الموقف الرسمي الخليجي والعربي من «حزب الله» دعوة للتوتر‫!‬

في وقت انتفضت فيه قوى وطنية وقومية مصرية متحدية جريمة التطبيع «الخصوصي‫» التي‬ اقترفها أحد النواب ممن حازوا مقعدهم البرلماني في غفلة من الزمن، فصور له شيطانه أنه يمتلك ناصية السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والعلوم والتقانة والدبلوماسية، وبيده وحده حلول كل المشاكل المعقدة‫..‬ ومنح نفسه حقا استعراضيا حوله إلى رخصة للتحلل من كل التزام بالقيم والمبادئ والثوابت التي ارتضاها المواطنون الصامدون في وجه جحافل التطبيع وجيوش المطبعين‫..‬
وبهذه الرخصة دعا السفير الصهيوني إلى منزله‫،‬ وكان رد الفعل على جريمته هذه غاضبا، فنال جزاءه بالعزل من البرلمان، في رسالة واضحة لمن تسول له نفسه السير على هذا الطريق الملغوم، فيواجه نفس المصير أو أشد‫.‬ وفي نفس يوم عزله ‫(‬2‫/‬ 3‫/‬ 2016‫)‬ كان مجلس وزراء الداخلية العرب جاهزا لتحويل الأنظار بعيدا عن حجم الغضب ومستوى تصدي المواطنين المصريين للتطبيع والمطبعين‫،‬ وأصدر قراره باعتبار «حزب الله» اللبناني «‬منظمة إرهابية‫»!‬
وهذا قرار في حاجة إلى تدقيق. فقد تزامن مع قرار مجلس التعاون الخليجي، وقد اعتبر بدوره الحزب اللبناني، بكافة قادته وفصائله والتنظيمات التابعة له والمنبثقة عنه «منظمة إرهابية»، واتخاذ إجراءات بحقه جراء ما وُصف بـ»استمرار الأعمال العدائية التي يقوم بها الحزب الشيعي»(!!)، حسب ما جاء في بيان الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي.
حمل القرار نفسا مذهبيا وطائفيا وقبليا.. وجاء خارج السياق والتقاليد المتعارف عليها بين أروقة جامعة الدول العربية، ومنها الحرص على صدور قراراتها بالإجماع.. وهذا غير متحقق في هذا القرار.. بصورة تدعو للتساؤل.
تحفظ لبنان، بلد حزب الله، على لسان وزير داخليته، نهاد المشنوق، مبديا اعتراضه على وصف حزب الله بـ»المنظمة الإرهابية»، وهو نفس ما صرح به وزير الخارجية اللبناني. ورجحت أوساط لبنانية توافر القصد في التوقيت والمغزى من طرف العازفين على وتر استقرار لبنان وأمنه ووحدته وقد تناسوا أن لبنان استوعب من زمن دروس الحرب الأهلية بعد خمسة عشر عاما من المعاناة والضنك وسقوط آلاف الضحايا والجرحى والمشردين، وتعلم أنه يرفض دور المتراس في الصراعات العربية والإقليمية والدولية، ويسدد فواتيرها من دماء أبنائه وأهله واستقرار مواطنيه‪..‬ وباختياره الحر وقف إلى جانب المقاومة الوطنية والإسلامية من بيروت حتى خطوط التماس مع جيش الدولة الصيونية في الجنوب، ويتصدى للغارات والحروب الدورية، وكان آخرها حرب 2006.
وفي فلسطين استنكرت حركة «الجهاد الإسلامي» و»الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» القرار واعتبرتاه تشويها لظواهر نبيلة أحاطت بالكفاح العربي من بداياته، وأهمها ظاهرة المقاومة، والصمود في وجه انتهاكات سكان المستوطنات وقوات الأمن الصهيونية، وتصديها لنشاطها المحموم لتهويد القدس وهدم المسجد الأقصى.
وتواجه المقاومة ظرفا استثنائيا، ولم تعد كما كانت بتأثير الانهيارات العربية والإقليمية، واتساع الاختراقات الصهيونية، وكثافة الحرب الإعلامية والنفسية، بكل ما لذلك من تأثير على العقل العربي، وعلى المناعة الوطنية، وقد ضعفت من تواصل حملات التكفير المذهبي والاقتتال الطائفي والتشهير القبلي.. فتجد «جهادا سنيا» يكفر ويهدر دم أي «مقاومة شيعية»، وبالعكس، بغض النظر عن التوجه والقرب أو البعد عن الفتن وميادين الحروب الأهلية أو دوائر الصراعات البينية‪.‬
وتحفّظ العراق على القرار، وانسحب وزير داخليته محتجا على بعض فقرات أخرى في البيان الختامي، ورفض ما وصفه بـ»الإملاءات وهيمنة طرف على قرارات المجلس، وجر الآخرين إلى مواقف سياسية تحقق مصالح لطرف دون الآخر».
وأعلنت الخارجية التونسية أن قرار وزراء الداخلية العرب لا يعكس موقف تونس، والبيان الصادر ليس له «‬صفة إقرارية‫»‬ أي ملزمة. وأوضحت أن مثل هذا القرار يصدر بالتشاور بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وتعلنه وزارة الخارجية وليس وزارة الداخلية، وأكدت على متانة علاقة تونس بلبنان وإيران وهي «‬متطورة جدا‫»‬. ونددت أحزاب ومنظمات أخرى بالقرار، كالاتحاد التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين، والحزب الجمهوري التونسي، وحركة الشعب التونسية.
ورغم امتناع الجزائر عن التصويت على القرار فقد صرح وزير خارجيتها بأن بلاده تتبرأ رسميا من القرار، واستطرد‫:‬ «‬حزب الله حركة سياسية تنشط في دولة لبنان وفق قوانين هذا البلد‫»‬، مشيرا إلى ثبات المواقف الجزائرية بشأن عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الشقيقة، وأن «أي تشويه للموقف تَجَن على الجزائر ومحاولة جرها لحساسيات إقليمية‫».‬
وبدا قرار وزراء الداخلية العرب تصعيدا في غير محلة، يؤجج حروب الطوائف وعنف مليشيات المذاهب، ويزيد من تسابق القبائل على التقسيم والخرائط الجديدة والانتهاء من مشروع الشرق الأوسط الكبير.. هذا مع وجود نوايا مبيتة لإجهاض الحلول السياسية المطروحة، ومنها ما وجد قبولا لدى قوى كبرى، ورضى أطراف عدة تصارعت على سوريا، ومنها من تراجع عن هدف إلغاء وجود الدولة.
من حق أي وزير داخلية عربي التضامن مع الرياض، بشكل فردي أو جماعي، ومن حقه شجب اقتحام سفارتها وقنصليتها في طهران، واستنكار المضايقات التي يتعرض لها دبلوماسيون سعوديون وأسرهم، لكن ليس من حق أحد التدخل في شؤون الآخرين، ولا تجاوز ميثاق الجامعة‫..‬
ويبدو أن مجلس وزراء الداخلية العرب يستخف بسيادة لبنان على أرضه، وهو الذي أقر بوجود حزب الله طرفا في معادلة الحكم، ومكونا رئيسيا من مكونات القوى الفاعلة، وله ممثلون في البرلمان، دخلوه بالانتخاب، ويشارك في الحكم القائم‫.‬ ووجود تحفظات على سياسة إيران تجاه المملكة السعودية لا يمنع من وضعها في إطارها السياسي المناسب، وتُعامل – على الأقل – بمستوى التعامل الخليجي الرسمي الراهن مع الدولة الصهيونية‫..‬
إيران دولة قديمة من دول المنطقة، وجار وشريك حضارة، ومساهم في نشر رسالة النبي العربي إلى العالمين. ولا يمكن مقارنتها بالدولة الصهيونية، المنشأة من قِبل الاستعمار، وبطريق الإحلال والاستيطان والتطهير العرقي والتهجير القسري والتدليس السياسي‫.‬
ووزراء الداخلية العرب، وهم يعلقون الفشل العربي على مشجب إيران، لماذا لا يلفتون أنظار وحكوماتهم إلى مسؤوليتهم عن ترك بلادهم مستباحة لجحافل الغزاة والمغامرين؟
ومن الطبيعي أن يكون موقف وزير الداخلية المصري مستغربا، وضع حكومته في قلب السياسات المذهبية والطائفية والقبلية، بكل تعارضها مع التراث الوطني المصري الجامع، وتناقضها مع الإعلانات الرسمية المؤكدة على أهمية التسويات السياسية والتفاوضية، المراعية للمصالح المشروعة، بعيدا عن العسكرة والعنف في تعامل الفرقاء بين بعضهم بعضا.
وقرار وزراء الداخلية العرب صدر في لحظة تواصل بين أطراف لا تقر العسكرة‫..‬ ومنها من وعى أنه وحده أضعف في لعبة الأمم وبين الإرادات المتصارعة على سوريا، وفي دوامة الأطماع المحركة لها تم استنزاف الجميع‫.‬ وانتهت الأمور بحضور وتدخل كل الأطراف وتغييب العرب‫.‬
ويوم أن كانت هناك إرادة عربية في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية استطاعت القمة العربية تشكيل «‬قوات ردع عربية‫» عام 1976، توافقت عليها إرادات ثلاث: لبنانية وعربية ودولية، وسرعان ما اختفت هذه الإرادات بتداعيات حرب اكتوبر / تشرين الأول، كآخر الحروب ضد الاغتصاب الصهيوني، وبداية القبول بالهزيمة السياسية أمام واشنطن وتل أبيب في «‬كامب ديفيد‫»..‬ ووصل الانهيار مداه بالاندفاع السريع نحو الصدام المذهبي الطائفي القبلي‫..‬ وسقطت المنطقة في جب سياسي وحضاري بلا قرار‫.‬
وقرار مجلس وزراء الداخلية العرب يعلن غلق الأبواب في وجه الحل السياسي، أملا في استمرار رهانات قديمة ‫خاسرة‬، وبقاء نزيف الأرواح والثروات والأراضي، وضياع مستقبل الأجيال القادمة‫.‬
هذا هو حصاد الفتن والاقتتال والانتقام، تصر عليه جماعات ‫»‬سلفية جهادية‫»‬ وهي في حقيقتها جماعات «‬مذهبية مسلحة‫»‬ لا تعرف من أمر الحياة غير الانتقام والعنف والدم والنار‫!‬

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية