بوتين يخفف قواته ويترك أسئلة مفتوحة

حجم الخط
0

فاجأ البيان الدراماتيكي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن اخراج معظم قواته العسكرية من سوريا يوم الاثنين وزيري دفاع الولايات المتحدة وإسرائيل في ذروة لقاء عمل في واشنطن. فقد فوجيء يعلون من البشرى. والسؤال ما الذي عرفه مضيفه، أشتون كارتر، قد يتضح في الايام المقبلة.
في كل ما يتعلق بسوريا، تواصل روسيا اثارة الدهشة. فهي تنفذ انعطافات حادة دون ان تؤشر على الاتجاه مسبقا وبعد ان تفعل تقدم القليل جدا من الشرح. هذا النهج ميز بداية تدخلها العسكري في سوريا في ايلول الماضي. فقد بعث بوتين بطائراته إلى سوريا دون إعلان مسبق كرد على طلب يائس من الرئيس بشار الاسد، جاء في بداية الصيف حين قضمت منظمات الثوار ما تبقى من اراضي تحت سيطرة النظام.
ونجحت الغارات الجوية الروسية التي بدأت قبل نحو شهر، في أن تثبت خطوط الدفاع للاسد. في شهري كانون الثاني ـ وشباط من هذا العام، مع تشديد القصف الروسي، والذي لم يبذل جهدا خاصا في التمييز بين المواطنين والمقاتلين او بين منظمات الثوار الواحدة عن الاخرى، حقق التحالف المؤيد للنظام انجازات اضافية. فقوات الاسد، باسناد الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية المختلفة، سيطرت على بعض البلدات في جنوب الدولة وفي شمال الغرب منها.
في موعد قريب من وقف النار في نهاية الشهر الماضي، اقتربت قوات النظام من محاصرة الثوار في مدينة حلب الكبرى في شمال سوريا. ويصمد وقف النار هذا، والذي جاءت في أعقابه جهود متجددة لتحريك حل سياسي لسوريا، على نحو جيد اكثر مما توقعته معظم أجهزة الاستخبارات في الغرب. وتتواجد القوات الروسية في سوريا لفترة تتجاوز ضعف الفترة التي حددها بوتين للمهمة في الأصل.
ويضن البيان الروسي في المعلومات. فقد اشار بوتين إلى ان بلاده ستواصل الاحتفاظ بقواعدها الجوية والبحرية في المنطقة العلوية في شمال غرب سوريا. ومعقول أن تكون هذه المهمة بحاجة لقوات برية بحجم اصغر، بضع مئات من الجنود الذين يستخدمون اجهزة الدفاع المختلفة. كما أن موسكو لا تخرج عن طورها كي تشرح اعتباراتها. يحتمل أن يكون هنا اعتراف بقيود القوة العسكرية والتي تبدي الاستعداد لاستخدامها.
اما الاهداف الاساسية التي تحددت ـ استقرار النظام، ضمان التراجع الأمريكي عن مطلب المغادرة الفورية للاسد واستئناف المفاوضات الدبلوماسية ـ فقد تحققت عمليا. ومن أجل ضمان اعادة سيطرة النظام على المناطق الواسعة التي فقدها في صالح الثوار، ستكون روسيا مطالبة ليس فقط بتشديد الغارات الجوية بل وان تدفع بقوات مقاتلة كبيرة على الارض. ومن شأن هذا أن يكون كلفة لا بأس بها على الاقتصاد الروسي المتعثر. وفي الاسابيع الاخيرة هددت السعودية بتسليح منظمات الثوار السوريين بصواريخ متطورة مضادة للطائرات. كل دولة وصدمتها العسكرية. يحتمل أن يكون الروس سعوا إلى أن يعفوا انفسهم من العودة إلى ورطتهم في افغانستان في الثمانينيات حين فقدوا مروحيات، طواقم جوية ومقاتلين جراء اصابات صواريخ ستينغر التي وفرها الأمريكيون للثوار الافغان.
ومثل جورج بوش الابن بعد المرحلة الاولى من حرب العراق في 2003، يمكن لبوتين أن يخرج الان بالاعلان عن ان المهامة انجزت. وقد عاد وركز نفسه على الخريطة الدولية كلاعب اساس يجب أخذه بالحسبان. وبالمقابل لا يسارع على ما يبدو إلى التضحية برجاله قد يعيد للاسد السيطرة على تلك الاقاليم البعيدة من زاوية نظر روسيا.
اذا ما ضمن لاحقا كنتيجة لذلك وقف نار طويل وتسوية ما لتقسيم سوريا عمليا بين المعسكرات الصقرية، فيما يسيطر الاسد في دمشق وفي المنطقة العلوية وتواصل روسيا الاحتفاظ بميناء المياه الدافئة في طرطوس، الضروري لها، يحتمل أن تكون روسيا قامت بمهمتها.
ولكن موسكو ليست اللاعب الوحيد في هذا الملعب المعقد. فبالنسبة لدول الشرق الاوسط، مثلما بالنسبة للغرب، تبقى سياسة بوتين واعتباراته بمثابة لغز. وبالصدفة تماما سيكون اليوم رئيس الدولة رؤوبين ريفلين الضيف الاجنبي الاول الذي سيتمكن من محاولة اخذ الانطباع في موسكو عن نوايا الزعيم الروسي.
منذ نقل الطائرات الروسية إلى القواعد في شمال سوريا، تصرفت إسرائيل بحذر زائد مع الجبار الذي استقر في ساحتها الخلفية. لم تستطب إسرائيل المساعدة الروسية المتزايدة للاسد، وبالاساس النجاحات التي حققها محور دمشق وإيران وحزب الله بفضل الغارات الجوية الروسية. ولكنها حرصت على أن تبتعد عن مناطق الهجمات الروسية وتقلص المخاطرة بمعارك جوية غير مقصودة. معقول أن تستقبل إسرائيل الان اخراج الطائرات الروسية ببعض الارتياح. ولكن ما سيأتي بعد ذلك يكاد لا يكون قابلا للتوقع. فوقف النار، وان كان جزئيا، يفرض منذ نحو اسبوعين ونصف. وفي الايام الاخيرة استؤنفت في بعض المدن في سوريا المظاهرات غير العنيفة ضد النظام. اما الاسد من جهته فيمتنع حاليا عن قصف المتظاهرين ببراميل الوقود. ولا يزال، سبق أن تعلمنا في هذه المنطقة بان التقديرات الاكثر تشاؤما هي التي تميل إلى التحقق.

هآرتس 16/3/2016

عاموس هرئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية