«غرفة صناعة الإعلام»: الوهم اللذيذ

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: على ضفاف الحياة في مصر الجديدة ولدت الكثير من الكيانات الهلامية تلك التي يحسبها الظمآن ماء ومن بينها «غرفة صناعة الإعلام» التي دشنت عبر أجواء صاخبة ومناخ يموج بالتقلبات التي تعصف بمصر خاصة في مجال المهنة التي باتت تمثل أبرز أدوات التأثير في الرأي العام. وعلى الرغم من ان القرار الذي جمع تحت لوائه قبل عامين أصحاب عشر قنوات تلفزيونية هي : CBC والنهار والحياة و ONtv والقاهرة والناس ودريم وصدى البلد والمحور والتحرير، تعهد الدفاع عن الثوابت الوطنية وحماية أخلاق المجتمع والحيلولة دون أي تهديد للوحدة الوطنية، إلا ان كل الشواهد تكشف بجلاء عن ان السياسة التي اتبعتها معظم تلك القنوات لم تعبأ مطلقاً بالعمل على تعضيد تلك المثل التي نشأت عليها الأجيال المتتالية وساهمت في حماية الأخلاق العامة والثوابت التي نادت بها الأديان، بل ان أي متابع لتلك القنوات مهما كان درجة وعيه سطحية يدرك للوهلة الأولى ان الكثير من المواد والبرامج التي تبثها تلك الفضائيات كانت تمثل اخترقاً وتهديداً للقيم والأعراف التي ظلت قروناً عديدة تجسد زاداً يقتات منه المصريون.
بالتنقيب عن الأسباب التي صاحبت الإعلان عن تشكيل «غرفة صناعة الإعلام» تتجلى حقيقة ليس بوسع أحد ان ينكرها خاصة ملاك تلك الفضائيات الذين فوجئوا بكيان أوروبي يعمل على أرض مصر ويهددهم بفقدان الدجاجة التي تبيض ذهباً.
وعلى الرغم من ان «الأشقاء العشرة» أعلنوا ان الهدف من انشاء بنيانهم الجديد يرمي إلى إطلاق ميثاق الشرف الإعلامي ليكون هو الحاكم والمنظم لصناعة الإعلام في مصر، ويهدف لحماية الصناعة والمهنة وأهلها، واتفقوا أيضاً على ان تكون الغرفة امتداداً لدور يدعوا له الكثير من خبراء الإعلام بشأن تعضيد لمجلس وطني لأجل الوصول لمنظومة إعلامية آمنة تحمي السياج العام للدولة المصرية وأركانها، إلا ان الشواهد على الأرض لم تنم عن تغير قد طرأ على منظومة الإعلام المصري، حيث استمرت معظم تلك الفضائيات وغيرها في إطلاق المواد والبرامج التي تثير الكثير من الفتن بين كافة الطوائف والقوى الوطنية، وفي حين كانت تركة نظام الديكتاتور المخلوع مبارك تكتفي بحجب الضوء عن كافة قوى المعارضة للنظام والحيلولة دون مد الجسور بينها وبين المواطنين، قفزت تلك الفضائيات بعد ثورة يناير قفزات للأمام لترتد سهامها ضد صدر الدولة المصرية حينما استخدمت كافة أذرع الفتنة للوقيعة بين القوى المختلفة.
أول ما يسترعي الانتباه في تلك اللحظة التي أعلن فيها إطلاق «غرفة صناعة الإعلام» ذلك الخبر الذي أعلنته شركة «ابسوس» المتخصصة في أبحاث السوق، وهي فرنسية الجنسية، لها مقر في مصر، حينما أكدت ان مجموعة قنوات «أم بي سي مصر» استحوذت على المركز الأول في نسبة المشاهدة، ما أسفر عن حالة من الغضب الواسع في صفوف الفضائيات المصرية المنافسة على إثر قرار العديد من المعلنين سحب الكثير من حملاتها الدعائية من الشركات المصرية أملاً في مزيد من النجاح للوصول لأكبر قدر من الرواج عبر الشركة التي تبوأت المركز الأول بحسب «ابسوس» والتي تسببت عبر بيانها في خسارة كبيرة لأصحاب تلك الفضائيات الذين تجمعوا على الفور عبر الكيان الوليد «غرفة صناعة الإعلام المصري» من هنا يبدو ان الهدف الرئيسي وربما شبه الوحيد يتجسد في العمل على استعادة صنبور المال المهدد بالتوقف ولمصادرة المنافس السعودي.
ولم ينته الأمر عند هذا الحد، حيث شرع المتضررون لإتخاذ عدة إجراءات قانونية ضد شركة «ابسوس» التي وصل بها الأمر لحد تهديد الأمن القومي لمصر، وان نتائج أبحاثها ما هي سوى تضليل يؤثر على سوق الإعلان في مصر، وكذلك اتهموا الشركة بقلب الحقائق في التقارير الصادرة حول ترتيب القنوات ونسب المشاهدة لصالح محطات فضائية أجنبية.
من جانبها لم تقف إدارة شركة «ابسوس» مكتوفة الأيدي بل سارعت بالإعلان عن صدق تقاريرها ونتائجها التي وصفتها بالموثقة، وشرحت أمام الرأي العام وخبراء الإعلام انها تعمل بشفافية مطلقة، كما انها تتبع منهجا علمىا موثوقا به في كافة أبحاثها، ونددت بقوة بكل من ينال من دقة أبحاثها وتقاريرها كما أشادت بسمعة عملائها وتفوقهم.
وعلى الرغم من ان تلك الغرفة تعهدت بالحفاظ على القيم الوطنية وحماية الثوابت الدينية، إلا ان معظمها وقعت في آثام يشهد بها القاصي والداني في مجالات عدة، إذ وفرت ملاذاً آمناً لكثير ممن احترفوا التشكيك في الكثير من الثوابت الدينية والوطنية، حيث شهد الفضاء الإعلامي على مدار عدة أعوام المزيد من الهجوم على الدين الحنيف، وتحولت بعض القنوات لمنصة صواريخ ضد علماء السلف، كما عمد عدد من مقدمي البرامج لإطلاق الهجوم المنظم ضد الأزهر الشريف باستضافة عدد من الوجوه التي اشتهرت بالهجوم على المؤسسة الدينية الرسمية والنيل من رموزها وفي مقدمتهم الدكتور احمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وحرصت على تقديم دين «منزوع الدسم» لا يدلي بدلوه في العديد من القضايا التي لها علاقة بالخلاف على شؤون الحكم والولاية.
وجنباً إلى جنب، عمدت بعض البرامج للحض على كراهية المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة وسعت للوقيعة بينها وبين الشعب المصري الذي ظل على مدار سنوات الصراع مع الكيان الإسرائيلي يقف في خندق واحد مع تلك الحركات الرامية إلى تحرير القدس والمسجد الأقصى وكافة البقاع المحتلة. بل ومثلت بعض الفضائيات بوقاً لصالح مرددي دعوات الاستسلام والرضا بالحقائق الظالمة على الأرض ونشر الآراء الداعية للاستسلام للعدو والقبول بما هو متاح من قبله. كما وقعت عدد من الفضائيات في شرك الفتنة بشأن القضايا القومية والصراع المحتدم في البقاع الساخنة على الخريطة العربية خاصة بالنسبة للصراع السوري وكذلك الأوضاع المحتدمة في العراق وليبيا.
ولم يقف الأمر عند الترويج للدعاوى الانهزامية، بل مهدت عدد من تلك الفضائيات السبيل لنشر الرذائل عبر الترويج لبرامج مخصصة للكلام في أحاديث «غرف النوم» وأدق التفاصيل عن الجنس، والترويج لمزيد من التحرر الذي يتنافى تماماً مع منطق الشرع والدين، وبات الكلام عن حرية الفرد في إقامة علاقات محرمة والدعوة للتحرر خارج مظلة الأسرة بين الجنسين شائعاً في عدد من البرامج. وعلى الرغم من الصراخ المتواتر من قبل أولياء الأمور ورجال الدين والتربية بضرورة مواجهة ذلك الطوفان من الابتذال، إلا ان «الغرفة» ظلت متجاهلة لكل احتجاج يصدر باستثناء ما جرى مؤخراً حينما قررت وقف برنامج «ممكن» للمذيع خيري رمضان لمدة أسبوعين؛ للتحقيق في حلقة أثارت غضبا واسعا بين المواطنين في محافظات الصعيد على إثر اتهام النساء هناك وكذلك في محافظات الدلتا بممارسة الزنا أو الرغبة في ممارسته حال سنحت الفرصة.
جاء قرار الغرفة برئاسة محمد الأمين، مالك قناة CBC التي يبث عليها البرنامج، بعد الغضب الواسع من تصريحات تيمور السبكي، صاحب صفحة «يوميات زوج مطحون» على فيسبوك، أثناء استضافته في البرنامج منذ أكثر من شهرين، حين صرح أن نسبة كبيرة من نساء مصر خائنات وخاصة في الصعيد والدلتا. وبرغم مرور الحلقة بسلام عند عرضها إلا أن تنديد عدد من نواب البرلمان بالبرنامج أجبر «الغرفة» على اتخاذ القرار إذ وصل الغضب لدوائر عليا في السلطة. ومن القرارات التي انتفضت لأجل إصدارها الغرفة مقاطعة رئيس نادي الزمالك مرتضى منصور ومنع ظهوره على شاشات القنوات الأعضاء، وعدم بث المؤتمرات الصحافية التابعة له وذلك على خلفية هجومه على الإعلامية ذات النفوذ الواسع لميس الحديدي وكذلك محمد الأمين رئيس الغرفة.
غير ان السؤال الذي فرض نفسه مؤخراً هل تتحول الغرفة إلى إداة رقابية تحول دون تقلص مساحة الحرية؟ كل الشواهد تشير إلى ان الرقابة على المستوى السياسي موجودة بالفعل داخل أروقة تلك الفضائيات. فمما لا خلاف عليه ان الثوابت التي ظلت موجودة في زمن الديكتاتور مبارك بشأن قدسية الرئيس عادت بالتمام والكمال بعد دحر الإخوان المسلمين عن سدة المشهد، حيث بات عدم الاقتراب من مقام»الرئيس» يمثل خطاً أحمر لا يمكن الاقتراب منه. وعلى هذا الحال يبدو الوضع هادئاً وتسير الأمور بسلامة طالما سلم مقام الرئيس.

حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية