كان العام 2008 علامة فارقة في علاقة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وإيران، وتحديدا يوم الثلاثاء 25 آذار/مارس 2008 مع عملية صولة الفرسان، أكبر عملية عسكرية أطلقتها الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي أشرف عليها إشرافًا تاما في الوسط والجنوب خصوصاً البصرة، واستهدفت ما سمي حينها بفرق الموت ومنها بالطبع أو على رأسها «جيش المهدي» وعموم التيار الصدري وتفرعات نسبت إلى مدرسة الراحل الامام محمد صادق الصدر كجماعة أحمد اليماني، وهي جماعات متهمة من قبل الحكومة، بارتكاب فضائع وجرائم، شملت إغتيالات النساء والحلاقين، وقتل السنّة، والتهجير والاعتداء على الحريات بحجة تطبيق الشريعة الإسلامية.
وتم خلال العملية الاستيلاء على آلاف قطع السلاح المختلفة، وآلاف العبوات الناسفة والمتفجرات. وألقي القبض على أكثر 1200 من عناصر جيش المهدي أو المتعاطفين مع التيار الصدري، وتمكن المئات منهم، بينهم قادة بارزون في فرق الموت، من الفرار بالمئات إلى إيران. عن تلك الأيام قال اللواء الركن عبد الجليل خلف الشويلي قائد شرطة البصرة السابق، الذي نقل إلى بغداد بعد نهاية «صولة الفرسان» كانت البصرة حاضنة للإرهاب، وكان في صفوان وحدها عشرة آلاف مزرعة تخفي فيالق من الجيش، وكانت هناك مجاميع تختفي هناك ولا يمكن في حينها مواجهتها بسهولة.
ويؤكد إن ما كان يجري في البصرة «مسرحية أجنبية» بممثلين عراقيين، وأن إيران فتحت آنذاك «جبهة حرب» على أمريكا وبريطانيا هناك قبل وصول قوات هاتين الدولتين. وأشار إلى وجود جهات وراء قتل النساء لمجرد القتل لزعزعة الأمن في المدينة.
الحكاية
كانت البصرة في تلك الأيام أسيرة في يد الميليشيات والأحزاب التي شكلت بدورها فرق موت خاصة بها تقتل كل من يعارض مصالحها. كما كانت الحدود مع الدول الأخرى وخصوصاً إيران، سائبة، وكان النفط الخام ومشتقاته يسرق علانية، والثروة الحيوانية تهرب، وفي المقابل تصدّر هذه الدول الأسلحة وتفتح معسكرات لتدريب مجرمين على قتل العراقيين. وكان بعض تلك المعسكرات على مقربة من حدود العراق داخل إحدى الدول المجاورة فيما غدت الموانئ فريسة في يد الأحزاب والميليشيات وعائلات متنفذة، وكل ذلك كان يجرى على مرأى ومسمع جميع السياسيين والحكومة المحلية.
الفريق أول ركن موحان الفريجي (قائد عمليات البصرة آنذاك) قال إن الشرطة كانت تعاني من فساد صب لصالح الجماعات المسلحة، وكان التيار الصدري يثير الرعب في نفوس أفراد الشرطة والكثير منهم انتمى له وعمل تحت عباءته الواسعة، وذكر أيضا أن الجهات السياسية ويعني الأحزاب الإسلامية، غذت بعض النعرات التي خدمت إلى حد كبير الجماعات المسلحة لتبقى دائما خارج سلطة القانون.
وفي تلك الفترة أيضا وقبل عملية «صولة الفرسان» كان لابد على قائد عمليات البصرة من الاعتماد على الجيش المستقدم من خارج البصرة كما حصل في قمع تحرك أنصار اليماني، وبذلك كسرت كما يقول القادة الأمنيون معادلة الولاءات للأحزاب.
وقد سبق التحرك العسكري لصولة الفرسان، نشاط سياسي واسع لمنع وقوع ما كان يخشاه البصريون، وسموه عاصفة، تطيح بكل ما تبقى في البصرة من معالم حياة طبعاً إذا فشلت الخطة الأمنية، لأنهم كانوا يخشون سطوة مافيات الأحزاب الإسلامية وتحديداً التيار الصدري.
ولكن وبعد أن فشل التحرك السياسي الذي شهد اجتماعاته «مسجد الموسوي» الكبير في البصرة، ونفذت عمليات صولة الفرسان، نجحت إيرن باقناع مقتدى الصدر لكي يرفع الغطاء عن «المجرمين» في تياره، وقدمت له وللكثير من أتباعه المأوى والأمان.
البدايات
ينفي قادة التيار الصدري أن يكون قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني هو من أسس «جيش المهدي» لمقاومة الاحتلال الأنكلو أمريكي في العراقٍ، لكن إسماعيل الوائلي أحد أعمدة ما يمكن تسميتها المدرسة الصدرية (نسبة إلى الإمام محمد صادق الصدر) أعلن أنه يملك وثائق عن دور سليماني في تأسيس جيش المهدي، وذكر أن رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران أكبر هاشمي رفسنجاني مول السيد مقتدى الصدر ودعمه ودفع باتجاه أن يصمد في بعثرة أوراق الولايات المتحدة وبريطانيا، في العراق.
وتبدو رواية الوائلي قريبة من الواقع، في ضوء إمكانية الصدر المحدودة، حيث أنصاره من الفقراء، والمهمة المناطة بفيلق القدس في دعم «حركات التحرر» في العالم، وجميع الجماعات الإسلامية «الشيعية» خصوصاً في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين.
وكشف النقاب أكثر من مرة عن تزويد فيلق القدس للجماعات العراقية بأسلحة ومعدات أربكت «قوات الاحتلال» وألحق الكثير من العمليات بدعم واشراف من قادة الحرس الثوري، وحتى قيادات ميدانية من حزب الله لبنان، أضرارا فادحة في القوات الأمريكية والبريطانية، ويسجل هنا أيضا لسليماني أنه استطاع أن ينقذ الصدر أكثر من مرة، من محاولات المالكي إعتقاله ومحاكمته بتهمة قتل السيد عبد المجيد الخوئي نجل المرجع الشيعي الراحل الامام أبو القاسم الخوئي.
وحتى مع وجود خلاف سابق كبير بين جهات نافذة في إيران والسيد مقتدى الصدر على خلفية «الصراع المرجعي» أو هكذا يضع البعض عنوانه، مرجعية والده الراحل في قبال مرجعية السيد علي خامنئي في إيران.
الاغتيال
تتهم أوساط في التيار الصدري المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وزعيميه الراحلين آية الله محمد باقر وشقيقه عبد العزيز الحكيم، بالتورط بشكل أو بآخر ولو عن غير عمد، في توفير مناخات إغتيال الصدر والد مقتدى الذي كان يعتقد بأنه هو ولي أمر المسلمين الشيعة، وبالتالي كان ينافس خامنئي في إيران الذي يسميه أنصاره «ولي أمر المسلمين». ولن ينسى الصدريون تلك الأيام عندما تصدر الصدر قبل إغتياله في العام 1999 للمرجعية العليا، وكيف كان فيلق بدر الذراع العسكري للمجلس، يثقف مقاتليه في نشرة «محدودة التداول» قيل إن عبد العزيز كتبها، على أن «الصدر ساذج يمكن خداعه من قبل نظام صدام» وإلى غير ذلك في عملية تسقيط ممنهج، ساهمت فيه صحيفة «جمهوري إسلامي» الإيرانية التي يملك امتيازها المرشد الإيراني خامنئي.
وكانت جماعة السيد الحكيم تروج لما تعتقد به من أن صدام أمر شخصيا بدعم محمد صادق الصدر وتسليمه إدارة المدارس الدينية، وإعطائه حق منح إجازة دخول الحوزة العلمية للطلبة، وحق منح إجازة الإقامة في العراق والحوزة للطلبة غير العراقيين، وأنه تم تخصيص ميزانية شهرية له، وحصر طبع الرسالة العلمية والتصدي للمرجعية العامة به دون سائر المراجع والعلماء، ونشر النظام إهداءه لرسالته العملية إلى صدام حسين في الصحافة الرسمية وردّ المكتب الصحافي لصدام على الإهداء، وتعيين المرافق الأقدم لصدام وهو روكان عبد الغفور التكريتي للتنسيق المركزي بين هذه المرجعية والقصر الجمهوري إضافة إلى منع العلماء من طبع ونشر كتبهم وبياناتهم وتداولها، والتوسع بطبع ونشر كتب وبيانات الصدر واستفتاءاته.
كذلك «ذكروا» أن النظام السابق سمح للصدر باستخدام القوة للإستيلاء على المدارس ومنها مدرسة الحكمة المتنازع عليها مع آل الحكيم، بحجة الولاية، وفرض مراجعته في منزله لاستلام إجازة الإقامة والقبول بمرجعيته وولايته وقالوا «لقد عطل السيد محمد الصدر تمديد الإقامات للمراجع والعلماء والطلبة عدة شهور وقد هددهم النظام بالطرد حتى أذعنوا للأمر الواقع وسلموا للسيد الصدر بالقيادة والمراجعة لمنزله وإدارته». وكتبوا أيضا أن النظام سمح للصدر أن يطرح علناً عنوان ولايته العامة على المسلمين، وسمح له بإقامة صلاة الجمعة وقام بتثبيتها وطمأنة الناس على رضاه عنها من خلال نشر أخبارها في الصحافة الرسمية سيما صحافة عديّ صدام حسين.
كل تلك الاتهامات مهدت كما يرى الصدريون أو من ينصفهم، لاغتيال الصدر الذي يقولون إنه خرج عن تقيته المكثفة وجاهر بالعداء للنظام فأصبح لزاما اغتياله.
وفي ذلك الواقع كان من المؤكد أن هناك جهات عراقية (معارضة) من داخل إيران تستبيح دم محمد صادق الصدر (الذي كان يؤمن بالتقية المكثفة) وتتهمه بالإنتساب إلى حزب البعث وانه صنيعة صدام. وكانوا يصفون صلاة الجمعة التي كان يقيمها بصلاة الفتنة، وكانت الأحزاب (المعارضة) العراقية المستفيد الأول من إغتياله لأن وجوده كان يفسد الطريق أمامها.
الصدر وسليماني
بعد 2003 ورغم محاولة المجلس الأعلى تهميش الصدريين رغم قواعدهم الشعبية العريضة، فقد فرض التيار الصدري نفسه كقوة صاعدة، ونجح قاسم سليماني في أن يخطب ود مقتدى الصدر الذي وصفه يوما بأنه «الرجل الأقوى في العراق» وأنه «صاحب مبدأ بالنسبة إلى قضيته وجمهوريته وحكومته ومذهبه» وقال إنه يختلف مع الإيرانيين «في بعض الأمور الجوهرية». لكنه يفضل أن يحافظ على علاقات جيدة مع الجميع «قدر الإمكان». وأشار إلى أنه يحاول فتح حوار مع الدول العربية «لكنه لا يجد أذناً صاغية» كما أنه حاول زيارة بعض دول الخليج فلم يُلب طلبه، وحاول زيارة دول الاتحاد الأوروبي.
لكنْ تشكيل الحشد الشعبي، وعودة الصدر عن قراره بتجميد «سرايا السلام» بعد حله جيش المهدي، لكي تقاتل بمفردها بعيداً عن إمرة واستشارة الايرانيين، ومحاولته المستمرة التقرب من دول خليجية معينة، بينما إيران تخوض معها حرباً باردة، في أكثر من مكان، أوصل الخلافات بين مقتدى الصدر وقاسم سليماني، إلى ذروتها، وذلك رغم أن نشاط سليماني في العراق تراجع لصالح الأمين العام للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، ونجاح الأخير في إبعاد نوري المالكي خصم مقتدى اللدود، عن رئاسة الوزراء.
وتعود الخلافات بين الصدر وسليماني إلى ما قبل عملية تحرير تكريت العام الماضي وتتمحور حول ما يقوله الصدريون إن سليماني والقيادي في الحشد أبو مهدي المهندس، يهمشون ذكر انتصارات «سرايا السلام» على الأرض أو في مسألة مرتبات أفراد السرايا وحقوقهم التي تصرف من قبل الحكومة ويشرف على توزيعها المهندس، ضمن لجنة يترأسها لبقية الفصائل المشاركة.
وتُظهر المظاهرات الأخيرة التي دعا لها الصدر في بغداد، وتهديده باقتحام المنطقة الخضراء، أن الخلافات بينه وبين إيران وسليماني على وجه الخصوص حقيقية، بعد ورود أنباء أن سليماني أبلغ التحالف الوطني الذي يضم التيار الصدري أيضا بدعم طهران لرئيس الوزراء حيدر العبادي، ورفض الصدر طلبا من سليماني في إيقاف التظاهرات ودعم العبادي.
ولن تصل هذه الخلافات إلى طريق مسدود بعد أن تراجع الصدر بشكل لافت عن فكرة التظاهر أمام المنطقة الخضراء وحصر المظاهرات في ساحة التحرير لمنح العبادي فرصة لتغيير حكومي هو يشارك فيه بقوة، وذلك بعد تسريبات في الإعلام الإيراني بدت «متعمدة ومقصودة عن إحتمال أن يتحول مقتدى الصدر إلى «رفيق الحريري آخر» في إشارة إلى إغتياله!
نجاح محمد علي