مشروع ‫«‬الوطن العربي الكبير‫»‬ لمواجهة مشروع ‫«‬الشرق الصهيوني الجديد‫»!‬

عقَّب قراء على ما جاء في مقال الأسبوع الماضي ‫..‬ ومنهم من تولى تغليب النظرة المذهبية والطائفية والعشائرية واعتمدها أساسا لتحديد موقف من رأي مخالف؛ حتى وإن كان اجتهادا في قول كلمة جامعة، والتزاما بمعايير مبدئية واستراتيجية تنحاز لقضايا الأمة‫،‬ وفي القلب منها قضية تحرير فلسطين والانطلاق من مشتركات جامعة لقوى الصمود والمقاومة؛ على اختلاف توجهاتها؛ الوطنية والقومية والدينية‫..‬ وهناك من وجد فيما كتبت ‫»نحوا مجهضا‫» على حد ما جاء في تعقيب د‫.‬ طارق الخطيب، وعبر فيه عن حيرته وأساه‫..‬ وسأل عن معنى العروبة ومفهومها لدَيّ‫،‬ وأجد أنه تعقيب جدير بالمناقشة‫.‬
وأشكره على ما كتب وعقب به؛ ممهورا باسمه الصريح، وهذا سبب التقدير والاهتمام، ومناقشة سبب الحيرة والأسى كما جاءت في التعقيب‫!!‬، وقد شعرت أنه صدر عن غير الذين يتعاملون ‫»‬من وراء حجاب‫»، ويرمزون لأنفسهم بأسماء وهمية‫..‬ وقد وطنت نفسي على عدم الإنجرار وراء المتنكرين وذوي الاسماء المستعارة والأشباح، ولا أتعاطى مع عوالم افتراضية أو ‫»‬لهو خفي‫»، كما نقول في مصر، وألصقت به اغتيالات ثوار 25 يناير 2011.‬
وكما يحرص الكاتب على تذييل سطوره باسمه الصريح احتراما للقارئ وتحملا للمسؤولية عن كل كلمة صدرت عنه‫..‬ فعلى المعقب أو صاحب الرأي المخالف أن يعلن عن نفسه على الملأ، وفي ذلك إثراء للأفكار وإضافة مساحات أوسع، وفتح مجالات أرحب أمام حرية التعبير والرأي، واعتقد أن الكتاب وأصحاب الرأي الجادين لا يكترثون كثيرا بتعقيبات وأراء مُجَهَّلة؛ تشيع بين أوساط المنتمين لجماعات ومنظمات وأحزاب وفرق سرية، وعوالم افتراضية على مواقع التواصل الألكتروني والكتائب الألكترونية‫!!.‬
معذرة لهذه الجمل الاعتراضية الضرورية قبل الانتقال إلى مناقشة سؤال العروبة الوارد في التعقيب، ودون الدخول في التفاصيل؛ فإن فهمي لها يقوم على اعتبارها عروة وثقى؛ حضارية وثقافية وتاريخية ولغوية جامعة‫..‬ تتوجه إلى مواطني وأقطار الأمة العربية الممزقة، وهي أمة بحجم ‫قارة؛ ‬تحتل حيزا جغرافيا وسياسيا ممتدا من تخوم إيران شرقا حتى سواحل المحيط الأطلسي ‫(‬بحر الظلمات‫)‬ غربا، وإذا ما قورنت بالقارة الأوروبية فمساحتها هي الأكبر، وأوربا تزيد قليلا عن عشرة ملايين كيلو مترا مربعا؛ مقسمة على 50 دولة، وتصل ‫“‬القارة العربية‫”‬ إلى أربعة عشر مليون كيلو متر مربع؛ يعيش فوقها أكثر من أربعمئة مليون نسمة في 22 مشيخة وإمارة ومملكة وجمهورية‫.‬
وتأتي مساحة القارة العربية في الترتيب الثاني على مستوى العالم؛ بعد الاتحاد الروسي، ويحتل عدد سكانها المستوى الرابع بعد الصين والهند والاتحاد الأوروبي؛ يجمعهم نطاقان جغرافيان؛ الأول يقع في غرب آسيا؛ فيه المستقر على أراضيه المحررة، وبه من فقد أجزاء منها بالاغتصاب والاحتلال والاقتطاع؛ بدءا من اغتصاب فلسطين واقتطاع لواء الإسكندرون‫.‬ بجانب أراضي سورية أخرى منحها الاحتلال الفرنسي لتركيا، وصولا إلى هضبة الجولان المحتلة منذ 1967‫،‬ وهناك عربستان وجزر طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى؛ وتخضع للسلطات الإيرانية‫.‬ والنطاق الثاني يجمع دول شمال وشرق إفريقيا العربية؛ ويضم أجزاء مقتطعة؛ منها جزر الخالدات ‫(‬الكناري‫)‬، وسبتة ومليلية، وصخرة الحسيمة؛ الملحقة بأسبانيا‫.‬
ومن بين أولي الأمر العرب من تنازل بالغرم عن استقلاله، وتقاعس عن استكمال تحرير ترابه الوطني، وأعاد القواعد العسكرية الأجنبية، التي كانت، ووافق على إنشاء قواعد أخرى لم تكن موجودة؛ أمريكية وبريطانية وفرنسية وتركية وروسية‫..‬ بالإضافة إلى مصادرة الأراضي الفلسطينية، والتوسع المستمر في المستوطنات الصهيونية، وزحف الغزاة على العراق وسوريا وليبيا مجددا؛ بعد مرور مئة عام على الحرب العظمى واتفاق سايكس ‫-‬ بيكو‫.‬
والعروبة والانتماء العربي أساس الإيمان بضروة الوحدة العربية‫..‬ وكانت الفترة المصاحبة للحرب العالمية الثانية وما بعدها قد شهدت محاولات عدة لتحقيقها‫..‬ وأنشئت جامعة الدول العربية، وهي المنظمة الإقليمية الأقدم بعد الحرب العالمية الثانية، وسبقت قيام الأمم المتحدة بشهور، وذلك في آذار/مارس 1945، وما زالت غير ملبية للحد الأدنى من الطموحات العربية المشروعة في التضامن والوحدة، وعاجزة عن التعبير عن إرادتهم العامة، وتستثنى من ذلك حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، التي شهدت صحوة صدرت فيها قرارات تضامنية ووحدوية؛ وصلت تجلياتها بقيام الجمهورية العربية المتحدة، من مصر وسوريا، واستمرت لثلاث سنوات ونصف السنة، وفي الستينات انتظم الانعقاد الدوري السنوي للقمم العربية‫..‬ وقد اتخذت قرارات تاريخية كبرى، كانت وراء تشكيل جيش التحرير الفلسطيني، وإقامة منظمة التحرير الفلسطينية، وإعلان القيادة العربية الموحدة، والتصدي لتحويل مجرى نهر الأردن، وبعد هذه الحقبة عادت جامعة الدول العربية إلى ما كانت عليه، وضعف دورها ولم تتمكن من تطوير العمل العربي المشترك، أو التصدي للقضم الدوري لأراضي الدول الأعضاء، ومنذ وصول عمرو موسى إلى موقع الأمين العام مع بداية الألفية الثالثة؛ تحولت الجامعة إلى رديف وظهير لكل غاز وطامع ومعتد‫.‬
وأدى تردي الجامعة وسوء الأوضاع العربية إلى ظهور ‫»مشروع الشرق الأوسط الجديد‫»‬، والأدق أنه ‫»‬مشروع الشرق الصهيوني الجديد‫»!!‬؛ المدعوم من الإدارة الأمريكية؛ تعاونها حكومات غربية تبذل قصارى جهدها لتمكين الحركة الصهيونية من السيطرة على الوطن العربي، ولتغدو تل أبيب النووية مركز قيادته، وتصبح عاصمته الواقعية، وهو المشروع الأخطر؛ المضاد للمستقبل العربي، وقد أفسح‫ شيوخ وأمراء وملوك‬ ورؤساء عرب الطريق أمام هذا المشروع الخطير؛ بتنازلاتهم ونفور من أي طموح وحدوي أو اتحادي مشروع وتفضيل الضعف في ظل التبعية عن القوة تحت رايات الديمقراطية والاستقلال والوحدة‫.‬
وبالمناسبة أستعيد قول العالم الجليل الشهيد جمال حمدان وهو يؤكد على أن‫:‬ «قبول العرب بضياع فلسطين نهائيا سيكون اعترافا بل إعلانا من العرب عن إنهاء وحل العروبة والقومية العربية نهائيا والى الأبد؛ بمعنى أن أمة قررت حل نفسها واعتبار ذاتها ليست أمة تماما، كما أعلن الاتحاد السوفييتي حل نفسه وإنهاء وجوده كدولة»..‬ وهو ما يصفه حمدان بـ‫»‬الانتحار السياسي والقومي»!!
أرجو أن يكون الموقف قد استبان من اعتراضي على تجريم مقاومة حزب الله واعتبارها عملا من أعمال الإرهاب‫!.‬

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية