استطاع الشاعر العراقي ميثم راضي في مجموعته «كلمات رديئة»، منشورات المتوسط – إيطاليا، أن يظهر بكارة الدلالة والتصوير الشعري في نصه، فقد استخدم صورا شعرية مبتكرة تترك لدى القارئ دهشة، من خلال عنصر المفارقة الذي يذيّل به خواتيم نصوصه، والذي استند إليه في شعرية هذا الكتاب، وعلى تعميقها من خلال تقنية «الصدمة والتأثير»، من خلال لفت انتباه المتلقي إلى البعد الذهني لتلك التقنية، لذلك كانت النصوص تترك انطباعاً بالغ التأثير في نفس القارئ.
ميثم راضي الذي قاده الرسم الكاريكاتيري إلى الشعر، يكتب بالزخم ذاته الذي تحمله لوحة كاريكاتيرية ساخرة أحياناً وناقمة ومؤلمة في كثير من الأحيان، لذلك حملت الصورة الشعرية في نصه خصوصية الرسام والشاعر القادر على الخلق والابتكار، فكان الكاريكاتير عنصر تميز فني وسط سياق النص الذي اعتمد فيه التكثيف.
«أيها الملاك المسؤول عن توزيع المفاصل/ إمنح للفتاة التي سيكتب لها أن تكون أرملة: ركبة أب»
في كلمات رديئة لم يكتف راضي بخلق «النص اللّوحة»، إذا جاز التعبير، فقد كانت هناك نصوص عبارة عن لقطة فوتوغرافية كتبها وكأنه يصور من زاوية معينة في مكان محدد وظرف بعينه، وقد نجح في نقل «اللّقطة» للقارئ بحرفية العالم بتقنيات الصورة ونقلها بأبعادها البصرية وتقديمها للقارئ على شكل صور شعرية تحمل الأسى ذاته، فيما لو جاءت هذه اللقطة على شكل صورة أو نص شعري يحمل الطابع الفوتوغرافي:
«حدّاد غامض/ يطرق حديدة الأيام على شكل سمكة ثم يرميها في النبع/ أنا وأهلي كنا عند المصطبات
نحاول اصطيادها/ مردّدين أغنيات قصيرة، وحزينة جداً عن الحياة/ وواقفين في قوارب تبدو من بعيد وكأنها ابتسامة خفيفة/ على وجه الماء».
هناك نصوص أيضاً في هذا الكتاب نستطيع أن نسميها نصوصا سينمائية لمشهديتها فهو يصور المشهد، كما لو أن القارئ يراه بعناصره الفنية المكتملة تماماً، فكثير من النصوص قارب فيها الشاعر الصورة اللغوية من الصورة المرئية، لتصبح الصورة الشعرية في هذا المقام خلفية متوقعة ومتخيلة عند القارئ كصورة درامية يتابعها.
ويلاحظ قارئ ميثم راضي أنه يبتدع أساليب جديدة في طرح النص الشعري ليعيد تشكيل العالم ربما حسب رؤيته هو أو صياغته بما يتناسب مع أفكاره وفلسفته في الحياة، لذا نرى نصه عميقا في دلالته رغم سلاسة المفردة لديه وبساطتها، فيعمل في هذا الكتاب على الفكرة لتكون عصب النص، وما إن يبلغها حتى ينهي نصه بكل خفة، احتاج، ربّما في بعض النصوص، إلى قليل من التفسير ليوصل هذه الفكرة ووضع ذلك في أغلب الأحيان في عناوين النصوص، وهذا ما يفعله مع اللوحة أيضاً التي يعتمد فيها على الرمزية فيتركها من دون كلمة واحدة ويضع كلمة أو جملة مكثفة أحياناً ليقود القارئ إلى الفكرة التي تلمع في رأسه.
وقد حمل نص راضي في طياته خطاباً سينمائياً عبر ما يقترحه من مجازات وكثافة وايحاء، طارحاً مجازات واستعارات طازجة ومدهشة مستخدماً الأشياء اليومية المهملة، ولغة تتماشى وتتماهى مع اللقطة السينمائية، فحلّق نصه في أفق الحداثة والمغايرة والتجريب حتى في طرحه للمعاناة من الحرب، الذي جاء من جانب إنساني بحت مبتعداً فيه عن الخطاب السياسي، لذلك كان يكتب الحرب وآثارها بأسى بالغ:
«ماذا يفعلون بالسيارات التي تنفجر بنا؟/ أرجوك أخبرني أنهم لا يعيدون تدويرها في معامل الصلب والحديد
أخبرني أنهم لا يحولونها إلى مسامير ستختلط بالمسامير الأخرى/ وأننا لم نستخدمها لتثبيت أبواب الخزانات التي نعلق فيها ثيابنا/ أخبرني أنها ليست تلك المسامير التي تصدر أنيناً كلما فتحنا باب الخزانة…».
هكذا يعبر ميثم راضي عن الحرب، هكذا يحبس أنفاس القارئ ألماً على المعاناة التي يصورها من واقع موجع. الحرب وأدواتها وألفاظها لا تكون ضمن حدود نص يتناولها بل يستخدمها في نصوص أشد وجعاً:
«أخبريني دائماً أن كل شيء على ما يرام/ حتى لو عدت لك بذراع واحدة ونسيت الأخرى تكتب عن رجل يدفن طفلته..».
بقي أن أشير عن كيفية تناوله للحب بطريقتة المتفردة التي لا تشبه الحب لكنها تشبه شيئاً أبعد من الحب، فعندما يتحدث عن الحبيبة لا ينسى أن يحدثها برجفة قلب عاشق للمرة الأولى، ولكن في الوقت نفسه أيضاً لا ينسى أنّه يحب في هذا الزّمن المليء بالحروب والمعاناة، لذا جاءت نصوصه متماشية مع الزّمن بكل تقلّباته الإيجابية والسّلبية:
«أنا من الذين يدلّلون يأسهم من العالم ككلب حراسة/ أرمي له في بداية الليل لحم الضحك وأنتظر/ حتى يشبع وينام/ ثم أتسلل إلى صدري مثل اللصوص/ وأخرجكِ من هناك بكل هدوء، تحفة من الأمل».
كاتبة كويتية
تهاني فجر