تفاصيل خطيرة يكشف عنها الدكتور محمد سعودي وكيل نقابة الصيادلة: «القدس العربي» ترصد إزمة كارثية بسبب نقص الأدوية في مصر

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: وصلت أزمة ارتفاع أسعار الدولار في الفترة الأخيرة مقارنة بالجنيه المصري إلى القطاع الأهم وهو سوق الدواء، الذي شهد ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الكثير من الأدوية والمستحضرات الصيدلانية خلال كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير الماضيين. وأصبحت تلك الأزمة تهدد ملايين المرضى الذين يعتمدون على أدوية معينة لم تعد متواجدة في الصيدليات، وعجزت وزارة الصحة عن توفيرها للمواطنين، كإنعكاس للتأثر الذي يعاني منه الاقتصاد المصري بسبب أزمة الدولار التي تواجه مختلف القطاعات المصرية.
واعتبر خبراء صناعة الأدوية أن قرار رفع سعر صرف الدولار بمثابة «كارثة» لسوق الدواء، وسيؤدي إلى زيادة «أزمة النواقص» من الأدوية في الصيدليات.
وقال الدكتور محمد سعودي، وكيل نقابة الصيادلة، لـ»القدس العربي» ان «السبب الرئيسي في نقص الأدوية في الفترة الحالية هو ارتفاع سعر الدولار وبالتالي زيادة تكلفة المنتج على المٌصنع، كما ان 90 ٪ تقريبا من مكونات أي علبة دواء سواء مستوردة أو محلية، مستوردة من الخارج، حتى الحبر الذي يُكتب به مستورد من الخارج. أما السبب الثاني فهو سوء توزيع الأدوية، فنجد ان مافيا أصحاب الصيدليات الكبرى والمسيطرين على سوق الدواء تأتي لهم حصص كبيرة من الأدوية لم يستطع أصحاب الصيدليات الصغيرة ان يتحصلوا على شيء منها. كما تلجأ بعض شركات الأدوية للبيع إلى المخازن بالجملة ونقدا وليس كل الصيادلة تتعاملون مع المخازن».
وأوضح «ان نقص الدواء وخاصة رخيصة الثمن سببه ان الشركات أصبحت غير قادرة على إنتاجها، كما ان هناك بعض الشركات تستغل ذلك لكي تستفيد وتحقق مكاسب غير مشروعة وذلك بالضغط على الحكومة بتنقيص تلك الأصناف».
وأكد «ان ارتفاع سعر الدولار لن يصل في ان يتسبب في إغلاق عدد من مصانع الأدوية، وذلك لأن الشركات الكبيرة تنتج أكثر من 40 منتجا، ولكن المهدد هو الشركات الصغيرة التي تنتج ما بين 5 إلى 10 منتجات. فشركات الأدوية إذا اضطرت إلى ان تعمل ولو بالخسارة سوف تعمل مقابل ألا تُغلق، لأن الحفاظ على استمرار اسم المنتج في السوق له ثمن، فعند اختفاء المنتج من السوق يختفي معه اسم الشركة وينساه الجميع ويتطلب بعد ذلك تكلفة عالية جدا حتى يعمل مرة أخرى، فالتواجد في حد ذاته في السوق هام جدا لشركات الأدوية».
وأضاف «أسهل قرار يمكن اتخاذه لمواجهة تلك الأزمة هو زيادة سعر الأدوية، ولكن زيادة الأسعار لابد وان ترتبط بعدة عوامل، ومنها تحديد الأدوية التي تحتاج بالفعل إلى زيادة وذلك لان بيعها يحقق خسائر ولكن لا نقوم بزيادة أسعار جميع الأدوية في وقت واحد. كما انه لابد من البعد عن زيادة أسعار الأدوية المزمنة حتى ولو لم تحقق الشركة من خلال بيعها مكاسب، لان هذا يعد فرضا اجتماعيا على الشركة، كما لابد من إغلاق أنبوبة الأدوية الجديدة التي يتم طرحها في السوق وهي غير مهمة ولكنها تضغط على الدولار، فلا يصح ان يكون في السوق المصري 14000 صنف دواء لأنه في جميع أسواق العالم عدد الأدوية يتراوح ما بين 3000 إلى 5000 صنف».
وأوضح «ان عدد الأدوية غير المتوافرة في الأسواق متحرك وليس ثابتا ولكنه يزيد يوما بعد يوم، ولكن الإحصاء يشير إلى إنها تقريبا فوق الـ 900 صنف وليس جميعها لأمراض مزمنة بل وغير مزمنة أيضا».
وفي السياق أصدر «المركز المصري للحق في الدواء» بيانا أعلن فيه أن أزمة نقص الأدوية تعاظمت بشكل كبير الأسبوع الماضي، وأن ذلك يشكل خطورة كبيرة على أرواح المرضي وعبئا مضافا على المواطن، حيث رصد أن نحو 800 صنف بالاسم التجاري ناقصة رغم وجود بدائل لها وإن كانت بأسعار مضاعفة أكثر من 200٪ من الثمن الأساسي، كما رصد المركز نحو 188صنف دواء حيويا يشكل خطورة مباشرة على الحياة ليس لها مثيل في السوق مثل حقن «ار اتش» التي تستخدم بعد حالات الولادة، وحقن الصبغات وسيولة الدم ومذيبات الجلطات وأدوية مهمة لمرضى الأورام التي تمكنهم من تكملة العلاج الكيميائي الذي بدأ في التوقف.
وقال الدكتور علي عوف، رئيس الشعبة العامة لتجارة الأدوية في الغرف التجارية لـ»القدس العربي» ان «الأدوية التي يتم إنتاجها محليا يتم استيراد جميع مكوناتها من الخارج بالعملة الصعبة، والمشكلة تكمن في ان الدواء مسعر تسعيرة جبرية، فلو تم تسعيره من 20 عاما مثلا عندما كان الدولار ب 3 جنيه فالآن الدولار وصل إلى 10 جنيهات، فهذا الفارق ادى إلى خسارة العديد من الشركات وذلك لزيادة التكلفة. فالشركات تلجأ إلى أمرين، أما أن تقوم بتقليل إنتجاها أو تتوقف عن الإنتاج، لانه كلما أنتجت تزيد الخسارة، وفي حالة الخسارة فإن الشركة تغلق وتعلن إفلاسها، وصناعة الدواء هي صناعة وطنية وصناعة أمن قومي أي لا يصح أن تغلق المصانع».
وأكد «ان الحل يكمن في انه لابد من زيادة أسعار الدواء الخاسر بنسبة عادلة تتوافق مع ارتفاع سعر الدولار على مدار السنوات الماضية، بحيث لا يأتي على حساب المريض أو المستثمر، كما لابد من توفير منظومة تأمين صحي للمريض غير القادر».
وأوضح «ان وزير الصحة صرح أن هناك نقصا في 199 صنف دواء، ولكننا كغرفة تجارية نقول انها أكثر من 300 صنف، ومنها أدوية لها بدائل، ولكن الشعب المصري لا يحب شراء البديل، وفي الوقت الحالي لابد من قبول البدائل. ومن ضمن الأدوية أيضا التي لا توجد لها بدائل أدوية السرطان والهورمون والقلب ومذيبات الجلطات».
وشملت قائمة الأدوية التي شهدت ارتفاعًا في أسعارها خلال الشهرين الماضيين «غوسبرين» الخاص بعلاج السيولة لمرضى الضغط والجلطات، و»كلوشسين» الذي يعالج حالات الروماتويد والنقرس، أما ألبان الأطفال فقد زاد سعرها بنسبة 2.5٪. فمثلاً ارتفع سعر «لبن س 26 « إنتاج شركة «فايزر» من 55 إلى 59.5 جنيه. فيما زاد سعر مستحضرات الأطفال الغذائية مثل «سيريلاك» بمقدار 2.5 جنيه فبعدما كان سعره 21 جنيهًا ارتفع إلى 22.5 جنيه، وكذلك الحال مع أدوية القلب، والسكر، وضغط الدم.
كما تضمنت القائمة أيضًا دواء «توسيفان» طارد البلغم ومهدئ السعال الذي ارتفع سعره من 3 إلى 6 جنيهات، وكذلك دواء «لاكسولاك» شراب لعلاج الإمساك، من 6 إلى 12 جنيهًا، بينما زاد سعر الحجم الكبير من «لاكسولاك» من 12 إلى 22 جنيها وزاد سعر «بيتاديرم» مرهم مضاد الالتهابات الجلدية والحساسية من 2.5 إلى 3 جنيهات. فيما ارتفع سعر عقار «فرافيرو» وهي أقراص لعلاج الأنيميا وفقر الدم من 35 إلى 45 جنيهًا وضمت القائمة دواء «بسكوبان» وهو أقراص لعلاج المغص والتقلصات الذي زاد سعره من 5.75 إلى 12 جنيها، أما «الغازون» كريم الذي يستخدم كدهان موضعي لعلاج الآلام الروماتيزمية فقد ارتفع من 3.5 إلى 5 جنيهات، فيما وصل سعر «كيناكومب» زهو كريم لعلاج الالتهابات الجلدية 7.5 جنيه بعدما كان 6 جنيهات. وشملت قائمة الأدوية التي زاد سعرها أيضًا «بيتادين» مطهر ارتفع سعره من 15.5 إلى 18.75 جنيه. كما ارتفع سعر حقن «سيفترياكسون» إنتاج شركة القاهرة للأدوية ويستخدم كمضاد للجراثيم من 11.5 إلى 13.75 جنيه، و»سيفترياكسون» حقن إنتاج شركة «نوفارتس» من 29 إلى 31.5 جنيه، و»ديفارول» التي تعالج لين العظام لدى الأطفال، وعقار «أيزوبتين « لعلاج سرعة ضربات القلب، بالإضافة إلى عقار «كور دارون» لعلاج ارتفاع معدل ضربات القلب، ويستخدم للسيطرة على الدقات غير الطبيعية، و»كلنفا» وهو مطهر للسيدات، و»كارباميد «كريم للجلد، و»ريجو لوسيون» للشعر، و»موندو كريم للجلد» و»أولفنت» شراب السعال.
وأكد الدكتور عادل عبد المقصود، رئيس شعبة الصيادلة في غرفة القاهرة التجارية «أن أغلب أدوية مشتقات الدم ناقصة في السوق المصري، وأيضا الأدوية المزمنة الخاصة بالسرطان والقلب والكلى، مشدداً على أن نقص أدوية مشتقات الدم يعد كارثة، ومنها حقن «الأر إتش» للسيدات الحوامل، حيث اختفت تماما من السوق المصرية وليس لها بديل». وتابع أنه لا يعلم هل نقص الدواء هو أزمة إدارة أم إدارة أزمة؟ حيث أن نقص دواء الصرع الذي كانت تنتجه شركة النيل وتوقفت عن إنتاجه منذ سنتين جاء نتيجة لإجراءات روتينية خاصة ببناء مبنى جديد للشركة».
واستطرد قائلا «أن هناك أدوية كثيرة لا تمر على الصيدليات بل يمكن أن تذهب للمستشفيات أو المراكز أو العيادات والإدارة المركزية لشؤون الصيدلة لا سلطان لها إلا على الصيدليات التي لها رخصة ورسم هندسي داخل الصيدلية، وأنصح كل مواطن مصري خاصة في الأرياف أن لا يسمح لطبيب أن يبيع له دواء».
وقال الدكتور صبري الطويلة، رئيس لجنة صناعة الدواء، «إن مصر تعيش أزمة فعلية بشأن نقص الدواء» معقبًا: «لن ندفن رؤوسنا في الرمال» لافتًا إلى أن أزمة نقص الدواء ليست بسبب الدولار فقط، ولكن نتيجة سياسات خاطئة على مدى 30 عامًا.
وأضاف «هناك 5 شركات استثمارية كانت لها الكلمة العليا على وزارة الصحة بشأن صناعة الدواء» مشيرا إلى أنه «يجب وضع حلول فورية وناجحة لحل أزمة نقص الأدوية».
والجدير بالذكر، ان أزمة الأدوية في مصر بدأت منذ ثلاثين عامًا، حيث تحولت الأدوية خلال الفترة ما بين منتصف التسعينيات إلى 2005 من سلعة استراتيجية تهدف إلى اكتشاف بدائل للأدوية وأدوية جديدة لعلاج الأمراض المختلفة، إلى استثمار، هدفه الأساسي الربح بغض النظر عن مصلحة المرضى.

منار عبد الفتاح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية