قرأت لإحدى الكاتبات يوما تنقد كل من يريد صفاء اللغة العربية:
* (وما قيمة رجل دَرِب اللسان في العربية، وهو يجهل أسماء عواصم دول مهمة في الجغرافية، فضلا عن جهله ببعض مصطلحات ما بعد الحداثة، أو تبدد كوى في ذهنه المركب أو عقليته المتزامتة؟).
من العجيب أن هؤلاء يجدون في أنفسهم القدرة على مصاولة الحقيقة والتطاول على ما لا يدركون ولا يعرفون، ولكن صدق المثل القائل: الناس أعداء ما جهلوا.
لا أدري لماذا يراد لنا أن نتحدث كما كانت الجواري يتحدثن (حيث لسانهن ما بين الفارسي والتركي والحبشي وغير ذلك)؟ ولا أدري لماذا يعتبرونك بلا قيمة (حسب تعبيرها) إذا حرصت على أن تعتني بلغتك كما تفعل الأمم الحيّة ! أو يعتبرون قيمتك مرهونة بمعرفة (أسماء عواصم مهمة في الجغرافية) وبعض مصطلحات ما بعد الحداثة.
ولكن، الحمد لله أنها لم تطلب من (الرجل) كي يكون (له قيمة) أن يعرف (أسماء عواصم مهمة في التاريخ أو الفيزياء أو في علم الفلك). لأنّها قالت (أسماء عواصم مهمة في الجغرافية) فإن قولها (في الجغرافية) يعنِي وجود عواصم في التاريخ والكيمياء والفلك وغيرها، وإلا فلماذا ذكرت ذلك التحديد (في الجغرافية)؟
كما أحمد الله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه أنها لم تطالب بمعرفة (جميع) مصطلحات ما بعد الحداثة، وذلك تواضع منها نشكرها عليه، نحن الذين لم تتفتح في (أذهاننا كوى) نطل منها على عالم الحداثة وما بعدها. وها نحن مقتنعون بعقليتنا (المتزامتة)!!
من العجيب أن تأتي الكاتبة المفضالة تبحث عن رجل بلا (كوى في عقليته المتزامتة) من أجل أن تعرّفنا بأنّ اللغة لا قيمة لها، بل المهم معرفة عواصم (دول مهمة في الجغرافية) والأهم معرفة (بعض) مصطلحات ما بعد الحداثة. ولعلمها أن الحداثة وما بعدها أهيل عليها تراب المقبرة منذ عقود كما سبق أن أهيل على غيرها لأنها (La Mod) تظهر وتختفي بلا ثبات ولا خلود .
(ملاحظة: ذكرت اللفظ الفرنسي موجها للكاتبة خاصة لا لعموم القراء).
ولنترك كل هذا إلى لغة السطرين اللذين أخذناهما مما كتبت. فما معنَى (دَرِب اللسان)؟ وما معنَى (المتزامتة)؟
فأمّا عن (دَرِب اللسان) فربما تصورت الكاتبة أنّه مأخوذ من التدريب؟ فكما يتدرب المرء على استعمال السلاح يتدرب اللسان على اللغة وبالتالي فهو دَرِبٌ وهي دَرِبَةٌ؟
وفاتها أنْ تعرف أنّ هذا الاستعمال لا أصل له، والصحيح (ذَرِب اللسان) بالذال المنقوطة، لا بالدال المهملة. فالذّرِب: الحادّ من كل شيء. ولسانٌ ذَرِبٌ: حديد الطرف. وفيه ذَرابة، أي: حدّة. وذَرَبُهُ: حِدّته. ومنه، أيضا: رمح ذَرِبٌ: حادّ يقطع ما أصابه. وامرأة ذَرِبة: سليطة اللسان صخّابة، وقانا الله من سلاطتها وصخبها.
وأما (المتزامتة) فأمرها عجيب. وتعال معي:
مصطلح المتزمّت، يستعمل اليوم استعمالا جديدا لم يكن في معانيه الأصيلة، حيث يوصف به العنيد المتشدّد. أما في أصل الوضع اللغوي فهو الوقور الرزين الذي لا يتدخل فيما لا يعنيه والذي يحافظ على احترام الناس له ويبتعد عن كل ما يسيء إليه وإلى الآخرين
وإذا قبلنا المعنَى الجديد للفظ باعتباره المعنَى الذي شاع وانتشر، فإن لفظة (المتزامتة) من غريب الاستعمال الذي يذكرني بحادثة تاريخية لطيفة. حيث يقال أنّ أحد الرواة أنشد ابن عباس أبياتا من الشعر فيها لفظ غريب مثل هذا، فسأله ابن عباس عن معناه، فأجابه إنّه من الغريب اللغوي الذي لم يصل إليك، فقال له ابن عباس: يا ابن أخي لا خير لك في غريب لم يصل إليّ.
والظاهر أن كاتبتنا العزيزة تصورت (المتزامتة) تعنِي (المتزمتة) الدالة على هذا المعنَى الشائع اليوم على الرغم من عدم تقبل اللغة للتزامت والمتزامت. ثم أنظر إلى (أو تُبَدّد) فهل لها معنَى؟! فمن هي التي تبدد؟ وماذا تبدد؟
ولكن ليس المهم أن يكون الاستعمال صحيحا، فالمهم أن تعرف أن بكين عاصمة غواتيمالا!
باحث وأستاذ جامعي عراقي ـ لندن
هادي حسن حمودي