بريطانيات من الرفاهية إلى دعم تعليم أطفال كينيا

حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»:رحلة للاستجمام والاسترخاء في ربوع أفريقيا في إطار زيارة سياحية لمحمية ماساي مارا الكينية لمدرسات بريطانيات يقمن في العاصمة القطرية ويعملن في إحدى مدارسها الدولية، تغير مجرى حياتهن وتحول مسارها بشكل جذري ويعدن من هناك وهن يحملن على عاتقهن مخطط مشروع خيري ونذر أعلنّه من هناك للنهوض بالتعليم في هذه المنطقة النائية التي لا يزال سكانها يعيشون بشكل بدائي ولا تتوفر مدارسها على أدنى الشروط لاستقبال أطفال كثر يقبلون بنهم على التعلم.
كريستي واب وإيما ولاس وريبيكا فوربس وأمي هورغان أربع فتيات ينحدرن من عدة مدن بريطانية حيث عشن وقضين سنين عمرهن، وجدن أنفسهن في لحظة زمانية فارقة يتلبسن مهمة مستحيلة وصعبة للقيام بدور يرين أنه محوري وأساسي للتخفيف من وطأة أزمة أطفال شعروا بحالهم ورأفت قلوبهن لوضعيتهم المستعصية.
تقول كريستي التي تعمل في مدرسة «بيرلينغ» الدولية في الدوحة أنها منذ أن زارت هي وزميلاتها منطقة ماساي مارا في كينيا، وتنعمن بالأجواء الساحرة في المحمية التي توفر لسياح أجانب جلهم من المرفهين كل سبل الراحة والطمأنينة، قررن أن يفتشن عما خلف هذا المشهد السيريالي المثير للمنطقة التي تقدم لمن يأتي إليها صورة ناصعة بهية تسحر الألباب. بعد تجاوز عتبات أسوار وحواجز المنتجعات السياحية الفخمة وقفت الشابات على حجم وهول المعاناة التي يشعر بها السكان الأصليون بعيدا عن الصورة النمطية للمحمية التي تضم إلى جانب البشر مجموعات من قطيع الحيوانات البرية التي تعيش في دعة وسلام. بحثت الفتيات عن المرافق التعليمية المتاحة في الجوار ومن خلال تواصلهن مع دليل محلي ملم بجغرافيا المكان فتح أعينهن على الحقيقة التي كانت خافية على الجميع ووقفن على حجم المعاناة ومستوى التخلف الذي تعاني منه المدارس إن صح تسميتها بذلك على حد قولها.

صفوف دراسية تحت ظلال الأشجار

في المدرسة البدائية التي تقع حول نهر مارا عند سفوح تلال آيتونغ التي تحد محمية ماساي وطئت أقدام الفتيات تلك الساحة التي استفزت مشاعرهن لتغير من تصورهن بشكل كامل عن المنطقة التي قضوا فيها أياما جميلة وممتعة. وجدت الزائرات مدرسة مغمورة فيها حوالي 350 تلميذا وليست فيها أي مرافق يمكن أن يوصف بها المكان بمؤسسة تعليمية. كُثر هم الأطفال الذين تحلقوا حول شجرة ضخمة تظللهم من أشعة الشمس الحارة وكانوا يتابعون درسهم مع أحد المتطوعين وآخرون كانوا أفضل حالا منهم وأتيحت لهم فرصة المكوث وسط جدران أكواخ عتيقة ومباني قديمة شيدت بالطوب وغطت بجذوع الشجر. المعلمون على قلتهم لم تكن لديهم أساسيات وضروريات مهنتهم ولا يمتلكون من الموارد إلا القليل وهي غير كافية لاستيعاب جميع الطلاب. تردي الوضع في المدرسة وعدم قدرة مسؤوليها وأهالي المنطقة على توفير حاجيات أطفالهم حمّل البريطانيات الأربع مسؤولية اعتبرنها حيوية واتخذن قرارا بضرورة العمل بجد لأجل تقديم أشكال المساعدة الممكنة لهؤلاء وعدم الاكتفاء بالرثاء لحالهم ونسيان المسألة بمجرد ما يغادرن مطار نيروبي والعودة إلى بيوتهن.

تضامن بلا حدود

بمجرد ما عادت كريستي رفقة صديقاتها إلى الدوحة قررن العمل وفق خطة زمانية للتكفل بالأمر وعرضن المسألة على إدارة المدرسة التي يعملن فيها للتباحث سوية عما يمكن القيام به. مدير المدرسة الستر والمشرف العام عمر باركا المبادرة وعرضا المساعدة وفق الضوابط المحددة وتبرعا بكل الوسائل الفائضة عن الحاجة لأجل أطفال قرية ماسي لاستخدامها هناك وتوجيهها نحو مستحقيها.
لم تتصور المتطوعات الاستجابة السريعة والمذهلة للجميع للمشاركة في هذا المشروع والمساهمة كل بقدر إمكاناته في دعم المدرسة وتوفير الاحتياجات للسكان المحليين في مبادرة أردن أن تكون نموذجا لمشاريع أخرى. مدرسة «بيرلينغ» الدولية في الدوحة ومن خلال إدارتها ومدرساتها صاحبات المشروع والطلاب وأهلهم قاموا بجمع مبلغ معتبر من المال يساهم في بناء فصول وقاعات في مدرسة مارا وتجهيزها لتضم في فصولها الطلاب وتقيهم حر الشمس وبرد الشتاء.

مسار الميل يبدأ بخطوة

تكشف كريستي التي قابلتها «القدس العربي» في مقر عملها أنها وزميلاتها انتظرن بشغف الإجازة المقبلة منذ عدن من كينيا للتحضير لرحلتهن الثانية وهن يحملن في جعبتهن الكثير سواء كان الأمر من المساعدات العينية أو المبالغ المالية التي جمعنها لتوفير الاحتياجات الأساسية والمساهمة في دفع تكاليف عدة. ظلت المشرفات على المشروع التعليمي الرائد في تواصل مع مسؤولي مدرسة مارا ووعدوهم خيرا قريبا والكثير من المفاجآت مع الزيارة المقبلة.
غادرت البريطانيات الأربع الدوحة مع انتهاء دوامهن في المدرسة وتوجهن مباشرة نحو المطار لاستغلال الإجازة في تنفيذ المشروع وتحقيق حلم البراءة. لم يحملن في حقائب سفرهن مثل سائر المسافرات الكثير من الملابس والأغراض بل تكدست فيها المستلزمات التعليمية والأقلام والأوراق البيضاء والملونة والكتب وكافة مستلزمات القرطاسية.
استقبال حافل حظيت به البريطانيات حالما وصلن القرية النائية الوادعة الهانئة وفرحة الأطفال كانت عارمة وهم يتلمسون بأيديهم ما وزع عليهم من مقتنيات بعضها يرونها لأول مرة في حياتهم ويكتشفون الكثير من الأغراض التي لم يسبق لهم أن استخدموها أو مرت عليهم. اصطف مدير مدرسة مارا رينتا جنبا إلى جنب مع المعلمين والطلاب إضافة للممثلين عن قرية الماساي بلباسهم المميز وأشكالهم المعروفة وكانوا في غاية الامتنان لما قدم لهم والسعادة تغمرهم للفتة الطيبة التي قامت بها مجموعة الفتيات ومسؤولو مدرسة «بيرلينغ».
على وقع الأهازيج والرقصات الشعبية والفلكلور الذي يميز سكان المنطقة وزعت الأغراض التي جيء بها من الدوحة أو حتى التي تم اقتناؤها من بريطانيا في مشهد لافت لاقى الاستحسان. من السهل جدا أن تزرع ابتسامة واسعة في وجه طفل في هذه المنطقة القصية وتدخل السعادة إلى قلبه بأدنى قدر من الإمكانات وبأشياء بسيطة جدا قد لا تعتبر ذات معنى في أماكن عدة، تلخص المعلمة البريطانية شعورها وهي تستقبل فرحة أطفال الماساي لحظة عادت إليهم محملة بالنزر اليسير من المساعدات والتي تظل أقل من المستوى المطلوب توفيره بشكل عاجل وملح. وتشدد البريطانيات في أحاديثهن على ضرورة التفات المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والأفراد للأطفال في الجنوب وتحديدا في هذه المناطق المعدمة للتكفل بحاجاتهم الأساسية والعمل جميعا للتخفيف من حجم معاناتهم في ظل ظروفهم الصعبة والمأساوية.
تقول كريستي أنه بعد حفل الاستقبال كانت لهن جلسات عمل مع المسؤولين في المدرسة لتقييم الاحتياجات والتأكد من نيل الجميع لقسطهم من المساعدة وتدارسوا خططا مستقبلية لما يمكن القيام به وتوسيع حجم الدعم والبحث عن آليات لتمويل مشاريع موسعة تشمل أكبر قدر ممكن من الطلاب وفي مناطق عدة تعاني الحرمان.
تتحدث البريطانيات بفخر عن تجربتهن الأولى في هذا المجال وشعورهن وهن يرين تلك الفرحة تزرع أملا مبهجا في غد أفضل خصوصا وهن يتابعن الأطفال ودراستهم وغبطتهم بما وهبوا. موظفو المدرسة عبروا بطريقتهم عن شكرهم لما قامت به المدرسات ووعدوا بتعزيز هذه الإمكانات ببذل المزيد من الجهود لتؤدي الدور المنوط بها وتحقق المبتغى منها مع توفرهم الآن على كافة الاحتياجات الضرورية لتقديم أفضل ما لديهم مع ما قدم لهم من إمكانيات ومواد تكفيهم لمدة سنة كاملة.

كمبيوتر حديث وسط أدغال إفريقيا

تتحدث كريستي عن تجربتها السابقة بكل فخر وهي تسترجع تفاصيل رحلتها الأخيرة بمواقفها وذكرياتها حيث علقت في ذهنها صورة أحد الأطفال وهو يلامس بأنامله لأول مرة في حياته جهاز كمبيوتر محمول كان هدية من طالب من مدرسة «بيرلينغ» الدولية تبرع به لأجل هؤلاء المعدمين، وكان في قمة السعادة لتعلم طريقة استخدامه والاستـــفادة منه مستقبلا في إطلاق مشروع في هذا المجال. تؤكد البريطانيات وهن يسردن لـ«القدس العربي» تجربتهن في هذه المنطقة وخططهن لتوسيع دائرة المشروع والترويج له وحشد الدعم له من قبل فاعلين دوليين بالتنسيق والتواصل مع منظمات تعنى بالطفولة وتنجز الكثير من المشاريع الطموحة في هذه المناطق القصية للنهوض بالتعليم هناك الذي يؤمن أنه اللبنة الأساسية لأي نهضة تنقل سكان الجنوب إلى الضفة الأخرى. وتؤكد المعلمات أنه بالرغم من أن القانون في كينيا لا يلزم أولياء الأمور بإرسال أطفالهم إلى المدارس، ولكن كثيرًا من الكينيين يؤمنون بأهمية التعليم بوصفه وسيلة لتحقيق حياة أفضل لأطفالهم. ويجد نحو 80٪ من الأطفال الفرصة لإكمال تعليمهم الأولي على الأقل وإن كان ذلك في مؤسسات تفتقد لأدنى الشروط وخالية من الوسائل التعليمية التي تيسر العملية التعليمية.

مشاريع طموحة وسط ظلام دامس

ومنذ الاستقلال استطاعت الحكومة تحقيق زيادة كبيرة في عدد المدارس، استجابة للطلب المتزايد من قبل المواطنين على فرص التعليم لأطفالهم. وبالإضافة إلى المدارس التي تديرها الحكومة في معظم أنحاء البلاد، أنشأت مجموعات من المواطنين والمتطوعين المحليين والأجانب مدارس خاصة في أماكن كثيرة. وتسمى هذه المدارس مدارس العون الذاتي أو مدارس «هارامبي». وتعني باللغة السواحيلية التضامن. والتعليم الأولي مجاني في كينيا في المدارس الحكومية، ولكن على التلاميذ في المدارس الثانوية دفع رسوم.

علم طفلا

تركنا المدرسات البريطانيات بعد نفاد استراحتهن في المدرسة وكن منشغلات بمناقشة خططهن لتوسيع نشاطهن ليشمل مناطق أوسع في أفريقيا ويستعددن لمعارك أوسع لمحاربة الجهل بدعم من المجتمع المحلي الذي أدرك أهمية التعليم في حياة أبنائهم. وتعتبر مثل هذه القصص لأشخاص قدموا من الشمال وشقوا طريقهم نحو الجنوب وضحوا بما يملكون من وقت وراحة لإسعاد آخرين من النماذج المشرقة التي بدأ صداها ينتشر في عدة مناطق ويتوسع مع وجود منظمات دولية على غرار مشروع «علم طفلا» الذي ترعاه الشيخة موزا بنت ناصر رئيسة مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم التي شرعت في تنفيذ العديد من البرامج التعليمية في الدول الفقيرة والمعدمة.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية