امتدحوا الوقت، وقالوا إنه كالسيف إن لم تقطعه قطعك. وبناء عليه، يبدو أننا قُطّعنا إربا إربا منذ عهد الأزلية، ما دمنا لا نعطي قيمة للوقت. وليس هناك من سيف بتار ينزل على رقابنا أكثر من النقل التلفزيوني المباشر لجلسات البرلمان المغربي. فعلى امتداد حوالي ثلاث ساعات، نعيش ـ نحن المشاهدين ـ لحظات أقرب إلى العبث: برلمانيون يتهجّون أسئلة كتبها لهم غيرهم، تهجّي تلميذ سنوات الابتدائي الأولى، ووزراء يردّون عليهم بأجوبة لا ترفع غباوة وتزيل غشاوة.
والسائل والمجيب يتحدثان بأقل ما يمكن من الحماس، كما لو أنهما يؤديان عبئا ثقيلا. وبين الحين والآخر، تُرفع أياد مطالبة بـ «نقطة نظام». ورئيس الجلسة يضرب بمطرقته على الطاولة، داعيا هذا أو ذاك للاختصار بعدما تجاوز الوقت المبيّن في السبورة الإلكترونية. أما الميكروفونات التي كلف اقتناؤها غاليا، فتشكو حالها للتقنيين بسبب «تعويجها» و»ضربها» من لدن العديد من السادة النواب والمستشارين.
ومن ثم، يبدو أن الكثير منهم بحاجة أولا للعودة إلى كراسات المرحوم بوكماخ التي كانت تحمل عنوان «اقرأ». وهم، ثانيا، بحاجة لدروس إضافية في مسرح محمد الخامس (غير البعيد عن قبة البرلمان) حول فن الإلقاء والخطابة. (ويُنصح بتلقي الدروس نهارا، حتى لا تطردهم الكائنات الليلية الخفية من القاعة). وثالثا، يحتاجون للاحتكاك بعبد الوهاب الدكالي وعبد الهادي بلخياط، لا ليتعلموا منهما الغناء، ولكن فقط ليتدربوا بواسطتهما على كيفية استعمال الميكروفون.
الثلاثاء والأربعاء من كل أسبوع، هما يوما محنة للمشاهدين المساكين، ويوما امتحان لمستوى النقاش السياسي في المغرب. والنتيجة تعرفونها بدون شك: أصفار للعديد من ممثلي الشعب الذين لا يحسنون التعبير عن قضايا الناس. ومثلها لعدد من أهل الحل والعقد الذين يتحدثون بلغة خشبية لا تسمن ولا تغني من جوع، ويملأون كلامهم بالتسويف والوعود التي لن تتحقق إلا بمجيء السيد غودو.
وقد كان العاهل الراحل الحسن الثاني على حق ـ وهو الذي اشتهر بالكثير من الحِكم ـ حينما وصف البرلمان بالسيرك، مطالبا أعضاءه بالارتقاء في أساليب عملهم والنضج في معالجة القضايا الكبرى والابتعاد عن المهاترات.
غير أن السيرك الحقيقي يكون ذا فرجة ممتعة ومبهرة في الغالب. أما السيرك الذي تحدث عنه الملك العبقري فلا يحتوي سوى على فرجات مملة جدا، اللهم إلا بعض «النمرات» التي يؤديها بعض الممثلين المهرة ـ أقصد ممثلي الشعب ـ بإتقان. (ولست هنا بصدد المزاح، فالموضوعية تقتضي عدم التعميم، فهناك برلمانيون يشتغلون بجدية، ولكنهم يشكلون الاستثناء الذي لا يلغي القاعدة).
الأدهى والأمر ما تفضحه كاميرا التلفزيون: قاعة البرلمان شبه فارغة، وأكثر من ثلثي النواب أو المستشارين غائبون طول السنة التشريعية. وفيمَ يفيد الحضور ما دام الراتب المحترم يسلك طريقه آمنا كل شهر من خزينة الدولة نحو الحساب البنكي للسيد البرلماني المحترم؟ وما دام التقاعد مضمونا والحصانة مكفولة أيضا؟
يوم واحد فقط يكلف فيه كل نائب وكل مستشار نفسه عناء التوجه نحو القبة، ويكون ملزما بارتداء اللباس التقليدي، أي عند افتتاح السنة التشريعية من لدن الملك.
هنا، فقط، يعد الحضور إجباريا، أما في باقي أيام السنة فليس ثمة حسيب أو رقيب، والضمير الجمْعي يتمتع بإجازة مفتوحة. وأكثر من برلماني لا يحضر إلا عندما يكون له موعد مع طرح سؤال على أحد الوزراء. إنها فرصة العمر «للتبوريدة» (الفروسية) و»الدرديك» (التباهي) ـ من خلال شاشة التلفزيون ـ أمام أبناء المدينة أو القرية، طمعا في أصواتهم خلال الانتخابات القادمة.
قل لأصحاب التلفزيون يغضون الطرف عنا
قال أحدهم لوزير الاتصال (الإعلام) ما معناه: يا أخي، قل لأصحاب التلفزيون يغضون الطرف عنا قليلا، فهم لا يحلو لهم التصوير إلا عندما يكون البرلمان خاويا. فأجابه الوزير مبتسما: تلك ليست كاميرات التلفزيون، ولكنها تابعة للبرلمان ومثبتة فيه!
وثالثة الأثافي التي تفضحها الكاميرا كذلك، أنه بينما يكون واحد من رواد القبة ، برلمانيا كان أم وزيرا، يتحدث أمام الملأ، يظهر العديد من الجالسين على المقاعد الوثيرة منشغلين بأشياء أخرى: فهذا غارق في حديث جانبي مع زميله، وكأن ما يدور أمامه لا يعنيه في شيء أو كأنه لم يجد الوقت للكلام الشخصي إلا في وقت البث التلفزيوني المباشر. وآخر يتأمل ساعته اليدوية ولسان حاله يقول: ما أثقل الوقت! ليته ينقضي بسرعة، لأنصرف إلى ما هو أهم.
وعلى عادة زوار أضرحة السادة والأولياء والشرفاء، لا يحلو لبعض المستشارين والبرلمانيين النوم سوى تحت قبة سيدنا البرلمان. بعضهم يقاوم ذلك بالتثاؤب والتظاهر بمراجعة أوراق ما، والبعض الآخر ينسى أن الكاميرات ـ كاميرا التلفزة أو التصوير الفوتوغرافي ـ تصطاد أحيانا مثل هذه الفرص، لتقدمها هدية للمواطنين، وهي تردد نصائح الشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي:
يا قوم لا تتكلموا إن الكلام محرم
ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم
ألم يقل الأعراب: «النوم غدار». ولكن، من المغدور به حقا؟
ليست هناك حاجة لقناة خاصة بالبرلمان
التقطت عدسة مصور صحافي وزيرة وهي تجيب على سؤال شفوي لأحد النواب والكراسي فارغة من السادة النواب المحترمين الذين أضربوا عن الحضور، ودخلوا في معارك نضالية ـ على حد تعبير الصحيفة المذكورة ـ من أجل الرفع من رواتبهم، وهو حلم تحقق، ثم صاروا يناضلون من أجل رفع معاشاتهم إلى أن تحقق لهم هذا الحلم أيضا. واستغرب المصدر كيف أنه مقابل هذه النعم التي أسبغت على «نواب الأمة» يرفض مكتبا البرلمان بغرفتيه تطبيق مقتضيات القانون الداخلي والاقتطاع من أجرة البرلمانيين الذين يتغيبون بدون عذر عن جلسات الأسئلة الشفوية.
في هذا الغياب يشترك اليمين مع اليسار، المعارضة مع الأغلبية، الليبراليون مع الاشتراكيين. وحدهم، برلمانيون قلائل من يحرصون على مواظبة الحضور، ويحاسبون أنفسهم في ما بينهم ـ قبل أن يحاسبهم الشعب أو الدولة ـ في حالة الغياب.
الطريف في الأمر أنه يُتداول حاليا مشروع إنشاء قناة خاصة بالبرلمان. رجاءً، لا تكلفوا ميزانية الدولة أعباء إضافية، فالسادة البرلمانيون مستعدون لكي يدفعوا من رواتبهم مصاريف بناء تلك القناة وتجهيزها وتكاليف بثها. أما هل سيشاهدها الناس أم لا؟ فهذا الأمر مرهون بشرط واحد: أن يتكفل كل برلماني بتخصيص مكافآت مالية لكل الناخبين التابعين لدائرته، تحفيزا لهم على مشاهدة وجهه الكريم حين يتوجه إلى البرلمان، ويطرح سؤالا علي الحكومة الموقرة!
كاتب وإعلامي من المغرب
الطاهر الطويل