جواهر النصوص الأدبية بين أصابع كُتاب السيناريو

حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»: نهل كُتاب السيناريو من الأدب روائعه ونزلوا به من كونه خطاباً موجهاً للنخبة إلى حوار بسيط تسهل لغته على عوام الناس وكثيراً ما نجحت السينما فيما عجز عنه الأدب، حيث استطاعت الوصول إلى عمق المجتمع بطرح كثير من قضاياه، ومن ثم كانت هي الأقرب إلى المواطن في كثير من الأحيان، وللسينما في ذلك تجارب عديدة نقلت فيها عن كبار الأدباء بعض رواياتهم، ولعل أشهر هؤلاء نجيب محفوظ، صاحب «الثلاثية وميرامار وثرثرة فوق النيل والكرنك وخان الخليلي والحرافيش» وغيرها، وأيضاً يحيى حقي مبدع «قنديل أم هاشم ودماء وطين والبوسطجي»، وكذلك يوسف إدريس كاتب، «الحرام والنداهة»، ولا يمكن نسيان إحسان عبد القدوس الأوفر حظاً في الأرشيف السينمائي، حيث احتلت رواياته «النظارة السوداء وأنا حرة» صدارة شباك التذاكر لفترة طويلة.. وأيضاً يوسف السباعي كان الأبرز في السينما بأفلامه «السقا مات ورد قلبي وبين الأطلال».
هذا عن نجومية الأدباء الذين حققوا شهرة واسعة جراء تحويل إبداعهم الروائي إلى أعمال سينمائية، بينما ظل كُتاب السيناريو أنفسهم في المنطقة الأقل وهجاً، رغم أن بعضهم يحملون تاريخاً في مجالهم ككتاب محترفين كان لهم الفضل في عملية التوظيف الروائي وصياغة المعالجة السينمائية بشكل دقيق، عند نقلها إلى الشاشة للتعبير عن مكنون الرؤية بالصوت والصورة والاستفادة منها بما يحقق التعادل بين جوهر الأدب ومتعة السينما، لاسيما في الروايات التاريخية والملحمية، أو تلك التي تحمل سيراً ذاتية، كما في رواية «الأيام» لطه حسين، النموذج الذي نستحضره للتدليل على براعة كاتب السيناريو.
يعود الفضل للكاتب الكبير والسيناريست المهم صبري موسى في تجسيد قصة عميد الأدب العربي طه حسين على الشاشة الكبيرة، كتجربة أولى قبل أن تنتقل القصة ذاتها إلى الشاشة الصغيرة في مسلسل «الأيام»، وجُل الاستفادة من التجربة الرائدة لموسى أنها فتحت الباب أمام كُتاب آخرين ليحذوا حذوه، فبعد «قاهر الظلام» كانت «الأيام» وكان «أديب» وكلاهما جاء تنويعاً على القصة نفسها وتناولا تفاصيل حياة ومشوار طه حسين، وبعيداً عن نقاط الضعف التي شابت الأداء التمثيلي وقللت من قيمة العمل ككل، فإن سيناريو «قاهر الظلام» اعتنى بتحليل الشخصية الرئيسية للبطل، واتخذ من عاهة الأديب، وهي فقدان البصر نقطة الارتكاز التي دارت حولها كل الأحداث، إذ جعل لها الاعتبار الأهم في الإشارة إلى تكوين الطفل الصغير الذي اتسم بالعناد والتحدي منذ سنوات طفولته الأولى، وبموجب هذا التحدي انقلبت الإعاقة البصرية إلى جلاء في البصيرة، كرد فعل للتخلص من كابوس الظلام الذي صار مفروضاً بحكم الواقع المسجون داخلة ذلك الطفل المعجزة .
وبطبيعة القصة تدرج الوصف والإيقاع العام للسيناريو وفق المراحل الحياتية، وبالقطع كانت مقدمات التمهيد سابقة على الأحداث الرئيسية في المرحلة الأولى بقرية البطل، حيث تم ادخار مواطن التصعيد لما بعد ذلك، حتى يظل المشاهد مشدوداً للحكاية ومتابعاً عن كثب لرحلة صعود البطل، وهي لعبة التقديم والتأخير في خلق أجواء الإثارة النفسية لشحن المتلقي عاطفياً وضمان تأييده له وتبنيه لقضيته الإنسانية كشريك متضامن في الأحداث، وهو ما نجح فيه صبري موسى بشكل كبير من بداية عرض المأساة إلى نهايتها، مروراً بكافة المحطات التي عبرها طه حسين، سواء في طفولته أو صباه أو شبابه.
ومن مرحلة التعاطف إلى مرحلة الانبهار جاء الترتيب بمتغيراته فتحول الشعور من الإحساس بعجز البطل والإشفاق عليه إلى الانبهار والتفاخر به، وأول ما أصابه التغير في تيار الشعور الأب الذي أدرك قيمة ابنه المبصر بالعقل والقلب بعد تلاشي الظلام إلى الأبد، وكذلك الأم، فقد فطنت بإحساسها إلى نجاح مشروعها بتفوق أصغر أبنائها ووصوله إلى أعلى المراتب والمقامات العلمية.. كان هذا أول اكتشاف لماهية الدكتور بفطرة الأب والأم ليأتي بعده اكتشاف العالم كله للعبقرية العربية الفذة، وبين البداية والذروة كان العطوف على الجوانب الرومانسية في حياة الأديب بلقاء الحبيبة في باريس والارتباط بها كزوجه وشريكة للحياة والنجاح والمسيرة العلمية.
لا يأتي اختيار سيناريو فيلم «قاهر الظلام» هنا باعتباره الأفضل لصبري موسى فنحن لسنا بصدد المقارنة بين إبداعات السيناريست الكبير وأفلامه، وإنما نهدف إلى إلقاء الضوء على نموذج نراه أخذ جهداً كبيراً في الكتابة واتصل بشخصية أدبية علمية فذة كانت سبباً في إحداث حراك ثقافي واسع الصدى ولعبت دوراً رئيساً في بلورة القضايا الفكرية التاريخية والمعاصرة.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية