في قاعة عمليات الحرس الوطني وليس في مكان آخر من تونس، ظهر الرئيس الباجي قائد السبسي صباح الاثنين قبل الماضي، ليصف الهجوم الذي تعرضت له فجر ذلك اليوم ثكنة الجيش ومقار الشرطة والسـلطة المحلية ببلدة بن قردان القريبة من الحدود الليبية بالعملية «غير المسبوقة».
ولم يكن مفاجئا أو غريبا أن يضيف بعد ذلك في كلمته القصيرة أمام عدد من القادة والضباط بأن هدف المهاجمين كان السيطرة على البلدة وإعلانها «ولاية إرهابية»، فقد كانت كل المؤشرات تدل على أن هناك قناعة تزداد توسعا ورسوخا بأن التنظيم الأكثر تشعبا وغموضا في العالم هو الذي حاول أن ينفذ واحدا من احلامه التوسعية، باقتطاع جزء من التراب التونسي واحتلاله بالشكل والأسلوب الذي اتبعه قبل شهور وسنوات في العراق وسوريا والجارة الجنوبية ليبيا.
وبقدر ما كانت التساؤلات والشكوك تحوم حول الجهة التي قدم منها المهاجمون، وهل انهم عبروا الحدود من ليبيا؟ أم كانوا «خلايا نائمة» موجودة من قبل بالداخل؟ وكيف امكن لخمسين أو حتى مئة مسلح، بحسب التقديرات التي نشرها الاعلام المحلي، أن يفكروا ويخططوا للسيطرة على البلدة وإعلانها إمارة إسلامية؟ وهل كان وصولهم إلى بعض الميادين والشوارع وبقاؤهم فيها ولو لوقت محدود فشلا استخباراتيا وأمنيا واضحا؟ بقدر ما كان موقف المسؤولين والخبراء العسكريين والامنيين واحدا في مواجهة ذلك السيل من الاستفسارات، الذي لا اول له ولا آخر مقدمين جوابا حاسما وقاطعا لا يحتمل التعليق أو التعقيب، وهو أن ما حصل كان ملحمة عسكرية تستحق التدريس في أرقى الكليات الحربية، وأنها تؤشر لبداية اندحار تنظيم الدولة وهزيمته، لا في تونس وجوارها القريب فحسب، بل حتى في باقي الاقليم العربي، بعد الضربة الموجعة التي تلقاها بفشله وخيبته الاخيرة في بلدة بن قردان. لقد كانت الديمقراطية التونسية بحاجة لانتصار يرمم المعنويات المنهارة، ويرفع مشاعر السخط والإحباط، ويجعل الناس ينظرون ببعض الامل والتفاؤل إلى أن هناك فرصا وإمكانات تجعل التجربة قابلة للاستمرار والنجاح، رغم شدة الصعوبات وتعدد المخاطر والتهديدات. ولم يكن ممكنا أو مقبولا أن يمر الهجوم الفاشل على البلدة الحدودية الصغيرة بدون أن يمنح التونسيين تلك الفرصة النادرة ليقفوا مزهويين ولو ساعات واياما معدودة، مفاخرين بان لهم جيشا باستطاعته حماية البلد والتصدي لأي محاولة لتقسيمه أو احتلاله بدون التعويل على مساعدة الاخرين أو نجدتهم، كما كان يحصل في الماضي. لقد حارب تونسيون وطنيون هذه المرة تونسيين اخرين من ابناء جلدتهم، فقدوا كل صلاتهم بوطنهم وصاروا اعداء حقيقين له، وهذا المشهد هو الذي سمح للروايات البطولية بالظهور بقوة على شاشات القنوات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي، التي سارعت لتنقلها بحماسة شديدة، فلا مكان في بن قردان للقرابة الدموية أو للعلاقات الاسرية والعشائرية، أمام الواجب الوطني الذي قاد الكثيرين لارشاد السلطات إلى إمكان هروب المهاجمين واختبائهم وسط المساكن والمواقع المدنية، رغم انهم كانوا ابناء بلدتهم أو من مناطق اخرى من بلدهم كما ثبت في اكثر من فيديو حمل شهادات سكان محليين. لكن كسب المعركة لا يعني أن الحرب انتهت وحسمت بالكامل، وهو الامر الذي اكده رئيس الحكومة في مؤتمره الصحافي، فهناك سنوات صعبة اخرى مازالت بانتظار التونسيين، ولا يبدو أن الجارة الجنوبية التي صارت مصدر قلق وازعاج لهم سوف تتعافى بسرعة، وتصبح في المدى القريب دولة آمنة ومستقرة، وليس متوقعا أو منتظرا أيضا أن يشتد عود الاقتصاد المحلي في رمشة عين وتحل بين ليلة وضحاها مشاكل البلد التي لا عد لها ولا حصر، وتصير تونس في ظرف شهور أو حتى سنوات سويسرا الضفة الجنوبية للمتوسط. تلك الحقيقة يعرفها الجميع، لكن المشكل هو أنه لا أحد يملك الشجاعة والرغبة في أن يتحرك لفعل شيء لتغييرها وتحرير العقول والقلوب والضمائر وقلب اليأس والكفر بالديمقراطية التي لم تطعم جائعا ولا كست عاريا أو لبت حاجة معدم إلى ايمان وصبر وإرادة للنجاح. ولاجل ذلك لاحت الحاجة والضرورة لانتصار يعيد للديمقراطية التونسية الوليدة بعض ألقها وعنفوانها المفقود ويلمع صورتها في الداخل قبل الخارج ويحفز الناس للدفاع عما تواجهه من مخاطر وتهديدات كأولية لا تحتمل التأجيل. لقد كانت قصة الاستبداد في تونس هي قصة الانتصارات الزائفة التي صدقها الناس مرة وكذبوها وضحكوا لسخافتها مرات أخرى، ولأن تكرارها صار عادة يصعب التخلص منها بسهولة، فقد بدا لهم أن الديمقراطية بلا قصص انتصارات وهمية أو حقيقية فاقدة للمعنى والقيمة، وما حصل هو انهم صادفوا في الاعوام التي تلت هروب الحاكم، الذي برع في صناعة الانتصارات والترويج لها قصصا اخرى لمآس وكوارث ودماء ووجدوا أن احلامهم تحولت إلى كوابيس مرعبة جعلتهم يائسين محطمين. فقبل عام واحد فقط كتبت صحيفة «لبيراسيون» الفرنسية عنوانا صادما يقول «لقد انتهت تونس لقد انتهت السياحة» تعليقا على حادث متحف باردو، الذي استهدف سياحا اجانب، ثم جاءت ضربة فندق «امبريال مرحبا» في سوسة لتدق اسفينا عميقا في نعش نشاط يعد العصب الحيوي للاقتصاد المحلي، ولم يختتم العام الا بصدمة ثالثة وهي تفجير حافلة كانت تقل افرادا من الحرس الرئاسي في قلب العاصمة. ولم يكن ممكنا اقناع التونسيين أن هناك ضريبة قاسية ومرة ينبغى عليهم دفعها حتى تصمد تجربتهم وتستطيع البقاء على قيد الحياة. لقد صاروا يرغبون بالنتائج الفورية ولا يحتملون مزيدا من الانتظار. لكن الامر المؤكد هو أن ارتفاع معنوياتهم بانتصار الضرورة في بن قردان لا يعني ابدا أن الطرف المقابل أو العدو قد انكسر تماما واندحر خائبا ومهزوما يجر اذيال الخيبة. والإشكال الذي يواجه السلطات الان هو الطريقة التي ستتصرف بها حتى تستفيد لاقصى حد ممكن من نشوة ذلك الكسب، وتستعد وتتهيأ للمرحلة المقبلة التي قد تكون اكثر وعورة وصعوبة. وما يجعل الصورة مشوشة بالكامل هو أن البدائل تبدو شبه مفقودة أمام حالة التردد والانقسام الثقافي الحاد واستمرار المواقف العدائية المغلفة بطبقة سميكة من الاحقاد الايديولوجية القديمة. وربما كانت ضرورة الانتصار هي الشجرة الكثيفة التي حجبت غابة من الازمات العميقة التي تعيشها تونس. فمثل كل كسب لا يبحث الفائزون عادة عن الاسلوب والطريقة بقدر ما يفتشون عن النتيجة النهائية للمعركة، ولعل هذا ما جعل البعض يسارع لتقديم شتى التبريرات لصورة السيلفي التي التقطها جندي مع جثث من وصفوا بالقتلة والارهابيين ولم يكن مهما أن كانت مخالفة للمنطق والاخلاق والقانون مادامت الصورة بنظره دليلا قاطعا على ذلك الانتصار وجعل البعض الاخر يتغاضى عن معلومات نشرتها صحيفة «ميرور» البريطانية السبت الماضي وقالت فيها إن «خمسة عشر جنديا من القوات الخاصة للمملكة المتحدة قدموا النصح والتوجيه للقوات التونسية أثناء المعارك التي دارت في بن قردان»، لأنهم لا يرون الحل إلا في القوة العسكرية والأمنية فقط ولا يستنكفون بالتالي من أن يفتح الباب مستقبلا لأي تدخل أو انخراط أجنبي مباشر في الحرب على الاعداء.
يبقى هل أن انتصار الضرورة في بن قردان يكفي للقول بأن الديمقراطية انتصرت في تونس؟ قد لا يكون الجزم بذلك ممكنا مادام التونسيون لم ينتصروا بعد في كبرى معاركهم مع ذواتهم، ولا يعرفون كيف تحول الضرورة المكيافيلية العمياء التي لا تبحث عن الطريقة بقدر ما تنشد الغاية إلى منهج يقوم على فكر ورؤية وقواعد مضبوطة. وليس هناك شك في أنه إذا ما تحقق ولو جزء من ذلك يوما ما فلن تكون معركة بن قردان مجرد عملية «غير مسبوقة» فقط، كما قال الرئيس التونسي في ثكنة الحرس الوطني، بل حدا فاصلا بين زمنين زمن الحاجة والضرورة وزمن البرنامج والنموذج الديمقراطي العربي الفريد والناجح.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية