الرباط – «القدس العربي»: ينشغل الباحث المغربي الدكتور سليمان القرشي بأدب الرحلات، الذي أنجز حوله عدة أبحاث ودراسات، وحقق مخطوطات وكتباً تراثية، ونال جائزة قيمة هي جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي. كما يهتم الكاتب بالأدب الأندلسي، حيث أصدر مؤلفا تحت عنوان «صورة المرأة في الشعر الأندلسي»، ترجمت منه أجزاء إلى اللغة الإسبانية، وسيصدر له قريباً كتاب آخر عن الحضارة العربية في الأندلس.
التقته «القدس العربي»، فكان معه الحوار التالي:
■ إلى أين وصل البحث في أدب الرحلة في المغرب خصوصاً والعالم العربي عموماً؟
□ يمكنني الادعاء أن التراكم الذي تحقق على مستوى الرحلة ـ تحقيقا ودراسة ـ ساهم بشكل أساس في توطيد انتمائها للأدب بعد أن كانت إلى وقت قريب موزعة بين عدة مجالات؛ كالتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع، وهذا باعتقادي مكون أساس من المكونات التي دفعت الباحثين إلى إعادة بناء النصوص الرحلية التراثية العربية، مع ما يترتب عن ذلك من إعادة قراءة، وإعادة اكتشاف وتقويم وتقييم.
وبالإضافة إلى النصوص المؤسسة للرحلة، وفي تساوق مع الاهتمام المسجل في عموم العالم العربي بمجال الرحلة، نسجل الاتجاه نحو الاهتمام بنصوص رحلية ذات طابع خاص، وأقصد بذلك ما يمكن أن نسميه بأدبيات السفر، وهي نصوص أنتجها «مسافرون» من طلبة علم ورجال دين وتجار وأسرى ومغامرين وصحافيين وغيرهم، وهي نصوص تمتاز بتقديم لون مغاير للرحلة العربية، بحيث لامست عن قرب المجال المعني بكل ظلاله وامتداداته وخلفياته، بشكل أقرب إلى التسجيل، بل وإعادة اكتشاف المكتشف سلفا، وهذا ما ساهم في ظهور نصوص طريفة ومثيرة، وأذكر هنا رحلة مغربي معاصر للحسن الوزّان الملقب بليون الأفريقي، إلى أمريكا، وهو الأزموري الملقب بـ «استيبانيكو»، والذي تم تتبع خطواته من مدينة أزمور المغربية إلى أريزونا، وتكساس، ونيو مكسيكو، ما بين سنة 1527م إلى سنة 1540م حيث انتهت مغامرته بمقتله، والذي يحظى اليوم باهتمام مراكز البحث المتخصصة في أمريكا وإسبانيا، وفي هذا مدخل شرعي للأدب المغربي خاصة نحو آفاق العالمية.
■ أنت مختص بدراسات حول أدب الغرب الإسلامي، برأيك هل يحظى هذا النوع من الدراسات حاليا باهتمام الدارسين العرب مقارنة بالدراسات النقدية المتعلقة بالأدب والفكر المعاصرين؟ بمعنى آخر، إلى أي حد تغري الدراسات التراثية بالبحث والدراسة مقارنة بمثيلتها الحديثة والمعاصرة؟
□ التراث العربي الإسلامي تراث غني جدا بطبيعة مكوناته الفسيفسائية، سواء المعرفية أو الأنثروبولوجية أو الاجتماعية أو غيرها من المكونات التي ساهمت فيها مجموعة من الحضارات وصاغتها تلوينات مركبة من المعارف والخبرات، وبالتالي، فإنه تراث إنساني أولا.
ولهذا، فإننا لا نستغرب أن نجد الاحتفاء بشكل مدهش بهذا التراث في آفاق أرحب؛ فاليوم وفي كل جامعات العالم هناك اهتمام بهذا التراث واهتمام بإعادة اكتشافه، لأنه تراث غير موميائي، تراث نابض بالحياة. وبالتالي فإن هناك دراسات رصينة تقارب التراث العربي الإسلامي وفق المنظور السالف، ويكفي أن أمثل هنا بجهود الدكتور محمد مفتاح والدكتور سعيد يقطين على سبيل التمثيل لا الحصر، وهي جهود واضحة الأثر على النص التراثي العربي.
■ ما هي ـ باعتقادك ـ قيمة الإضافات التي تحققت لتراثنا العربي الإسلامي من طرف المستعربين الغربيين عموما والإسبان خصوصا؟
□ تعتبر حركة الاستعراب الإسباني من أقدم الحركات الاستعرابية، وذلك اعتبارا للتعايش الحضاري الذي عرفته الأندلس في ظل الحكم العربي الإسلامي بها، والحوار الحضاري المتميز الذي أفرزه هذا الواقع المتفرد، وبالتالي فإن هذه الحركة حققت تراكمات كمية ونوعية، يصعب إغفالها أو تجاهلها، حيث مكنت حركة الاستعراب في مراحل متقدمة من اكتشاف النصوص المؤسسة، وفهرستها وتصنيفها وضبطها وإخراجها ـ بشكل أو بآخر ـ قبل ترجمتها إلى الإسبانية، ومنها إلى مختلف لغات العالم، وفي هذا خدمة جلى للتراث لا ينكرها منكر.
ولا بد من الاعتراف، بأن حركة الاستعراب الإسباني، بغض النظر عن منطلقاتها وغاياتها، قد ساهمت في خدمة هذا التراث، وخاصة منه الأندلسي، الذي بفضله انتقل الاهتمام ـ بالتراث ـ من الماضي فحسب، إلى الاهتمام بالحاضر أيضا. وبالتالي، فقد تمكن الاستعراب الاسباني من تحرير التراث العربي الإسلامي الذي بين يديه من شرنقة الماضي، ليخرجه لصخب الحاضر، ونور الحياة، بل وجعله فاعلا مهما في المجتمع، من خلال دمجه بالمحيط، عبر الاستغلال السياحي، كواحد من الغايات المعلنة، وفي هذا إغناء للثقافة العربية، وإضافة لها، يجب استثمارها، والاهتداء بالطرق المعتمدة فيها.
■ هل في إمكان الأدب أن يعزز فرصة الإنسان لتجاوز أخطاء الماضي أو المخاوف من المستقبل؟
ـ لعل الأدب الحقيقي مرتبط بالحاضر أكثر، حيث لا يلتفت للماضي إلا لخدمة الحاضر، ولا يتطلع لعوالم المستقبل إلا لتثبيت دعائم الحاضر.
ولكن هذا لا ينفي أن الأدب في كثير من محطاته وتجاربه كان مصفاة لتجارب الماضي وعينا تنظر بنور خلاق للمستقبل؛ تستشرف أحداثة، وتبني معالمه، وتقدم جغرافياته.
■ كيف ساهمت الجوائز الثقافية في تطوير الإنتاج الفكري والنقدي والأدبي في العالم العربي؟
□ أشكرك على هذا السؤال المهم، اعتبارا لما تثيره الجوائز الثقافية اليوم من جدل ولغط في مختلف الأوساط، بين معارض ورافض، وبين ومدافع ومنافح، بشكل مثير، ومستفز أحيانا. والحقيقة أن المشهد العام للنقاش المصاحب للموضوع ينبئ عن حالة التشرذم والتشظي التي أصابت المشهد الثقافي العربي، وهو أمر لا يخدم الثقافة في شيء.
بالنسبة لي، فإن الجوائز الثقافية ـ على كل ما يؤخذ عليها ـ ساهمت في إنصاف الهامشي والمقصي من الأصوات، وخلخلت يقينيات أيقونات الثقافة العربية. ببساطة، إنها حجرة ضمن أحجار ألقيت في البركة الراكضة للثقافة فأفرزت ما أفرزت.
■ ما جديدك على مستوى البحث والتأليف والنشر؟
□ أعكف حاليا رفقة الباحث أحمد بوغلة على إنهاء تحقيق رحلة الغيغائي، وهي رحلة حجية مغربية متميزة بطريقة تقديمها للموصوف الحضاري الذي أعجز اللغة، فاستعان صاحبها بالرسم والتصوير، وتوسل بكل ما يملك ليصف لنا ضمن ما وصف «بابور البر» (القطار) كجسر عابر للزمن.
كما صدر لي مؤخرا بالرباط كتاب تحت عنوان: «صورة المرأة في الشعر الأندلسي»، وهو رصد لصورة المرأة الأندلسية في الديوان الشعري الأندلسي بوجهيه المشهور والمغمور، وهو الكتاب الذي حظى باهتمام جهات عدة في إسبانيا بالخصوص؛ عطفا على ما سبق، وترجمت منه أجزاء إلى اللغة الإسبانية. وسيصدر لي في القريب العاجل كتاب آخر عن الحضارة العربية في الأندلس أرجو أن يكون إضافة حقيقية للمكتبة المغربية.
الطاهر الطويل