يتقدمون الصفوف القتالية بين الأطراف المتقاتلة: الأطفال في ليبيا ضحايا النزاع المسلح

حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: اعتبر ممثل اليونيسيف في ليبيا د. غسان خليل في حديث لـ «القدس العربي» ان عدم الاستقرار السياسي والأمني في بلد عمر المختار ينعكس بشكل كبير ومباشر على وضع الأطفال. وهذا يتجلى بالخصوص في الانقطاع عن الدراسة وكذلك بالنزوح من منطقة إلى اخرى مما يسبب مشاكل للأطفال ومنها المشاكل النفسية. وقال ان الصفوف المكتظة في كثير من المدارس بسبب نزوح عديد الليبيين إلى مناطق أخرى ينعكس سلبا على نوعية التعليم. وأشار إلى تزايد حالات الخطف والتعذيب وقتل الأطفال. ودعا خليل الليبيين للتوصل إلى حل سياسي يؤمن لهؤلاء الأطفال الاستقرار الأمني والعودة إلى الحياة الطبيعية من خلال الدراسة والأسرة والمجتمع المحلي.
وقال ان ذلك لا يتعلق فقط بالأطفال الليبيين، بل بكل طفل موجود في مناطق النزاع سواء أكان ليبيا أم غير ليبي. وحسب محدثنا فان كل طفل موجود في منطقة نزاع يتعرض لضغوط نفسية.

تجنيد الأطفال

ولفت إلى ظاهرة تجنيد الأطفال واشراكهم في النزاعات المسلحة، معتبرا ان هذا موضوع خطير جدا ويعد وفقا للقانون الدولي جريمة ضد الإنسانية. وأضاف قائلا:»ونحن نلفت نظر جميع الفرقاء في ليبيا إلى ان إشراك الأطفال في النزاع المسلح هو جريمة ضد الإنسانية لها تبعات قانونية ويقع تحت سلطة المحكمة الجنائية الدولية. فكل من يجند طفلا معرض للملاحقة من قبل المحكمة الجنائية الدولية. إضافة إلى امكانية المحاسبة في المحاكم الوطنية وفقا للتشريع خاصة إذا لاحظ التشريع هذا الأمر. وندعو الجميع لتسريح جميع من هم دون الثامنة عشرة من العمر. فتعريف الطفل وفقا للمادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها ليبيا عام 1993 ـ وأصبحت بالتالي جزءا لا يتجزأ من التشريع الليبي ـ ان الطفل هو من لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر. نطلب تسريح الأطفال وتأهيلهم وإعادة إدماجهم في الأسرة والمجتمع المحلي. وهنا لا بد لنا أن نثني ونحي القرار التاريخي الذي اتخذته بلدية الزنتان بتسريح جميع الأطفال الذين شاركوا أو يشاركون في النزاع المسلح، وأيضا إنشاء مركز للتأهيل وإعادة الادماج في المجتمع. وهذه المبادرة أثنت عليها اليونيسيف ونحن نقف إلى جانب بلدية الزنتان في التطبيق الفعلي لهذا القرار الذي يعتبر في صلب حقوق الطفل. وندعو الفرقاء الآخرين كي يتخذوا قرارات مناسبة. ونقول لهم ان منظمة اليونيسيف ستكون بجانبهم أيضا وستدعمهم تقنيا وفنيا في جميع البرامج التي سيتخذونها من أجل إعادة دمج الأطفال في مجتمعهم».
وأضاف خليل انه بالنسبة لمنظمة يونيسيف لو كان هناك طفل واحد مهدد فهو يستحق ان يتخذ قرار من أجله وبرامج علمية في الميدان من أجل إعادة ادماجه في المجتمع. وأوضح ان معاناة الأطفال في ليبيا على مستويين هي معاناة المجندين ومعاناة المهاجرين غير الشرعيين الذين يتعرضون لإعتداءات جسدية في مراكز إيواء المهاجرين.

دور المجتمع المدني الليبي

أما عن دور المجتمع المدني الليبي في التصدي لهذه الظاهرة فقال ان لدى اليونيسيف شراكات عديدة مع منظمات المجتمع المدني في ليبيا واحدى هذه الشراكات هي مع منظمة غير حكومية ليبية تقوم حاليا بدراسة الأوضاع في مراكز الاحتجاز. وأوضح انه عندما لا يكون الوضع مستتبا فمن الطبيعي ان يتعرض الجميع لانتهاكات وخاصة الأطفال، لأنهم الحلقة الأضعف في المجتمع. وقال إن الخطر الأكبر يستهدف الأطفال المهاجرين خاصة من دون أوراق رسمية وقانونية لأنهم لا يستطيعون الإستفادة من الحماية القانونية الموجودة. وجدد خليل الدعوة إلى السلطات المعنية لمعاملة الأطفال المهاجرين بالشكل اللائق وبما يتناسب مع القانون الدولي وأيضا مع القوانين الليبية التي تعطي في كثير من الأحيان حقوقا جيدة لهؤلاء المهاجرين ولا سيما لناحية الاستفادة من الخدمات الصحية. فوفقا للقانون أي مهاجر في ليبيا يستطيع ان يستفيد من الخدمات الصحية مجانا. ولفت أيضا إلى أن المطلوب هو أن تكون هناك حكومة وحدة وطنية تستطيع ان تعيد الصحة والعافية إلى المجتمع الليبي وان يكون هناك تفعيل للمؤسسات الحكومية في أدوارها المختلفة. وأردف:»نحن كمنظمة يونيسيف نساعد ونقف إلى جانب السلطات المحلية ولكن لا نستطيع ان نأخذ مكانهم لأن المسؤوليات الأساسية تقع على عاتق السلطات المحلية ومنها البلديات مثلا. عقدنا حتى الآن 13 مذكرة تفاهم مع البلديات ولدينا اشكالات مختلفة للتعاون مع البلديات وقرار الزنتان كان أحد ثمار هذا التعاون. إضافة إلى ذلك أطلقت الأمم المتحدة خطة الاستجابة الإنسانية لكن للأسف بعد شهرين من اطلاق هذه الخطة التي مجموع احتياجاتها المالية 166 مليون دولار لم تتلق الأمم المتحدة إلا اثنين في المئة من المبلغ. وهنا ندعو المجتمع الدولي والدول المانحة والسلطات الليبية للمساهمة في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية كي تتمكن الأمم المتحدة من دعم ومساعدة الفئات المختلفة في ليبيا.
أما عن أبرز الصعوبات التي تواجه عمل اليونيسيف فأوضح:»يتعرض الموظفون يوميا للخطر وهم يقومون بخدمة الأطفال في ليبيا. فهناك صعوبة في الوصول إلى بعض المناطق بسبب النزاع المسلح، لذلك ندعو دائما إلى فتح ممرات إنسانية آمنة حتى نستطيع تقديم المساعدات والاحتياجات اللازمة للمجتمع. ويساهم تعدد السلطات في ليبيا من وزارات متعددة وانقسام في تعقيد عملنا.
ما مدى خطورة هذا على العالم العربي لأن هناك جيلا عربيا جديدا غير متعلم ونازح؟
يجب أن نفكر دائما بأننا لا نعلم كيف سيكون المستقبل لكن نستطيع ان نستثمر في الأطفال بما ينعكس على المستقبل. هناك أعداد كبيرة من الأطفال خارج المدارس تتلقى يوميا جرعات كبيرة من العنف وهذا سيؤثر عليهم سلبا ويطرح مشكلات حقيقية في كيفية التعامل في المستقبل مع المجتمع لذلك ندعو إلى التسامح ونشر ثقافة الحوار والمحبة من أجل ان يكون المستقبل أفضل للجميع.
 
يحملون السلاح علناً

وقال عبد المنعم الحر الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا، ان الأطفال في ليبيا باتوا يحملون السلاح علناً سواء في القتال بين الميليشيات أو حتى في الاحتفالات. ويؤكد على أن هناك الكثير من الحوادث التي  راح ضحيتها الأطفال وان رؤيتهم في المناطق العسكرية بات أمرا طبيعيا. ويقزل لـ «القدس العربي» قائلا:»والأكثر إزعاجاً إن بعض العائلات تجدهم سعداء وأطفالهم يستعملون السلاح ويطلقون النار به وهم فخورون بتدمير طفولتهم». وأضاف «إن هؤلاء الأطفال زُج بهم في معارك ضارية مُنذ بداية الحرب وحتى الوقت الحالي فإن الميليشيات والعصابات تستخدم شبابا دون سن الأحداث وترمي بهم في مقدمة الصفوف القتالية. ويتم استغلالهم في تنظيف الأسلحة وحمل  الخفيفة منها في الصراعات بين الأطراف المتنازعة».
 
قضية منسية

وقال الحر انه رغم التقارير المحلية والدولية إلا أن ظاهرة استخدام الأطفال والجدل الفقهي والحقوقي بخصوصها، ومساءلة مرتكبيها والمشجّعين عليها لا تزال تناقش في أوساط محدودة وضيقة من خبراء وبعض نشطاء المنظمات الإنسانية، ولم تأخد حيزا أوسع في وسائل الإعلام والثقافة والتعليم.
وأوضح ان عمليات استغلال الأطفال تنحصر في العديد من المظاهر منها: التجنيد في النزاعات المسلحة، تجارة الأعضاء البشرية، الممارسات الجنسية، العمل اللا مشروع، التفجيرات الإرهابية.
 
تجنيد الأطفال بالارقام

ولفت النظر إلى أنه خلال سنة 2015 تم توثيق العديد من الحالات. لقد كان نصيب الطفولة من عمليات الخطف الموثقة 11 حالة أما من تم تجنيدهم من قبل تنظيمات إرهابية بمدينة سرت فعددهم قرابة المئة والخمسين. ولعل أكثر عمليات التجنيد شهرة هي ما تعرف بقضية الطفل عبدالمنعم ضويلة، الذي اختفى عن أهله في طرابلس ثم أخبرهم انه يتلقى تدريبا عسكريا في سرت مع تنظيم الدولة وكانت نهاية حياته في إحدى العمليات الانتحارية. وأكد الحر على أنه، وأثناء النزاع المسلح في سنة 2014 فيما عرف بعملية فجر ليبيا بالغرب الليبي، كان المقاتل، بغض النظر عن عمره، يمنح مبلغا يوميا قدره 200 ـ 300 دينار ليبي .
وتجدر الإشارة إلى ان تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسيف ـ يعتبر بمثابة ناقوس الخطر ـ حيث ذكر أن 40 في المئة من أطفال ليبيا تعرضوا لانتهاكات عنيفة منذ 2011 وعدد 217 ألف طفل في طرابلس وبنغازي وحدهما. ويحتاج هؤلاء لدعم نفسي واجتماعي .
 
بيئة  مساعدة

وأضاف الحر: عندما يكون الأطفال وذووهم بلا تعليم فإن إمكانية استغلالهم تكون مرتفعة، ليس هذا فحسب، بل إن الأمية ستكون متفشية في صفوفهم، كلما استمر الصراع واحتدم النزاع. وحتى بعد انتهاء النزاعات فإن تأثيراته ستدوم طويلاً، ولاسيما على الأطفال، فضلاً عن تأثيراته على الأمومة والتربية بشكل عام.
وأضاف ان الإغراء المادي يلعب دورا مهما، خصوصاً في ظروف الفقر لجذب الأطفال إلى صف الإرهابيين نظراً للحاجة وكذلك في طريقة الاستدراج العاطفي، حيث يتم تفخيخ العقول قبل تفخيخ السيارات والأماكن العامة والمدارس والشوارع والمحال التجارية.
لقد عملت التنظيمات الإرهابية في مدينة سرت التي تستخدم الأطفال على حذف وإلغاء الكثير من المناهج الدراسية، وركّزت على التعليم الديني وفي الأغلب الجوانب الأكثر تطرفاً من المذاهب الفقهية، إضافة إلى التدريب العسكري .
معالجة هذه الظاهرة بحاجة لتكاثف جهود المجتمع الليبي والدولة في الدرجة الأولى بغض النظر عن دعم المجتمع الدولي. فالمستوى المعيشي المتدني لبعض الأسر الليبية ورغبة الأسرة الفقيرة أيضا في الحصول على المال بغض النظر عن نوع وخطورة العمل وظروفه يشجع على انخراط الأطفال في الجماعات الإرهابية والإنقطاع عن التعليم .ويضيف قائلا:»وكذلك نقص وعي الأهل بأهمية التعليم، والجهل بالآثار السيئة لانضمام الأطفال إلى كتائب أمنية قد تصل منحتهم الشهرية لما يقارب 2000 دولار بالشهر  والنقص في المدارس وضعف المنحة التعليمية لطلبة التعليم الجامعي والتسرب من التعليم الأساسي، تبقى جميعها دافعا للأسرة من أجل حصول أبنائها على دخل ثابت من هذه المليشيات المتقاتلة».

تداعيات

وعن أبرز تداعيات تجنيد الأطفال فأوضح الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان أن عدم النضج العقلي المدني بخطورة حمل الأطفال للسلاح بين أفراد المجتمع له تداعيات سلبية مستقبلاً، فالجيل الأصغر سناً يقتدي بذلك الجيل الأكبر، لأنه يرى فيه القدوة التي يجب أن يكون عليها، وبهذا يُعلم المجتمع بعضه البعض حمل السلاح والإتجار به، الأمـر الذي سيترك مخلفات تزيد من زعزعة الأمن والاستقرار والتنمية.
جدير بالذكر أن استخدام الأطفال يتفشى في تنظيم الدولة حيث أن الأطفال والمراهقين هم الأكثر استهدافاً واستخداماً في المظاهرات السياسية والمؤدلجة في ميادين وساحات الثورة.
وشدد الحر  على ان القوانين الدولية تستوجب تطبيق الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة في النزاعات المسلّحة وإبعاد الأطفال عنها وكفالة وصولهم إلى الأماكن الآمنة وتوفير سبل الحماية لهم صحياً واجتماعياً وتعليمياً وجمع شمل أسرهم والامتناع عن إشراكهم وتجنيدهم في العمليات الحربية وتأهيلهم وتدريبهم، وبغير ذلك فإن الطفولة ستكون في مستنقع الإرهاب أو في طي النسيان .

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية