اخرجوا من الجمود الفكري للكتل

حجم الخط
0

ما إن يتبلور مفهوم في الخطاب العام، يصبح صعبا تغييره. ويعكس هذا المفهوم أحيانا انعداما للتفكير بل ونية مبيتة في احيان اخرى، وجمود فكري وربما كل هذه تتجمع معا. لحقيقة أن ليس لدولة اسرائيل حدود دائمة تأثير كبير على سلوكها في المجال السياسي، في سياق تسوية النزاع مع الفلسطينيين. وفي اطار المحاولات للاتفاق على حدود الدولة تبلور مفهوم «الكتل الاستيطانية» ليصبح متحجرا بحيث لا تعود لاحد القوة لتحطيمه. هذا المفهوم، الذي يتناول المستوطنات اليهودية في الضفة القريبة الواحدة من الاخرى، اصبح في العقدين الاخيرين مبدأ منظما في كل مشروع سياسي مقترح: هكذا كان في كل فصول المفاوضات التي جرت حتى اليوم، وكذا في الخطوات احادية الجانب التي اتخذتها اسرائيل.
خطة فك الارتباط عن غزة وشمال السامرة في 2005 كانت بداية مسيرة سعى فيها رئيس الوزراء ارئيل شارون لاخلاء معظم المستوطنات المنعزلة وتركيز الاستيطان في «كتل». ايهود اولمرت، الذي حل محله، سعى في 2006 إلى استكمال الخطوة من خلال «خطة الانطواء»، التي كان اساسها تجميع المستوطنات اليهودية من خلال مسار جدار الفصل.
في 2008، في اطار مسيرة انابوليس، واصل اولمرت الخط السياسي الذي بدأه ايهود باراك في 2000 واقترح اخلاء المستوطنات المنعزلة، ضم الكتل الاستيطانية ومقابل ذلك اعطاء الفلسطينيين اراضي في داخل الخط الاخضر. ومؤخرا أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن اعمال لانهاء جدار الفصل لحماية «الكتل» وكذا رئيس المعارضة، اسحق هرتسوغ، دعا إلى الانفصال على اساس «الكتل».
تتطلع الدول المحبة للسلام إلى تثبيت حدودها بشكل يضمن الاستقرار في علاقاتها مع جيرانها، ولا يوجد أي معنى لتثبيت خطوط تهز هذا الاستقرار؛ الحدود، كما يعرف كل أب أو أم، يجب ان تكون واضحة، جلية ومنطقية، وتخدم هدفا بعيد المدى. ليس هكذا تعمل اسرائيل بالنسبة لـ «الكتل»، وتأثيرها على حدودها المستقبلية وعلى علاقاتها مع الدولة الفلسطينية المستقبلية.
اذا ما راجعنا تشكل مفهوم «الكتل»، يتضح أنه يعكس تطور المصالح قصيرة المدى لاسرائيل في الضفة، والتي تحركها السياسة الداخلية، وتتجاهل تماما سواء مصالح السكان الفلسطينيين وآثارها على قدرتهم على ايجاد دولة في المستقبل، أم للمصالح الاسرائيلية بعيدة المدى، وقدرتها على الحفاظ على استقرار الحدود المستقبلية.
لقد جمد الاستخدام المتواتر لمفهوم «الكتل» الموقف منه وجعله مثابة حقيقة صلبة وغير قابلة للشك، وكأنها مناطق غير قابلة للاخلاء. ليس الحاضر هو الذي صمم، في هذه الحالة، الوعي، بل العكس، الوعي هو الذي يحاول ان يصمم الواقع، الذي يتخيله بعضنا، وذلك دون أي منطق امني، اقتصادي، ديمغرافي او سياسي. لهذا السبب فان حكومات نتنياهو الاخيرة تواصل بناء معظم وحدات السكن الجديدة في المستوطنات المنعزلة، بهدف جعلها «كتل»، تجمدت في الخطاب الجماهيري كمجال يجب الحفاظ عليه من كل سوء، رغم أن معظم الجمهور لا يعرفها على الاطلاق.
تعود بداية مفهوم «الكتل» إلى خطة «القبضات الخمسة»، التي وضعها وزير الدفاع موشيه دايان في 1968، والتي نبعت اساسا من الحاجة الأمنية للسيطرة على «ظهر الجبل» المسكون بكثافة من الفلسطينيين. واقترح دايان مرابطة «قبضة»، تتضمن قاعدة عسكرية، بلدة وقرى زراعية بجوار كل واحدة من المدن الفلسطينية الخمسة المركزية، والتي كانت مراكز سياسية واقتصادية في الضفة: جنين، نابلس، رام الله، بيت لحم والخليل. وكان الهدف السماح برد فوري على اعمال الاخلال بالنظام والنشاط الإرهابي، او في حالة التهديد الامني الاوسع ـ بتر الضفة إلى عدة اجزاء (كل الـ «قبضات» مقامة على طول طريق 60، الذي يقطع الضفة على طولها). وقد رفضت حكومة ليفي اشكول هذه الخطة.
واختارت حكومة اشكول في 1967 ان تتبنى «مشروع الون» والذي اساسه استيطان يهودي في «مجالات امنية» وليس في «كتل». وقد طبق المشروع بداية في غور الاردن بعد أن فرغ هذا من سكانه العرب ممن هربوا إلى الاردن، ولاحقا حول القدس ايضا («المثلث الاكبر» للقدس، والذي بات يسمى لاحقا ايضا «غلاف» القدس). وكانت غاية المشروع قبل كل شيء توفير الامن، ولكن المرحلة الثانية كان يستهدف ايضا ضم هذه المجالات، وتثبيت الحدود الجديدة لاسرائيل على طول نهر الاردن.
في ايلول 1977، بعد تغيير الحكم، طرح شارون، الذي كان يشغل منصب وزير الزراعة على حكومة بيغن الاولى خطته الجديدة. ومثل «مشروع الون»، كانت هذه الخطة تستهدف تعزيز الامن، فاضافت إلى غور الاردن «مجال الامن» الغربي الذي على شرق الخط الاخضر. ولكن، خلافا لحكومات المعراخ، يتطلع شارون وبيغن لان تكون الضفة في نهاية المسيرة جزءا من دولة اسرائيل وتحت سيادتها.
في تشرين الاول 1978 أعد رئيس دائرة الاستيطان في حينه، متتياهو تروبلس، خطة مفصلة لتطبيق خطة شارون. وادعى بان «قاطع المستوطنات في مواقع استراتيجية يزيد سواء الامن الداخلي ام الخارجي، اضافة إلى ذلك يحقق حقنا في بلاد اسرائيل». وبالتالي، فان «انتشار المستوطنات يجب أن يتم ليس فقط حول مواقع سكن الاقليات (الفلسطينيين)، ولكن بينها ايضا، وذلك وفقا لسياسة الاستيطان التي تم تبنيها في الجليل وفي مناطق اخرى من الدولة». ولغرض البتر التام للتواصل السكاني الفلسطيني وخلق الظروف لضم الضفة تقرر ما لا يقل عن 22 كتلة، تضمنت بعضها مستوطنات تبنى غربي «الخط الاخضر»، من أجل اخفائه.
جاء اتفاق اوسلو فقضى على حلم محبي بلاد اسرائيل الكاملة لزمن ما، وفي 1997 دشنت دائرة الاستيطان خطة جديدة تسمى «التجمعات العليا». وحلت هذه التجمعات مرة اخرى محل مفهوم «الكتل»، وذلك ضمن التوجيه السياسي لرئيس الوزراء نتنياهو، الذي كتب يقول ان «مشروع الحكم الذاتي تحت سيطرة اسرائيل هو البديل الوحيد لمنع هذه المخاطر، الكامنة في خطة «السلام» لاتفاق اوسلو» («مكان تحت الشمس»، 1995). وتضمنت الخطة خمسة مناطق استيطانية يهودية، امتدت على نحو 60 في المئة من اراضي الضفة، وتركت للسلطة الفلسطينية مناطق أ و ب فقط.
المفاوضات على التسوية الدائمة في عامي 1999 ـ 2000 (في كامب ديفيد وفي طابا)، مسار جدار الفصل الذي بني في 2002 ـ 2007، والمفاوضات في انابوليس في 2008، تأثرت جميعها بالخوف من اخلاء مستوطنات يهودية، خوفا صمم بشكل مختلف عن الماضي اهداف «الكتل»، حدودها وعددها. واضح أن هذا لا يهم إذا اتخذت خطوات احادية الجانب أو طرحت اقتراحات في المفاوضات ـ ففي قناتي العمل في العشرين سنة الاخيرة بقي مفهوم «الكتل» مجمدان وليس هناك من حاول ان يكيفه مع هدف تحقيق حدود مستقرة في اتفاق يوقع في المستقبل.
هدف باراك، شارون واولمرت، وكذا نتنياهو ايضا، كان منع اخلاء عدد كبير من الاسرائيليين الذين يسكنون خلف الخط الاخضر. ولهذا الغرض فقد رسموا حدودا خلقت سبع «كتل» و «اصابع» هي في معظمها خيالية، وعديمة كل منطق اقليمي او بلورة استيطانية؛ كل منطقها هو في محاولة خلق تواصل اقليمي مصطنع لاسرائيل. وغني عن الاشارة بان هذه الكتل تتجاهل تماما نسيج الحياة الفلسطيني أو الاسرائيلي.
هكذا مثلا فان «اصبع» ارئيل، الذي يمتد على مسافة 21 كم من الخط الاخضر شرقا، وتوأمه «اصبع» كدوميم، والذي طوله 23 كم ـ واللذين يتضمنان مستوطنات يهودية من مجالس محلية واقليمية منفصلة ومختلفة ـ يبتران إلى قطع متفرقة التواصل الفلسطيني في السامرة. مدينة معاليه ادوميم حظيت بـ «كتلة» تضاعف ارضها ستة اضعاف فقط من اجل بتر الضفة إلى قسمين؛ هذه الكتلة تضم مستوطنات كفار ادوميم وعلمون، المنتميتين بشكل عام للمجلس الاقليمي ماتيه بنيامين. وادخال المستوطنة الصغيرة بيت حورون في «كتلة» جفعات زئيف يحبط امكانية تطوير رام الله الكبرى غربا.
قبل بضع سنوات قال نتنياهو «ان»كتلي» ليست «كتل» اليسار»، وقبل سنتين اضاف إلى خطته السياسية «كتلتين» اخريين و «اصبعين» آخرين، إلى كتل اولمرت وباراك السبعة، التي تبتر التواصل الفلسطيني، هذه المرة في المناطق قرب رام الله (عوفرا ـ بيت ايل) والخليل (كريات اربع).
ان جمود اسرائيل على «الكتل» يمس بمصلحتها نفسها في المدى البعيد ـ التطلع إلى حدود مستقرة. على اسرائيل ان تحدد خط انفصالها عن الفلسطينيين في اتفاق دائم او في اطار فترة انتقالية، بشكل يختلف عن مفهوم «الكتل» الخيالية. عليها أن تعرض اقتراحا لخط حدودي جديد، يمنع خلق نقاط احتكاك زائدة وتشويش لنسيج الحياة الفلسطيني، ويضمن نظام الحدود «المتنفس» والمفتوح الحيوي للطرفين. عليها أن تقترح بان تضم فقط مستوطنات يهودية لا تمس بمنظومة السكن الفلسطينية ونسيج حياة سكانها، في ظل خلق خط حدود قصير وامني.
هكذا مثلا يمكن ان يتقرر بان مستوطنات «الصف الاول» تضم إلى اسرائيل. أي فقط مستوطنات بينها وبين الخط الاخضر لا توجد قرى أو شبكات فلسطينية. ومن فحص بسيط يمكن أن نرى بان هذا المعيار سيسمح لاسرائيل بان تبقي في منازلهم وتحت سيادتها نحو 75 في المئة من الاسرائيليين الذين يسكنون خلف الخط الاخضر، وذلك من خلال تبادل اراض بحجم 3 في المئة، في ظل تقصير خط الحدود الذي اقترحته اسرائيل عدة مرات في الماضي، من نحو 760كم إلى اقل من 450كم (طول الخط الاخضر هو 313كم). وحتى لو اضطرت اسرائيل في هذه الخطوة إلى مواجهة امكانية اخلاء عدد اكبر من الاسرائيليين، فهذا الثمن في المدى القصير لا يؤبه له مقارنة بالاثار بعيدة المدى بخط حدود طويل، متلوٍ، هش وكثير نقاط الاحتكاك.
لقد تطور مفهوم «الكتل» وفقا للاهداف المتغيرة التي سعت اسرائيل لتحقيقها، ولكن في العقدين الاخيرين تجمد بشكل ضار لها. ينبغي الفهم بانه ليس «توراة من سيناء». والاهم من ذلك هو أنه إذا واصلت اسرائيل تطوير تعريفها الحالي ولم تعدله وتصممه وفقا فكرة الدولتين، فانها ستزرع بكلتي يديها بذور عدم الاستقرار في حدودها مع الفلسطينيين. وبينما من شأن مفهوم «الكتل» ان يجر اسرائيل إلى دائرة العنف المعروفة والتي لا تنتهي وتحاول الخروج منها، فان العودة إلى مد «خطوط» بسيطة وواضحة ستؤكد المصلحة الاسرائيلية، وهي وحدها ستساهم في استقرار الحدود التي نتمناها.

هآرتس 13/3/2016

شاؤول ارئيلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية