جنيف – من محمد حنون: كان فوز الصورة الصحافية «أمل لحياة جديدة» منذ أيام قليلة للفوتوغرافي الأسترالي وارين ريتشاردسون (48 عاما) المقيم حاليا في هنغاريا، بلقب «صورة العام» في مسابقة مؤسسة صورة الصحافة العالمية الهولندية، كان فيه إعادة اعتبار للتصوير الفوتوغرافي بشكله البسيط والتقليدي (الكلاسيكي) بعيدا عن هوس التنقيح الرقمي للصور الفوتوغرافية، الذي يبعد الصورة في كثير من الحالات عن شكلها الواقعي. وكان كذلك في فوز هذه الصورة إعادة اعتبار لأحد أهم عناصر الصورة الصحافية، وهو عنصر تأدية الغرض الوظيفي الإخباري؛ حتى إن غابت عناصر أخرى مثل الإضاءة المثالية والوضوح والثبات. فعلى الرغم من أن الصورة فيها الكثير من الغباش البؤري والحُبَيْبِي، والكثير من الاهتزاز اللذين نتجا عن استخدام حساسية عالية في التصوير، وعن بطء سرعة الغالق، وذلك ليتم التقاط أكبر كم من الضوء، حيث أن العتمة طغت على المشهد، إلا أنها كانت أنجح الصور، ما جعلها جديرة بهذا اللقب، الذي تنافس عليه آلاف المصورين حول العالم.
وبغض النظر عما ذكر أعلاه حول الصورة، وهو ما قد يعتبره البعض إخفاقات فنية وتقنية في إطار المعايير الضيقة والسطحية – التي للأسف غالبا ما تمارس في أوساط المسابقات العربية – إلا أن نجاح اللقطة كان يُعزى لعدة أسباب من أهمها ندرة الصورة؛ فَلَمْ يكن سوى المصور ريتشاردسون موجودا في تلك اللحظة، حيث قام بتوثيق ما هو مخف عن الأعين وغير معلن أو متاح، وهي لحظة قيام أب سوري لاجئ بتهريب طفله الرضيع من خلال الأسلاك الشائكة ما بين هنغاريا وصربيا.
أما الأسباب الأخرى التي ساهمت في فوز هذه الصورة، هي أن تصوير هذه الصورة عند الثالثة بعد منتصف الليل ومن دون استخدام أي مصدر ضوء صناعي، كان تحديا للمصور ريتشاردسون، حيث كان المصدر الوحيد للضوء وقتئذ هو ضوء القمر. حين يُنظر للصورة ستبدو للوهلة الأولى وكأنها حبر أسود على ورق لصورة تم نسخها بشكل رديء على آلة النسخ الضوئي، ولكن ظروف تصويرها جعلتها تخرج بهذه المواصفات، إذ يقول المصور ريتشاردسون «كنت مجبرا على التقاط الصورة بلا استخدام للضوء الإلكتروني حتى لا يكتشف رجال الأمن الصربي والهنغاري مكان عبور اللاجئين من خلال الأسلاك الشائكة، فلم يكن أمامي إلا أن أصورها معتمدا على ضوء القمر فقط».
عند النظر إلى الصورة فإنها تترك داخل المتلقي ما يثير الأسئلة، لما تحمله من زخم في العمق والغموض، ناهيك عن المفردات البصرية المكثفة؛ إذ تَحَوَّلَ ما كان من الناحية التقنية أمرا اضطراريا – قام المصور باللجوء إليه بسبب ظروف التصوير غير المواتية – إلى روافع بصرية مشهدية فنية، كبروز الأسلاك الشائكة في العتمة وغباش ملامح البشر في الصورة كالطفل الذي يظهر هادئا تماما، وكأنه تم اختيار وقت نوم الطفل حتى لا يفتضح أمرهم، وكالرجل الذي بدا على وجهه الترقب والخوف تحت وطأة العتمة، فيما تمتد يده لتناول الطفل.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تظهر صورا صحافية على هذه الشاكلة إلا أنها تثير اهتماما عالميا في أوساط الفوتوغراف وتترك أثرا قويا. ففي اللحظة الأولى التي رأيت فيها صورة ريتشاردسون الفائزة بصورة عام 2015، قفز إلى ذهني بعض هذه الصور، ومن أهمها الصور الأيقونية للمصور الصحافي الهنغاري روبرت كابا، أثناء إنزال الحلفاء على شواطئ النورماندي عام 1944 خلال الحرب العالمية الثانية، حيث التقط كابا مجموعة صور للإنزال الذي بدأ ليلا وحتى ساعات الفجر الأولى.
حَمَلَتْ صور» كابا « ذات الخصائص المضطربة، ومع ذلك اعتبرت صوره من أهم الصور الصحافية التي التقطت في تاريخ الفوتوغراف الصحافي، كونها صورت في ظروف صعبة، فحملت الكثير من الغباش والاهتزاز، إلا أنها قامت بتأدية غرضها الوظيفي الصحافي بعيدا عن شكلها النهائي. أطلق على هذه الصور «الروائع الـ 11» لقوتها من الناحية الصحافية وندرتها، حيث لم يكن في الإنزال الأولي على شاطئ النورماندي غير روبرت كابا، وكذلك لأنها نجت بأعجوبة من خطأ تقني مخبري أثناء تحميض الفيلم في لندن، كاد أن يحرقها جميعا، فقد تدمرت كل الصور في الشريحة السلبية (النيجاتيف) إلا هذه الـ11 صورة!
كانت صور كابا، كما هي صورة ريتشاردسون، قد حققت غرضها الوظيفي، ما جعل لشكلها النهائي المضطرب تقنيا قيمة جمالية بصرية، استحواذية التأثير، ناهيك عن أن صورة ريتشاردسون كانت قد التقطت أيضا بالأبيض والأسود.
يقول روبرت كابا «إذا لم تكن صورتك جيدة بما يكفي .. فهذا يعني أنك لم تكن قريبا من المشهد بما يكفي»، وبذلك يكون ريتشاردسون قد تمكن من التقاط صورة ناجحة وأكثر من جيدة، لأنه كان قريبا جدا حد الالتصاق بالمشهد، وإن كانت النتيجة صورة مغبشة ومهزوزة ومعتمة، إلا أنها أعادت الاعتبار لكلاسيكية الفوتوغراف الصحافي.