ڤيينا – طلال مرتضى: «عيسى الشيخ حسن» ذات مقام يذكرهم: أرجو أن تهدوا مهرجان القصيدة السورية إلى روح الشاعر بشير العاني، لمأساتنا ألف وجه. لم تزل تهدي لشبهة الغياب لواعج تحسها وينتظرها الحاضرون، متيقناً أن «بشير» سيعود من غفوة لا مدى لها، من قال إن: ثمة أصدقاء تناثروا مثل الأهلّة، واستباحوا كلّ حزني، حين مرّوا، وارتقوا درج الغياب».
تجمل بصبرك يا «عيسى» ولا تكن لوهلة مثل «محمد المطرود» الذي يراقص الموت كبهلواني، يغريه باللغة، لأنه يحفظ هيئته عن ظهر قلب.. في الأمس سمعته وهو ينكفه القول: لا شكَّ ستأتي، أعرفُ أنكَ ستأتي، وستكون لكَ أربعُ عيونٍ زجاجية وأيادٍ كثيرة. وأعرفُ أنكَ سَتهبُّ عليَّ من جهةِ الشمال – ضدَّ الجنوب – جهتي، لا لشيء، إنَّما لأعلمَ أنَّ الجهات صارت لتتصارع، فمَن سيغلبُ مَن؟
أنا أقصرُ منكَ قليلاً يا موت، لكننا حين نمشي معاً في النزهات السوداء، نبدو كأخوين توأمين، لنا ظلان متشابهان ويدان طويلتان، كأبطال ثانويين يسندونَ روحَ الروي بعد موتهم».
يا «محمد» بما أنك تنادد الموت في اللغة المباحة، لا تؤجل مهرجان شعرك، لأن «بشير العاني» كان يتنبّأ بأنه سيكون شهيد الكلمة، والموقف في هذا الزمن المرّ حدّ الفجيعة، حسب صديقه: عمر جمعة، عندما حمله «بشير» رسالة يوصلها إلى أمه «الديرية» مفادها: لا اثمَ لي.. غير أني نذرتُ قطيعاً من القصائدِ.. وهَدْيَاً من الرِّضا أسوقُ إليكِ.. فملتُ ومالَ نحريَ نحو سكينِ البكاءِ».
يا محمد، من يقنع «أحمد الشمام» أن مقولة «لمن تتركون البلاد» ليست قصيدة، عنوانها مخاتل، ومتنها مفعول به، والهوامش «قنبس» الوقت، نثر عمداً لاصطياد عصفورة المعنى..
أيها «الشمام» المتباكي على زيح الكلام، أوافق قولك بأن: طائر الفينيق يحترق ويوزع ريشاته على كل أرجاء الأرض، وسيُبعث من جديد. يا صديقي قل ما شئت، قل: هي الرواية والحكاية والنهايات التي تحزّ القلب كقوسٍ يمر على جرح الرباب. نعم لقد وجدتك تختزل الحياة بقصيدة، مطلعها، عتاب مدقع العطش والحبر، في محاولة فاشلة لتقنع «صدام العبدالله» الذي ظل ينزف الحرف غير بكل قناعة، كي يدلي بأن «بشير العاني» لم يمت نحراً، بل وحسب زعمه: لم يقتُلْهُ سوى الحبّ، كانَ كلُّ شيءٍ مُعَدَّاً لهذا الرّحيل المدهش، نعم قال رأيته: يمشي متوازناً في الصَّيف مرتبكاً في شتاء الوحلِ مترنّحا مثلَ طائر البطريق، ليشتري الخبزَ السَّاخنَ من الفرن القريب، خبزَ كفاف الحياة، ثمّ يمضي في الحواري هكذا، هكذا خفيف ولا سجائر لديه».
لم يكن «فايز العباس» آنذاك متأهباً لإلقاء قصيدته العصماء في «كولون» بل ظل يترنح على مقعده الوثير كآلهة، يتهجأ قصص اللجوء من «اسمه أحمد وظله النار» تارة، وحين علم بالخبر، عدل من جلسته قائلاً: المعادلة بسيطة جداً؛ في الانتظار عقربا الوقت يجلسان ويترقبان حضورك.
يا «بشير: اتبع ظلّكِ كما وردة الشمس، احتفظ بحفنة ترابٍ من أثره، يوماً ما سأشكّل منه على هيئة وطن، سَيسْكُنه عشاقُك و يدخلون في التيه. لست أدري ما أقول يا «فايز» كيف ذهب «بشير» وابنه، و»حسن شاحوت» قد سد كل أرصفة بيروت، ورمى مضمرات النص في لجة بحر بيروت، قبل أن يعتلي منبر «كولون» عليه أن يعترف أمام الملأ بأن: الفراق الطويل يحتاجُ للبكاءِ.. دائماً.. والتنبُّؤ بالقصيدةِ يحتاجُ لرأسٍ معزولةٍ عن الذكرياتِ والديون».
لا شك يا «حسن» أنك أخطأت الحساب هذه المرة، «بشير» الشاعر مات، وأنك: توهّمتُ أننا سننَفض أرواحنا من الغيابِ، وقلوبنا من الشك ونضحك حتى البكاء».
في الحلم رأيت ملاكاً يرتدي بزة الله، قال برزانة: ما بال «فراتكم» اليوم عاصياً، رأيته يمشي عكس مجراه، أليس بينكم «بشير»؟.