لندن ـ «القدس العربي»: خلال السنوات الخمس الماضية تمسك الرئيس باراك أوباما بأن التدخل العسكري المباشر في الحرب الأهلية السورية لن يغير من معادلة الحرب هناك ولهذا رفض كل الدعوات لإرسال قوات عسكرية وعدم تكرار دروس العراق وسوريا. وعندما أرسل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طائراته المقاتلة إلى سوريا حذره أوباما من «مستنقع» الحرب وذكره بالتورط السوفييتي السابق في أفغانستان حيث خرج الجيش الروسي منها منهزماً. إلا أن الرئيس الروسي حافظ على المبادرة في سوريا وكذب توقعات الرئيس الأمريكي الذي ظل يبعد الحرب عنه.
ورغم ترحيب البيت الأبيض الحذر بالخطوة الروسية الأخيرة إلا أن المسؤولين واصلوا انتقاد بوتين ويحاولون في الوقت نفسه فهم الدوافع التي أدت به لسحب قواته بشكل مفاجئ. وهو ما بدا واضحاً أيضاً في تصريحات وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند الذي وصف أمام البرلمان بوتين بالرجل الذي يضرب زوجته ثم يتوقف عن ضربها.
ودعا لعدم مدح قراره بعدما تسبب في دمار كبير «شخص ذهب إلى بلد آخر ويبدأ يقصف السكان المدنيين وتدمير المستشفيات والمدارس» و»عندما يعتقدون أنهم فعلوا ما يريدون. وعلينا أن لا نقدم لهم المديح، فالأمر لا يتجاوز: هل توقف هذا الرجل عن ضرب زوجته».
هل انتصر؟
وبعيدا عن انتقادات هاموند الذي يعتبر من أشد الناقدين لروسيا من بين وزراء خارجية دول حلف الناتو إلا أن القرار الروسي تخفيض القوات في سوريا أثار الكثير من التعليقات والتكهنات.
وتساءل الكثيرون عن حقيقة الإنجازات التي حققتها موسكو في الحملة العسكرية وفيما إن كان الخروج المفاجئ محاولة لتقليل الخسائر.
وإن نظرنا للتدخل الروسي من زاوية تقوية موقف الأسد الذي كان على حافة الإنهيار في الخريف الماضي بعدما خسر إدلب وجسر الشغور وتدمر فقد نجح بوتين في تعزيز موقع النظام السوري ومنع سقوطه، وحافظ بالتالي على المصالح العسكرية الروسية في الغرب من البلاد.
ونجح في رسم حدود «دويلة» في اللاذقية يمكنها حماية النظام حالة فقد السيطرة على ما تمت استعادته من مناطق. ومن هنا كان تعليق جوش إرينست، المتحدث باسم البيت الأبيض بأن التدخل عقد من اللعبة في سوريا وقال «قوى التدخل العسكري الأسد وجعل من التوصل لحل سياسي أمراً صعباً». ويرغب مسؤولو الإدارة الأمريكية في رؤية أدلة قوية على نقل الروس معداتهم من سوريا حتى يتأكدوا من أن قرار بوتين حقيقي.
ويعتقد مسؤولون نقلت عنهم صحيفة «نيويورك تايمز» أن بوتين سيواصل سحب قواته نظراً لربطه مصداقيته باتفاق وقف إطلاق النار الهش ومباحثات جنيف.
كما أن بوتين راغب في تخفيف حدة التوتر مع الدول الأوروبية التي يحمله قادتها جزءاً من مسؤولية تدفق اللاجئين نحو القارة. ويعبر القرار عن حالة من نفاد الصبر مع الرئيس الأسد الذي فشلت قواته في الحفاظ على الأراضي غرب البلاد رغم الدعم الروسي له.
ويقول المسؤولون الأمريكيون إن بوتين وصل إلى نقطة تحول أصبح فيها ثمن الحملة محلياً ودولياً يتفوق على المنافع وهي الحفاظ على نظام الأسد وحجز مقعد لبلاده على طاولة التسوية السياسية.
استفادة أوباما
وترى الصحيفة أن الانسحاب الروسي يخفف الضغط على الرئيس أوباما الذي يتعرض لمطالب محلية ودولية لزيادة دعمه المعارضة السورية المعتدلة بأسلحة متقدمة وهو أمر ظل يقاومه. وترغب الإدارة الأمريكية من روسيا لعب دور سياسي نظراً للنفوذ الذي تمارسه على النظام السوري وإجباره على تقديم تنازلات.
وبطريقة أخرى يمثل الإنسحاب الروسي معضلة للولايات المتحدة التي تخوض حرباً ضد تنظيم «الدولة». فهذه الحرب ستطول لأن الروس الذين ضربوا المعارضة السورية وجهوا أيضا طائراتهم ضد مواقع التنظيم في وسط وشرق سوريا.
ويقول أندرو تابلر، الزميل الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى «فجأة لم يعد الروس موجودين لقتال تنظيم «الدولة» مضيفاً أن هذا سيطيل الجدول الزمني للحرب ويضع أعباء جديدة على الولايات المتحدة والغرب.
وكان الرئيس باراك أوباما قد كرر في مقابلته مع جيفري غودلبرغ في مجلة «ذا اتلانتك» تحذيراته من التخبط الروسي وأن التدخل في سوريا تعبير عن ضعف لا قوة.
وقال إن من يتحدث عن تعزز موقع روسيا بعد إرسالها الطائرات إلى سوريا «بشكل أساسي يخطئ فهم طبيعة القوة في الشؤون الخارجية والعالم بشكل عام». وأضاف أن الروس توسعوا فوق طاقتهم وهم ينزفون.
وقال إن «اقتصادهم تقلص خلال السنوات الثلاث المتتالية وبشكل جذري». ومع ذلك يرى المحللون أن بوتين لم يقرر تخفيض قواته لدواع اقتصادية أو سياسية.
مع أن الإعلام الروسي تعامل مع «المهمة المنجزة» كانتصار تم بدون ضحايا كثر. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن أنغيلا إي ستنت الخبيرة في الشؤون الروسية في جامعة جورج تاون قولها «لا تبدو لي هذه كمستنقع» مضيفة أن الروس لو كان هدفهم تدمير تنظيم «الدولة»، «لكانت النتائح مختلفة». فهذه هي طموحات الولايات المتحدة ولهذا السبب يقول محللون إن لا داعي للمقارنة بين التدخل الروسي والأمريكي.
فموسكو تدخلت بناء على طلب من حكومة «ذات سيادة» فيما كان النقاش داخل الإدارة الأمريكية يدور حول مستوى التدخل وقوته من أجل الإطاحة بالحكومة السورية. كما أن الحكومة الأمريكية لم تكن لتشارك في حملة أدت لمئات الضحايا من المدنيين.
ويرى المسؤول السابق في الخارجية والبيت الأبيض ديريك تشوليت أن بوتين كان يريد «شراء وقت للأسد وقد نجح» ولكنه «جعل الوضع في سوريا أسوأ. فعندما تذهب بدون تردد فمن السهل النجاح». ولاحظ تشوليت أن الروس لديهم سجل طويل في مفاجأة الأمريكيين ويعود إلى غزو أفغانستان.
ومع ذلك يرى محللون أن التدخل الروسي المحدود في سوريا كشف عن زيف نقاش الرئيس وهو أن المشاركة العسكرية في سوريا ستقود حتما لتورط طويل فيها.
ويقول تابلر «سوريا ليست بالضرورة منزلقاً خطيراً» فقد أظهر بوتين أنه يمكن التدخل والقصف وإرسال قوات برية والخروج «فقد غيروا الوضع على الأرض وحموا النظام من الانهيار» أي الروس.
كل هذا لا يغير من حقيقة أن الإنسحاب الروسي من سوريا يظل تكتيكياً وأن ميزان الربح والخسارة يقاس حسب المنظار الذي ينظر منه المراقب إلى القرار الروسي.
فبوتين يقول إنه حقق أهدافه ولكن الذين يحاسبونه يرون أنه فشل في مهمته المتعلقة بتدمير تنظيم «الدولة».
ومن هنا كتب سام جونز في صحيفة «فايننشال تايمز» قائلاً إن انسحاب بوتين جاء لتقليل خسائر روسيا. فموسكو وإن نجحت في تغيير معالم المعادلة في سوريا إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها.
وعند مقارنة سوريا بأوكرانيا يقول المحللون الدفاعيون إن ما تحقق يظل متواضعاً. فأوكرانيا هي نزاع مجمد وبدون نهاية حتى الآن. ويشير جونز إلى أن العملية العسكرية الروسية قامت منذ البداية على استعراض العضلات و»المرجلة» والتكتيك وليس على استراتيجية طويلة المدى.
ويرى المحللون العسكريون أن حماية النظام وتأمين «دويلة» اللاذقية هي أقل ما كانت تريد تحقيقه روسيا.
فبحسب الخطة العسكرية كانت روسيا تأمل بدعم تقدم القوات التابعة للنظام حتى الحدود مع تركيا وإحكام السيطرة بشكل كامل على مدينة حلب وبالتالي دفع الولايات المتحدة إلى القبول وبطريقة براغماتية بالأمر الواقع، أي التعاون مع روسيا في الحرب ضد تنظيم «الدولة».
ولم تستطع روسيا تحقيق هذا الهدف بسبب المقاومة الشرسة التي أبدتها المعارضة والمواجهة مع تركيا بعد إسقاط الأخيرة للطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 وتمدد الجيش الإيراني فوق طاقتهم وانهيار أسعار النفط العالمية وكلها حدت من طموحات العملية العسكرية.
ويقول إن محاولة روسيا هندسة تغيير في سوريا بالتعاون مع مدير المخابرات السورية فشلت. ولم يترك الأسد للروس إلا خيار زيادة الدعم العسكري.
وجود عسكري
ويعتقد جونز أن الوجود العسكري الروسي في سوريا لن يتغير بإعلان بوتين. وينقل عن محلل الشؤون الروسية في «أي إتش أس جينز» أليكس كوتشاروف قوله إن تجربة أوكرانيا أظهرت أن ما يقوله بوتين غير الذي يفعله.
ويعتقد كوتشاروف أن الإعلان عن سحب القوات يبدو قراراً سياسيا ًيريد من ورائه تحقيق أهداف معينة «ولا أعتقد أن روسيا ستنهي خيارها العسكري في سوريا».
ففي ذرورة التدخل العسكري أرسلت موسكو 40 طائرة مقاتلة سريعة: 8 طائرات هجومية من نوع سوخوي 34 و 12 مقاتلة دفاعية من نوع سوخوي24 و12 سوخوي25 للهجمات البرية و4 سوخوي30 و4 سوخوي 35 .
ورغم عودة الدفعة الثانية من الطائرات إلى بلادها إلا أن موسكو كانت واضحة من أنها ستواصل إدارة قاعدة حميميم.
وبحسب مسؤول عسكري في الناتو فالنظام السوري في حاجة لعدد قليل من الطائرات الروسية لتأمين المناطق التي استعادها، بالإضافة للقاعدة البحرية في طرطوس التي توصف بأنها «اسطول البحر المتوسط».
وأهم من كل هذا النظام الدفاعي أس400 الذي نشر لاستخدامه على المدى البعيد هو مفتاح الوجود الروسي في سوريا.
أهداف
وعليه فما حققه بوتين أو لم يحققه هو جزء من «المهمة المحدودة» والمؤطرة بإطار زمني. و كما كتب المعلق الروسي سيرغي سروكان في صحيفة «كوميرستان» فقد حقق بوتين ما يريد من ناحية تأمين موقع الأسد وحجز مقعد لموسكو في محادثات جنيف. وأضاف أن لبوتين أجندة كبيرة ولا تحتاج لحرب طويلة ضد الجهاديين في صحراء سوريا «فهو يريد إعادة العلاقات مع الغرب وبناء على شروط روسيا وإنهاء العقوبات ووضع روسيا من جديد في مركز الشؤون العالمية». ويعترف المعلقون الروس إن الحملة حققت أهدافها وفي الوقت نفسه لن تتخلى عن القاعدة العسكرية والجوية في سوريا حسب قول أندريه كليموف، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الروسي.
ويمكن تلخيص هذه الأهداف في منع الغرب تغيير النظام بالقوة في سوريا وإظهار أن روسيا هي الحليف الذي يمكن لحكام المنطقة الاعتماد عليه والوثوق به بدلا من أمريكا التي تخلت عن حلفائها مثل حسني مبارك بسهولة.
وإعادة دور روسيا كلاعب مهم في الشرق الأوسط والذي كانت تتمتع به أثناء الحرب الباردة وفك العزلة التي فرضها الغرب على موسكو بعد التدخل في أوكرانيا وحرف الإنتباه عن هذه المشكلة ودفع الغرب لتخفيف العقوبات التي فرضت عليها واستعراض الجيل الجديد من الأسلحة الروسية الجديدة وفعاليتها في الحرب.
أما أهم إنجاز فهو إحياء الحوار الأمريكي- الروسي. وكتب فلاديمير فرولوف، الخبير في الشؤون الدولية في موقع سلون. أر يو إن «استئناف الحوار الروسي- الأمريكي وخروجه من العدم هو أعظم إنجار سياسي للعملية».
ضغوط على الأسد
ويتوقع محللون ان تؤدي الإنجازات التي حققها بوتين إلى زيادة الضغط على الرئيس الأسد للقبول بتسوية سياسية والتنحي عن السلطة لاحقاً. وبحسب أليكسي مكاركين، مدير معهد السياسة التكنولوجية في موسكو «لا تريد روسيا القتال من أجل الأسد». و«لو استمرت روسيا في القتال لأصبحت أكثر اعتماداً على الأسد ولتصادمت مع بقية اللاعبين». ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن كليف كوبتشان، مدير مجموعة «يوريشيا» إن القرار هو «طلقة في سهم الأسد وليس فوق سهمه وهي طريقة بوتين في القول إن الأمر يعود إليك».
وفسر الكثير من الدبلوماسيين قرار الخروج بأنه محاولة للتخلي عن الأسد مع أن حكومة الأخير أصرت على أن القرار اتخذ بالتشاور معها. ونقلت صحيفة «إندبندنت» البريطانية عن دبلوماسي قوله إن بوتين ليست لديه مشكلة في التخلي عن الأسد طالما أكد على وجود استمرارية في حزب البعث بشكل يحفظ مصالح الغرب. وقال « نفهم أن بوتين ليس مرتبطاً بشكل لا ينفصل عن الأسد» و»يعرف الروس إنه (الأسد) قوة لا تساعد على الاستقرار. ولن يبقى في حالة التوصل لحل سلمي». لكن لا يعرف إن كان الأسد سيظهر استعداداً في المفاوصات الجارية خاصة بعد خسارته الراعي له. وفي السياق نفسه نقلت صحيفة «الغارديان» عن دبلوماسي أوروبي بارز قوله «يمكن للأسد أن يشكل الدستور ولكن الروس يعرفون أن لا خيار امامه إلا التنحي وإلا لظهرت حالة من انسداد الأفق».
وأضاف ان الروس عززوا من موقع الأسد حتى يكون قادراً على المشاركة في محادثات جنيف في حالة توازن ولكنهم يريدون لهذه الحرب أن تنتهي».
وقد يعود الأسد للأطراف التي دعمته منذ البداية مثل إيران وحزب الله وهما ليستا معنيتان بالحل السلمي الذي سيؤدي لاستبدال نظام الأسد العلوي بحكومة ممثلة للسوريين.
نهاية اللعبة
وسواء استجاب الأسد للمطالب الروسية وأبدى مرونة في الماوضات، فالتحرك الذي قام به بوتين هو تعبير عن «زئبقية» في التعامل كما يقول ديفيد غاردنر في «فايننشال تايمز». صحيح أن الرئيس الروسي أنجز ما يريده إلا أنه قام وعبر «الصدمة والترويع» بضرب المعارضة السورية واستخدام المفاوضات كغطاء دمر من خلاله أي طرف ثالث يمكن أن يكون بديلاً عن الأسد أو تنظيم «الدولة».
وهو ما كشف عن عجز الغرب عن خدمة المعارضة السنية التي دعمتها الولايات المتحدة وتركيا والسعودية. ومع تقدم النظام في مناطق جديدة وبدعم من الطيران الروسي هرب مئات الألوف من اللاجئين السوريين باتجاه الحدود مع سوريا. واتهم الكاتب بوتين بخلقه أزمة اللاجئين ومفاقمة مشاكل الدول الأوروبية وزيادة الإستقطاب.
وقال غاردنر إن بوتين أسهم في تقسيم سوريا من خلال بناء دويلة للأسد وزاد من المشاكل عبر توسيع الدعم للميليشيات الكردية التي تتلقى دعماً من الولايات المتحدة.
ويرى غاردنر أن المنظور في سوريا لا يزال قاتماً. مع أن بوتين قد يتوصل إلى نتيجة وهي أن الأسد ليس له مستقبل على المدى البعيد خاصة بعد الجرائم التي ارتكبها نظام الأقلية الذي يحكمه جرائم ضد السنة.
فلماذا إذاً يثير غضب السنة في الشرق الأوسط وداخل حدوده. ويجب أن تخشى روسيا أكثر من عودة المقاتلين الروس الذين قاتلوا إلى جانب تنظيم «الدولة». وربما توصلت إيران للنتيجة نفسها خاصة أن دعمها للأسد قد يؤثر على جهودها لكي تكون قوة إقليمية مقبولة من الدول السنية. والتقى الوزراء الروس والإيرانيون في الشهر الماضي مرات عدة. كل هذا مجرد افتراضات ولا يعرف حدود اللعبة ونهايتها إلا بوتين الذي يحب المفاجآت.
والسؤال هل انتصر بوتين؟ ترد «الغارديان» بلا فهو وإن أحرز نقطة جيوسياسية للكرملين إلا أنها جاءت على حساب أرواح آلاف السوريين.
ولم تفت المفارقة رسام كاريكاتير «التايمز» الذي صور بوتين وهو يقود سفينة محملة باللاجئين متجهة ربما لأوروبا وساريتها مكتوب عليها «المهمة أنجزت».
إبراهيم درويش