في الكتابة الشعرية الراهنة، ولد إحساسا كبيرا لدى القارئ العربي، بجمالية كلام يتموقع بين الشعر والنثر، جيئة وذهابا؛ والشاعر في هذا الوضع، أصبح لا يكاد ينام على لغة أو شكل.
أمام هذا المنحنى الصعب، يقول صلاح بوسريف : «تبدو حدود الخطر واضحة، لأن تحويل النثر إلى شعر، هو غواية، منعطفاتها خطرة. وهو غواية أيضا، لأن كاتب الشعر نثرا قد لا ينتبه لامتصاص النثر للشعر، فيصبح بذلك النثر هو حد الشعر، ومنتهاه».
ولقد فطن إلى هذا الأمر، مبكرا، أحد مؤسسي قصيدة النثر، في الوطن العربي، ألا وهو الشاعر اللبناني أنسي الحاج، إذ أشار في مقدمة ديوانه «لن»، إلى أن قصيدة النثر، تتأسس على رؤية صادرة عن تجربة عميقة، ومرتهنة بثلاثة شروط، هي: الإيجاز، التوهج والمجانية، وإلا فقدت جماليتها. إن قصيدة النثر، عند أنسي الحاج، هي أكثر من قصيدة الوزن حاجة إلى التماسك، «وإلا تعرضت للرجوع إلى مصدرها، النثر، والدخول في أبوابه من مقالة وقصة ورواية وخاطرة». وصلاح بوسريف، حين راهن، في البداية، على قصيدة النثر، كاختيار جمالي صعب، فلأنه رأى فيها انسيابا «يحتاج إلى يد ماكرة لحصره، للحفاظ على شعرية النص. وهي اليد التي تقصد في كلامها، كما تقصد في انسيابية هذا الكلام، ولا تتركه يتشتت في اتجاهات، منعطفاتها غير محسوبة». بعد ذلك، لم يعد صلاح البتة، معنيا بمفهوم «قصيدة النثر»، على أساس أنها مفهوم لم يجاوز، من حيث التسمية على الأقل، كليشيهات «القصيدة». القصيدة، كمفهوم، هي ممارسة شعرية متحدرة من الماضي، وقد اختزلت الشعر كله، في أفق منغلق، أفق لا ينظر إلا إلى نفسه، ولا يلتفت إلى الأفق المغاير قيد أنملة.
لقد ظل صلاح، طيلة مساره الكتابي، شغوفا بالشعر، ومشغولا بمقترحاته لا غير. ولما كانت قصيدة النثر، بما تتيحه من انشراح وانفتاح على أفق مغاير، أي بما هي مقترح شعري جديد، من ضمن مقترحات أخرى، فإن صاحبنا لم يتوان البتة في الدفاع عنها، بالهمز واللمز تارة، وبالإفصاح والتشريح تارة أخرى. طبعا دفاع صلاح عن قصيدة النثر، كان من حيث المبدأ فقط، أي باعتبارها اختيارا شعريا جديدا، وأفقا مغايرا في أرض الشعر المجهولة. لكن شعراء، في نظره، كثيرون يستسهلون قصيدة النثر، وثمة الكثير من عسس الشعرية المعيارية من ينظرون إليها، على أنها بلا قدمين، أو أنها ناقصة عقل ودين، لمجرد كفرها بالوزن العروضي الخليلي كمحدد للشعرية. إلا أن صلاح، ما لبث ينظر إليها على أنها مقترح شعري منح الكتابة فرصتها الذهبية، وأنها ليست يسيرة المنال، أو متاحة لأي كان، كما يتوهم البعض، لأن الكتابة، أولا وأخيرا، حرقة ومسؤولية، وليست «نزوة طارئة».
اليد التي لا تكتب رجل
لم يعد النص الشعري المزدان بانشراحه اليوم، مشغولا سوى بالكتابة، كشرط حضاري، على حد تعبير الشاعر نفسه. والكتابة هي وعي بالصفحة.. وعي بحركة الكر والفر للحبر.. ووعي بحرب باردة بين السواد والبياض.. بين الصمت والكلام. وبذلك يكون الشعر قد حرر مجاله، ووعى جيدا شعريته، وأصبح «أكثر عمقا مما كانت عليه القصيدة، حتى ذلك الفصل العجيب، بين لغة للنثر، ولغة للشعر، لم يعد قائما بهذه البساطة. لغة واحدة، يد الشاعر تعمل على تذويبها في سياق شعري. دوال كثيرة تناهز ماءه، وتحيل النص إلى احتفال شعري، لا حد لاحتمالاته. ليست الكتابة تسلية، لذلك فهي، دائما، في حاجة إلى يد محمومة. يد تدفع الشعر إلى مضايقه، بتعبير أبي نواس، أليس هو القائل: «يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه». اليد المحمومة، يد مرتعشة، يد «تخط كلماتها، مستجيبة لحفاوة النداء، للجسد الملقى في تخوم اشتعاله».
في العمل الشعري/ السيري (شرفة يتيمة)، قيد الدراسة، لا تنصت الصفحة سوى لإيقاع رعشات اليد، تلك التي تُهجّجُ الجسد، مطوحة به في المجهول. ثمة في المجهول نداء ما يضع اليد في مواجهة مصيرها.. في مواجهة وجودها، أقصد بذلك نداء الوجود. إن صلاح في هذه الإضمامة الملحمية (السير ذاتية)، بأجزائها الثلاثة، يخوض الصفحة بوعي شديد، أي أنه يذهب إلى ممارسة تخييلية، تمنح الحرية للشعري والنثري، لكي يقولا ما لا ينقال، في تزاوج وتوالج ماتع، تارة بالانتصار للسواد، في إطار ما يمكن نعته بتشكيل الفقرة، أو استراتيجية الامتلاء، وتارة أخرى، بالانتصار للبياض والصمت، تاركا للصفحة أن تحكي بياضها، مقوضة بذلك العنصر اللساني لصالح البياض، والصمت، والعلامة، والرمز، واللون، كموتيفات جمالية وبصرية، شكلت وعاء جديدا للمعنى أو بالأحرى للدلالة.
من المؤكد، والحال هذه، أن الشاعر، وبالنظر إلى مشروعه النقدي الذي يتأسس على فكرة الكتابي في الشعر، في مقابل الشفاهي، يعي جيدا المقولة التي ترى أن «الشعر رسم صائت وأن الرسم شعر صامت»، ما جعله يفتح التخوم بين الشعر والتشكيل بشتى فروعه، بين شكل تعبيري وآخر. ربما كان هذا السبب نفسه الذي جعل أرسطو ينتبه مبكرا لهذا الأمر حينما أدخل الرسم والنحت والموسيقي والرقص، ضمن المقولة الشعرية، ربما.. من هذه الحافة، نجد صلاح بوسريف، يذهب إلى الدلالة غير اللغوية، من خلال نثر الكلمات وتشتيتها، موظفا تقنية (الغرافيك)، كما هي الحال في هذا النموذج:
لا
تقايض الريح
إلا بالريح
وإذا اشتد عليك دوار البحر
أمسكت مجاديفك برزانة العابث بفداحة الموج
لا
لتنجو بالبحر من البلل
بل
لأنك احتملت ارتجاج زوارقك
وطويت الماء في برزخين.
هي الريح، إذن، تشتت الدلالة، وتجعل المقطع الشعري مجسما، يعكس درجة اختلال العلاقة بين الذات الشاعرة ومحيطها. كلام يتشكل لحظة الكتابة، مع منحه الصمت والشتات والقطيعة، إمكانية الدوي داخل الأنا العميقة، حتى أن هذا الدوي، كما يقول إدمون جابيس، يستمر «بلا سمعه المتنامي والمقلق، داخل أعماق ذواتنا التي يتعذر بلوغها». إن لعبة السواد والبياض، في هذه التجربة الشعرية، مرتبطة أساسا بمنسوب الدفقة الشعورية (الإيقاع النفسي) لدى صاحبنا. هذا الأخير يدرك جيدا حجم المخاطر وتناسل الفخاخ التي تحفّ بالبياض، لذلك فهو يتعامل معه بحذر شديد، حين تخوض الكتابة صفحتها. لم تعد الكتابة، ها هنا، تُمارَسُ داخل «إطار مقفل»، كما تواضع عليه الشعراء القدامى، من داخل وعي بويطيقي معياري صرف، بل أصبحت تمارس داخل نطاق الحيز، بما يعنيه التعبير من وعي بالمجال ومدى خطورته.
«شعرية الحيز» هاته، دال أساس من دوال الكتابة عند صلاح، إذ به تتوالد وتنمو المعاني، بشكل متساوق مع الحالة النفسية والشعورية والرؤياوية للشاعر. ولنأخذ هذا المقطع نموذجا لذلك:
أ
أنت
يا
صلاح
من كانت الغابات تأويك، حتى وأنت ما يزال الغيم لم يلفظك بعد، أويزج بك في دمك
إن البناء العمودي للذات الشاعرة، في هذا النموذج، لم يأت عبثا. فهو بناء يختزل شخصية متشظية، مطمورة بفلسفة الانقطاع، معرفيا ووجوديا، بالقدر الذي يختزل مدى وعيه بالكتابة.. وعيه بخطورة اليد. وبذلك فإن هذا التآكل على مستوى حركة اليد، عكس بحق، حالة تمزق الذات الشاعرة، من جهة، ومن جهة أخرى، تمكن من أن يحدّ من فحولة الكلام (الشفاهي)، لصالح حركة اليد (الكتابي). تلك هي اليد المحمومة التي تستجيب لنداء الجسد الملقى «في تخوم اشتعاله». ولعل القارئ لهذا التخييل السير ذاتي، بمكنته أن يلحظ أن المنجز الشعري، قد استحكمت فيها استراتيجية الامتلاء، أقصد تشكيل الفقرة، بما يتيحه هذا الأفق من إمكانات، ومساحات كبيرة، لجعل الذات تحكي ذاتها، أليس الأمر يتعلق بسيرة ذاتية؟ وبذلك أخلص إلى أن النثري، في هذا العمل، بمستوياته المتباينة، قولا وتشكيلا، قد شكل المحور البؤري، في جل النصوص، لكن بكثير من الارتعاش الذي يحن مع كل حرف أو كلمة، إلى الشعر؛ فقط لأن اليد التي كانت تخطه، يد محمومة.. يد حرصت ما أمكن على ارتكاب آثامها، بتعبير الشاعر نفسه، جاعلة كل نص من هذه النصوص، نصا «بلوريا» (التعبير لعبد الكبير الخطيبي).. نصا يضع دواله في مواجهة ذواتها، على عكس ما درجت عليه العادة الشعرية، تلك التي انبطحت للدوكسا الشعري المعياري، تاركة المجهول والتخوم، لمثل هذه اليد المحمومة. فطوبى لها.
إستراتيجية الإحالات
تحضرُ، في هذا العمل، إحالات عديدة، إما باعتبارها مدونات تارة، تُعلن عن نفسها مباشرة، أو باعتبارها توضيحات تشكل نصا موازيا تارة ثانية، أو باعتبارها استطرادا للنص تارة ثالثة، أو أنها تضع آثام الكتابة المرتكبة، في سياق تساوقها وتوالجها. ومن جملة الآثام المرتكبة، استئناف الكتابة باليد إلى حدود مرحلة الطبع. ففي نص «لا يقين في الغابة» الصفحة25، يضع الشاعر إحالة في آخر الصفحة، معلقا على جملة «دون أن يمسها زيت»، قائلا: «في مخطوطة الديوان الأصلية المكتوبة بخط اليد (بدون أن يمسها زيف)، والشاعر ارتأى وهو يرقن الديوان أن يغير الزيف بالزيت، لأمر، هو نفسه لا يعلمه».
قد يفسر هذا بـ»مثالب الشعر»، وقد يفسر بـ»آثام الكتابة»، إلا أن الأكيد، هو أن النص عند صلاح، يظل مسكونا بتسمية نفسه، حتى وهو في مرحلته الأخيرة أي في المطبعة. وهنا تحديدا يتبدى فعل الخلق.
إن صلاح وهو يذهب بالهامش (هامش الصفحة)، كامتداد وحيز ودال، إلى التوالج في الكتابة التي تضاعف دوالها، يجعل بذلك من النص دينامية تؤسس لشعرية مفتوحة – أمبرتو إيكو- كما هو الشأن في الصفحة61 من «لا يقين في الغابة». هذا التوالج الذي ذهبت إليه الكتابة، ها هنا، بوضعها الهامش في تعالق مع المحوري، ساهم بشكل كبير في مضاعفة دوال النص، مستغلا بذلك كل ما تتيحه الصفحة، من إمكانات للتناسل والتكاثر. فاليد «التي تكتب لا تخون» كما ورد في هامش كتاب «خبز العائلة».
لن نشير إلى كل النداءات المقبلة من فجاج الهوامش، فهي كثيرة جدا، بحيث تحتاج لوحدها، لأكثر من دراسة، لكنني سأكتفي، في هذا المقام، بالإشارة إلى بعض نداءات النص الديني، باعتباره مدونة حاضرة بقوة في هذا العمل. يحضر النص الديني، في تضاعيف الأجزاء الثلاثة لهذه السيرة الشعرية، بشتى مرجعياته (إسلامية، مسيحية، يهودية، صوفية…)، كمدونة موجهة لفعل الكتابة، لا بخلفية ثيولوجية أو بإقحام فج أو تعسفي حتى، وإنما تم ذلك برغبة من الشاعر في إثبات وجوده، عن طريق إعادة تسمية الأشياء، وتكثيف الرؤية، محدثا، بذلك، نوعا من الألفة والحوار بين الديانات السماوية، بعيدا عن أي تعصب أو طهرانية صدامية. حضورٌ، وإن كان على الهامش، إلا أنه يلج ويتوالج في الكتابة، مانحا إياها امتدادات أخرى. ولعمري تلكم أعراف الكتابة المترامية. ففي نص «لا تقصص رؤياك…»، تحضر قصة يوسف عليه السلام، كقناع لسيرة الشاعر، تعدى أن يكون مجرد معادل موضوعي.. يقول فيه:
أنت رأيت: قال والدي
فلا تقصص رؤياك على إخوتك. (حجر الفلاسفة، ص215)
والرؤيا هنا، تحضر بمعنى الحلم الشبيه بماء (يجري مجرى السحاب). وفي هامش الصفحة نفسها، نلفي تفسيرا ضافيا لابن سيرين حول رمزية الماء في التراث والنص الدينيين.
وفي الجزء نفسه «حجر الفلاسفة»، يستشهد الشاعر بنص ديني آخر، في هامش الصفحة232، هذه المرة من الإنجيل، مضمونه «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلمة تخرج من فم الله» (إنجيل متّى). الأمر هذا، يجعل الكتابة، في هذا المقام، تنفتح على الإنسان في كونيته التي لا تقاس بانتماءاته العقدية، كيفما كانت، وإنما بمدى شكه في اليقينيات، وبمدى نبذه لكل طهرانية، علة فداحة الإنسان:
أما الحياة فليست لتحتمل
بل لتعصى (هامش ص236- حجر الفلاسفة)
هذه المدونات، وغيرها كثير، وضعت الكتابة، عند صلاح بوسريف، في مواجهة شرط حداثتها، وجعلت يده، أثناء خوضها فعل الكتابة، أسيرة ترنحها.
كاتب مغربي
محمد الديهاجي