بمثلما أن الكاريكاتور الجيّد «يغني عن قراءة الجريدة»، حسب قولة منسوبة لمحمود درويش بشأن رسوم ناجي العلي، فإنه يجوز القول إن العنوان الصحافي الجيد يغني عن قراءة المقال أو التقرير، بل وقد يغني عن السؤال عن هوية الجريدة أصلا: ليبرالية أم محافظة؟ يسارية أم يمينية؟ الخ. ولهذا فإن من المجدي أحيانا أن يقرأ المرء «جرائد الضفة الأخرى»، ليس لمجرد الاطلاع على الأفكار المقابلة من منطلق عدم الركون إلى أمان قراءة جرائده المعتادة، التي تنسجم مواقفها في العموم مع مواقفه، بل لأن هنالك في قراءة الجرائد الأخرى (وأعني هنا الجرائد المحافظة أو اليمينية مثل الدايلي تلغراف البريطانية أو لوفيغارو الفرنسية) العريقة متعة مضمونة بفضل جودة الصنعة الصحافية وكثرة الكتاب المتميزين.
ويكفي لتبيان المقصود أن نتخذ مثالا من اختلاف أسلوب معالجة أحدث تطورات أزمة اللاجئين في لوموند (التي تنتمي ليسار الوسط) من ناحية، وفي لوفيغارو (التي تنتمي لليمين) من ناحية أخرى. فبعد قرار دول الاتحاد الأوروبي إغلاق طريق البلقان بهدف منع تدفق مزيد من آلاف اللاجئين الحالمين بالوصول إلى ألمانيا والبلدان الاسكندنافية، كتبت لوموند: «أزمة اللاجئين: أوروبا تضفي طابعا رسميا على تخندقها». وقد وضعت الجريدة كلمة «التخندق» بين معقفين، وأضافت، في عنوان فرعي، أن طريق البلقان قد انتهت بتحويل اليونان بأكملها إلى «مخيم للإغاثة الإنسانية». ولأن هذا القرار اتخذ في قمة بروكسل، التي جمعت الساسة الأوروبيين بالساسة الأتراك، والتي أفضت إلى الاتفاق على أن تقبل تركيا بإيواء طالبي اللجوء من غير السوريين الذين تردّهم سلطات الدول الأوروبية على أعقابهم بعد رفض التماساتهم، فقد نشرت لوموند على الصفحة الأولى عنوانا يقول: «أزمة اللاجئين: أوروبا تعوّل على تركيا».
أما لوفيغارو فقد عنونت قبل يوم القمة: «أوروبا تراهن على تركيا لسد الطريق على اللاجئين». وواضح أنه بينما يحيل فعل التعويل إلى عجز أوروبي شبه تام أو إلى حاجة أوروبية شبه مطلقة، فإن فعل المراهنة يحيل إلى المجازفة والمخاطرة وعدم الوثوق التام في الدولة التركية المراهن عليها.
وبعد ذلك بيومين، عنونت لوفيغارو بسخرية لا تكاد تخفى: «أزمة المهاجرين: «الآمال التركية التي تراود (أنغيلا) ميركل». أي أنها آمال تشبه الأحلام. وربما الأوهام. أما الافتتاحية، وهي بعنوان «(الأمر) في يد السلطان»، فإنها لا تترك مجالا للشك في شدة الاستياء من جنوح الاتحاد الأوروبي إلى التفاوض مع تركيا (التي اختلقت الجريدة فرصة لوضعها في أجهز القوالب: قالب الماضي السلطاني العثماني) بشأن الحد من تدفق اللاجئين مقابل التعهد الأوروبي باستئناف المفاوضات (النائمة منذ سنوات) بشأن ترشح تركيا لعضوية الاتحاد. تقول لوفيغارو: «ها إن ديمقراطيات أوروبا (قد أسلمت أمرها) في يد السلطان. إنها لسخرية لاذعة أن يجد الأوروبيون أنفسهم، بغية تفادي انفجار الاتحاد الذي يجمعهم، وقد غدوا معلّقين بإرادة وقرار بلاد (لا تزال) تقرع أبوابهم. بحيث أن تركيا أردوغان قد تحولت خشبة نجاة للتوقي من الغرق في مياه المتوسط، أي أنها صارت آخر أمل لوقف تدفق المهاجرين وإنقاذ (اتفاقية) شنغن».
لاحظ أن لوفيغارو لا تتكلم عن أزمة لاجئين، بل عن أزمة مهاجرين. وهذه طبعا نصف الحقيقة. بل أقل من النصف. لأن من الصحيح أن بين المتدفقين على أوروبا شبابا لا تنطبق عليهم مواصفات اللجوء الإنساني، وإنما هم فروا من بلدانهم طلبا لتحسين أوضاعهم المعيشية أو أملا في الحصول على عمل بعد سنين من البطالة القاتلة والجالبة لكل المفاسد. ولكن الأصح أن معظم القادمين هم من اللاجئين الذين فروا من جحيم الحروب، وفي مقدمتهم اللاجئون السوريون. ولكن تذويب كامل القضية في كلمة الهجرة أو المهاجرين إنما هو تلبيس خطابي تتمثل محصلته الناجزة في استثارة المخاوف الدفينة من الغرباء القادمين لانتزاع فرص العمل من أهل البلاد الأوروبيين الذين يقاسي بعضهم صعوبة العيش بسبب انتشار البطالة وعودة شبح الفقر.
وتقول الجريدة إن أنغيلا ميركل تواجه وضعا «استعجاليا»، وإنها صارت معزولة في أوروبا التي تحملها مسؤولية المعالجة «اللامعقولة» للأزمة، وتضيف أن تركيا تساوم بصرامة مقابل عودتها «حارسة للمضائق». ذلك أن «أوردوغان أستاذ في الإبهام والالتباس (..) وهو ليس بأرقّ المفاوضين وأعطفهم في بازار الدبلوماسية الكبير».
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي