لا تنفصل رواية الكاتب والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله «أرواح كليمنجارو»، في مضامينها، ورؤاها، وفلسفتها ، عن مثيلاتها في المنجز الشعري، وحتى الفني- التشكيلي لإبراهيم نصر الله. يعرف الأخير كيف يطوي جناحيه على اعتزاز استثنائي بعدد من الألفاظ – الرموز مثل: الطير، الجناح، الأجنحة، البحر، الجبل، النخيل، الريح، الشرفة، الغابة، وغير ذلك الكثير، وهي في الغالب الأعم مفردات محمّلة بدلالات، ومستقاة من عناصر الطبيعة التي أثرى منها صوره الفنية، ومعجمه الشعري الخاص، ورموزه ورؤاه.
لو أخذنا ثيمة الجبل في سياق الرواية ، سنجد أن الرحلة كانت غاية ووسيلة في الوقت ذاته، وبصورة لا تنفصم إلى درجة الاندماج بين الغايات والوسائل. الجبل يعدّ بحدّ ذاته إنجازا فرديا وجماعيا، ما يعني تحقّق هدف ينظر إليه الناس بعامة بتقدير عال وإعجاب شديد. وبالنسبة إلى إبراهيم نصر الله، الذي شارف آنذاك على الستين، فقد كان إنجازا ونصرا للجسد من ناحية، مثلما كان إنجازا جسديا ومعنويا استثنائيا للفتيان الفلسطينيين الذين بلغوا القمة بأطراف صناعية وأجساد مصابة. وهكذا كان الوضع بالنسبة للواصلين الآخرين. ولأن «جبريل» كان بمثابة البقعة السوداء في الثوب الأبيض، فقد كان من الطبيعي أن لا يبلغ القمة.
ولأن الجبل، أي جبل شاهق الارتفاع مثل كليمنجارو، غالبا ما يبقى عالما مغلقا للكثير من الناس، فإن الوصول إلى قمته يمثل رحلة نحو الاكتشاف والكشف والمكاشفة. هو اكتشاف للجبل ذاته وتفكيك لمغاليقه، وهو اكتشاف للذات لدى كل فرد من أفراد الفرقة الصاعدة تقول ريما لنفسها:
« أنت بحاجة لأن تعرفي نفسك أكثر ربما، ونفسك لن تعرفيها تماما إلا بالآخرين. الآخرون ليسوا هم الناس فقط، إنهم كل شيء في هذا العالم».
ريما، وغيرها، سوف يعمّقون وعيهم بذواتهم، كما سيدركون أن رحلة الاكتشاف سوف تؤدي إلى معرفة المزيد عن رفاق الرحلة، وسوف يكاشفون الآخرين بعلاقاتهم وتجاربهم وخلفيات حياتهم ويزداد النسيج الإنساني محبة ومتانة. والجبل، وصعوده، وقمته تجربة في التحدي، تحدي الذات، وتحدي الجسد، وتحدي الإرادة. وهو، علاوة على ذلك، يمثل محكّا لتحدّي عناصر الطبيعة القاسية: الثلج، البرد، العواصف، الحيوانات، ناهيك عن تحدي الجوع والعطش والتعب والألم. وهنا تتكشف أبعاد التآزر الإنساني، وتتجلّى جواهر القيم النبيلة بما تمثله من تضحيات وصبر وصمود، وكأن الفرقة الصاعدة تؤسس لعالم شبيه بالمدينة الفاضلة. فلم يكن غريبا أن يُعبِّر إميل عن الحالة بأن يرى: «الأمريكي واللبناني والفلسطيني والفلبيني والتنزاني والسعودي والأردني، كأنهم نموذج هائل لبشرية يحلم بها».
والجبل مصدر إلهام لصاعديه حول معنى البطولة، ففيما ينظر الفرد إلى ذاته نظرة أحادية في بداية الرحلة، إلا أنه سوف يقتنع ذاتيا عند بلوغ القمة أنه ما كان بإمكانه منفردا أن يصل إلى تلك النقطة، لولا مؤازرة الآخرين وسهرهم على احتياجاته وحياته، فيعود موقنا أن البطولة الحقيقية المنجزة إنما كانت بطولة جماعية. وهنا تحدث عملية تحوّل في الروح، إذ تمضي إلى أقصى مساحاتها وزواياها، وتتلاشى آلام الجسد وهموم النفس لتجتمع في روح واحدة متسامية، وكأنها «روح العالم»، هذا التعبير الذي ذكره إبراهيم نصر الله في «سيرته الطائرة»، إشارة إلى أن الترحال، إنما هو بحث عن الروح في توحدها مع روح العالم.
والرحلة الجبلية، في غاياتها السياسية العملية المباشرة، إنما هي رسالة إلى الأعداء والأصدقاء، رسالة الإرادة والعزم، رسالة من هشّم الصهاينةُ أعضاءهم، وكسروا أطرافهم، وكأنهم يقولون للعالم من على قمة كونية شاهقة: نحن هنا على ذروة من أعلى ذرى العالم نصعد نحو السماء في معراج واضح، بأطرافنا الصناعية، وحروقنا وآلامنا لتروننا، وإننا ماضون نحو أهدافنا بلا وجل ولا تردد وبعزم لا يلين، لأننا واثقون من أن عدونا مهزوم في نهاية الأمر، وأن لنا في هذا العالم أصدقاء ذوي أرواح نبيلة وهمم عالية.
ولا شك في أن بلوغ القمة، خاصة من الفتيان الفلسطينيين المصابين، إنما هو معنى وجودي في أسمى معانيه، وفي تلاحم الإرادة والحرية والمصير. والجبل طريق لتحقيق الغايات، فهناك سهام التي صعدت الجبل وفي حلمها أن تنجب طفلا قويا كالجبل، وعاليا مثله. أما نورة فقد أرسلت حال عودتها من الرحلة بصورتها، وهي تتربع مبتسمة فوق القمة، لذلك الضابط الإسرائيلي الذي حاول أن يحول بينها وبين المشاركة في الرحلة، وتحداها أن تستطيع الصعود. وجيسيكا قهرت خوفها وترددها وأصرّت على الصعود، فيما تمرّد هاري على همنغواي وخرج من سطور النص الروائي/ السينمائي وصعد الجبل، وتجاوز هيلين ـ قمته الواطئة. لقد تخلص الطيبون ذوو الأرواح النبيلة أصلا من أدران سابقة، أو حققوا أهدافا وضعوها لأنفسهم. ولقد بدا الجبل وكأنه شخصية من شخصيات الرواية، واختفى إبراهيم لكنه حضر كراو عليم، فيما تألق «صول» الذي نطق بالكثير من قيم ورؤى الكاتب الذي وزّع الحكمة أيضا على ألسنة العديد من الشخصيات، حتى صول ذاته مرّ بتجربة تحوّل في وعيه لعلاقته بالجبل، إذ كان يرى الجبل، من فرط عشقه له، مُلكا حصريا له، إلا أنه حينما خاض التجربة مع الفتية الفلسطينيين «أحس بأن روحه تنضج على نار من نوع آخر، وأنه أدرك أن المرء لا يمكنه أن يصعد القمة وحده إلا إذا اصطحب الآخرين معه». بلوغ القمة في أرواح كليمنجارو إنما كان رمزا قويا لرحلة في التطهُّر والتحوّل.
ناقد أردني
محمد عبد القادر