محطات في حياة جورج طرابيشي

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: رحل في فرنسا المفكر السوري جورج طرابيشي (77 عاما)، الذي يعد من أهم الوجوه المؤثرة في الحياة الثقافية العربية خلال العقود الماضية، حيث خاض فيها سجالات إشكالية عديدة، كان من أبرزها وأكثرها تعريفا، مشروعه الضخم الذي انكب من خلاله على التدقيق في كل شاهد من شواهد مشروع المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري «نقد العقل العربي» الذي خصصه الأخير لإعادة قراءة التراث الأخلاقي والسياسي الإسلامي.
وقد أصدر طرابيشي في هذا السياق خمسة مجلدات في «نقد نقد العقل العربي» وكان آخرها الجزء الخامس «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث». وكان طرابيشي قد كتب في مقاله الأخير «ست محطات في حياتي» سردا أشبه ما يكون بسيرة ذاتية، للتحولات التي شهدتها حياته، والتي كان لها دور حاسم في كل ما كتبه وترجمه.
تمثلت المحطة الأولى في المرحلة الأعدادية، عندما أدرك طرابيشي أن الله الذي حدثه عنه الكاهن، والذي لا ينجيه من عذابات النار بسبب اشتهائه لجاراته الإيطاليات في مدينة حلب، لا يمكن أن يكون موجودا، ولذلك كف من يومها أن يكون مسيحيا.
المحطة الثانية كانت في الثانوية، عندما أصر على حضور درس للتربية الدينية الإسلامية، وقد حضره يومها عند شيخ كتب على اللوح بالطبشور «كل من هو ليس بمسلم فهو عدو للإسلام». ابتداء من تلك اللحظة يقول طرابيشي «وعيتُ أن مهمّة كبيرة جدّاً لا تزال تنتظرنا في مجتمعاتنا، وأن القضية ليست قضية تغيير سياسة ولا وزارة، بل هي أولاً وربما أخيراً قضية تغيير على صعيد العقليات».
المحطّة الثالثة في حياته تمثلت بحادثة مماثلة، ولكن هذه المرة مع رفاق حزبيين مسيحيين من أبناء حوران في سورية. يومها دخل طرابيشي السجن كمعارض سياسي. وفي أحد النقاشات بينه وبين هؤلاء السجناء جاء حديث الشرف الجنسي الذي يقضي بوجوب قتل المرأة، إذا أقامت علاقة جنسية غير مشروعة، سواء كانت مسيحية أو مسلمة، وخلال الحديث قال لهم «أنا أرفض مبدأ جريمة الشرف من أساسه، وهذا موقف لا أستطيع احتماله إطلاقا من قبل إنسان يزعم نفسه تقدميا أو اشتراكيا او بعثيا». عندها أخذ الرفاق قرارا بمقاطعته وبعدم الكلام معه. من يومها يقول طرابيشي «تعلمت درسا جديدا وهو أن القضية ليست قضية مسلمين وغير مسلمين، مسيحيين وغير مسيحيين، حتى لو كانوا ينتمون إلى أيديولوجيا واحدة. فالقضية أعمق من ذلك بكثير. قضية تغيير البنية الداخلية للعقل، وليس فقط البنية السطحية السياسية أو الأيديولوجية».
أما المحطة الرابعة، فجاءت عبر ترجمة ثلاثين كتابا لفرويد من الفرنسية. وهو ما دعا طرابيشي إلى أن يقر بأن «المترجم يبقى خائنا» للنص، ولكنه كان خيارا لا بد منه «لأنه لا يوجد في الثقافة العربية، التي تهيمن عليها نتيجة الاستعمار السابق اللغتان الفرنسية والإنكليزية، من يتقن الترجمة عن الألمانية سوى قلة قليلة للغاية. ولو لم أترجم فرويد أو لم يترجمه غيري، سواء عن الفرنسية أو الإنكليزية لبقيت الثقافة العربيّة بدون فرويد وبدون تحليل نفسي، وهذا شيء غير مقبول».
المحطة الخامسة والمحورية في حياة طرابيشي تتعلق بعلاقته بالراحل محمد عابد الجابري، الذي كرس لدراسته ونقده ربع قرن من عمره، حيث يقول طرابيشي في هذا السياق: «إنني لمّا قرأت هذه الرسالة (إخوان الصفا) أصبت بصدمة كبــيرة وبطعنة في كبريائي كمثقف، ومن ذلك اليوم لم أعد أوجّه لومي إلى الجابري، بل إلى نفسي، لأنّني حكمت على كتاب في موضوع لم أكن أملك كلّ مفاتيحه المعرفية. وهكذا انكببت علــى قراءة كتب التراث وعلــــى مطالعة عشرات وعشرات المراجع الّتي ذكرها الجابري»..
أما المحطة السادسة والأخيرة، فيصفها طرابيشي بأنها محطة التوقف والصمت والشلل التام عن الكتابة، التي بدت له بمثابة موت. ولكنه على حد تعبيره «يبقى موتاً صغيراً على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن». وهذا ما ظهر من خلال كتابة طرابيشي لمقالين اثنين فقط منذ عام 2011 وهو العام الذي شهد اندلاع الثورة السورية، حيث توصل طرابيشي في هذين المقالين إلى نتيجة مفادها «الربيع العربي لم يفتح من أبواب أخرى غير أبواب الجحيم والردّة إلى ما قبل الحداثة المأمولة»، وهو ما أثار حفيظة شرائح واسعة من النخب الثقافية السورية والعربية.
يذكر أن طرابيشي هو من مواليد مدينة حلب عام 1939، يحمل إجازة باللغة العربية، كما أنه حاصل على درجة الماجستير في التربية من جامعة دمشق.
عمل طرابيشي مديرا لإذاعة دمشق (1963-1964) ورئيسا لتحرير مجلة «دراسات عربية» (1972-1984)، ومحررا رئيسيا لمجلة «الوحدة» (1984-1989).

من أهم أعماله:
«من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث»، دار الساقي، 2011.
«المعجزة أو سبات العقل في الإسلام»، دار الساقي، 2011.
«هرطقات 1: عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية». دار الساقي، 2011.
«هرطقات 2: العلمانية كإشكالية إسلامية- إسلامية»، دار الساقي،2011.
«نظرية العقل: نقد نقد العقل العربي» (ج1)، الطبعة الرابعة، دار الساقي ،2011.
«إشكاليات العقل العربي: نقد نقد العقل العربي» (ج2) الطبعة الرابعة ، دار الساقي،2011.
«وحدة العقل العربي: نقد نقد العقل العربي» (ج3) ، الطبعة الرابعة دار الساقي،2010. 
«العقل المستقيل في الإسلام: نقد نقد العقل العربي» (ج4)، الطبعة الرابعة، دار الساقي 2011
«من النهضة إلى الردّة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة»، دار الساقي، طبعة ثانية، 2009
«المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي»، دار الريس، 1991.
«الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية»، دار الطليعة، 1988.
«عقدة أوديب في الرواية العربية»، دار الطليعة،1987.
«الاستراتيجية الطبقية للثورة»، دار الطليعة 1970.
«الماركسية والمسألة القومية»، دار الآداب ، 1963.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية