الإنسحاب الروسي من سوريا: فك ألغاز القيصر ونفاد صبر مع الوكيل في دمشق

حجم الخط
0

أثار قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سحب الجزء الأكبر من قواته من سوريا اهتماما واسعا، فهو مفاجئ وجاء بعد أقل من ستة أشهر من قراره المفاجئ أيضا في نهاية إيلول/سبتمبر إرسال طائراته لمحاربة «الإرهابيين» في سوريا. وأخذ إعلان بوتين عن «نهاية المهمة» الإدارة الأمريكية لباراك أوباما على حين غرة ولم يعلم الرئيس الأمريكي بالقرار إلا بعد المكالمة الهاتفية بينه وبوتين. أما حلفاء بوتين في دمشق فيبدو أنهم فوجئوا وسارعوا لإصدار بيان قالوا فيه إنه تم تنسيق الخطة بين البلدين. المهم في كل العملية هي أن بوتين والكرملين معه أبدعوا في إخراج عملية الإنسحاب وحصلوا على ما يريدون من تغطية إعلامية في كل أنحاء العالم. وترك القرار الروسي العالم يتساءل عما حققته موسكو من تدخلها القصير في حرب أهلية معقدة دخلت عامها السادس قبل أيام. وأثار القرار تكهنات كثيرة حول الدوافع التي أدت بموسكو الخروج من سوريا، فيما تساءلت الإدارة الأمريكية عن ماهية القرار وقالت إنها لن تصدق حتى تحصل على أدلة تثبت أن روسيا فعلا سحبت قواتها وطائراتها العسكرية من سوريا. واعتبر آخرون الخطوة حيلة تشبه ما قام به بوتين في أوكرانيا حين أعلن عن سحب قواته وتبين فيما بعد أن ما قام به هو إعادة انتشار روتيني.
وساقت موسكو جملة من الأهداف التي تحققت من ناحية تقوية جيش بشار الأسد الذي استعاد 400 بلدة وقرية، وهزيمة المعارضة وقطع إمداداتها من تركيا وتعزيز قوة الردع للجيش السوري وحلفاءه. وبعيدا عن كل هذا فالحملة الروسية منذ البداية كانت «محدودة» من ناحية ما تريد تحقيقه والفترة الزمنية، فهي ليست حتى النهاية من أجل الأسد وكما أشارت مجلة «إيكونوميست» (19/3/2016) فالعملية ليست من أجل بناء الدولة السورية على طريقة الأمريكيين في العراق وسوريا. فالأهداف الروسية كما يقول ستيفن سيمون في «فورين أفيرز» (15/3/2016) كانت محدودة وذهب الروس إلى هناك من أجل تثبيت النظام والتأكد من بناء تماسك داخل النخبة الحاكمة في دمشق ومنحها الثقة بالنفس وضرب الجماعات الجهادية التي تعمل قريبا من المناطق التابعة للنظام ومساعدته على توسيع مجاله الأمني قدر الإمكان. وكما يقول سيمون، الأستاذ الزائر في كلية دارتموث والذي عمل في إدارة أوباما بين 2011- 2012 فقد كان النظام بحاجة إلى نوع من العمق الاستراتيجي وهو ما قدمه الروس له. فلم يذهب هؤلاء لاستعادة «أرض مقدسة» ولا حراسة المستقبل وإنما ذهبوا لتعديل ميزان الحرب. وأي من هذه الأهداف لم يكن بحاجة لشن حرب تحتاج لعقود هذا إذا أخذنا بعين الإعتبار الضعف الذي تعاني منه المعارضة. ولم تكن أيضا بحاجة لقوة كبيرة لتحقيقها ولهذا نشر الروس 4.000 جندي من أجل التحضير وتسهيل العمليات و25 قاذفة و 32 قاذفة ـ مقاتلة وثماني طائرات مقاتلة و 12 مروحية مقاتلة وأربع مروحيات للخدمات. ونشر الروس من البحر سبع سفن تشمل على غواصة، وسفن لجمع المعلومات الإستخباراتية وزوارق بحرية وعددا من السفن الحربية الصغيرة. وشن الطيارون الروس على مدار الأشهر الستة الماضية 10.000 غارة أي ما بين 60-70 غارة في اليوم. وحقق الروس عمليتهم بكلفة أقل من عملية الإرادة الصلبة، وهو اسم الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية حيث تقلع الطائرات لضرب أهدافها من أماكن بعيدة. ويرى سيمون أن إعادة المقاتلات الروسية لا يعتبر سحبا دائما للقوات بل توقفا تكتيكيا عن الهجمات. فإعادة نشر القوات يعطي المؤسسة العسكرية الفرصة لتوفير المال والراحة لطاقم المقاتلات.

نفاد صبر؟

كما أنه تحرك ذكي من الناحية الدبلوماسية. إذ أنه يقدم صورة عن ضبط موسكو نفسها واستعدادها للتعاون في العملية السياسية، أي محادثات جنيف. وبالنسبة للذين قالوا إن الخطوة تعبر عن نفاد صبر من الرئيس السوري فالإنسحاب حسب رؤية سيمون لا يهدف للضغط على الأسد بل هو جزء من استراتيجية الروس التي أكدت منذ البداية على الحل الدبلوماسي الذي يحافظ على نظام الأسد. فسحب مقاتلات ومعدات عسكرية لن يؤدي لإثارة الخوف في قلب نظام ضعيف ومذعن، فقوات الأسد في وضع جيد ويمكنها الدفاع عن مواقعها فيما تعاني خطوط الإمداد التابعة للمعارضة من الإنقطاع والتشوش. ولهذا يرى الكاتب أن ترتيبات الإنسحاب الجزئي هي بمثابة رابح ـ رابح لكل من الأسد وبوتين.
إلا أن هذا لا ينفي البحث عن قراءة أخرى للإنسحاب الروسي. فهو يحمل كما يرى نيكولاس غوديسوف بمجلة «ناشونال إنتريست» (16/3/2016) خمسة دروس أهمها وقف خيار تغيير النظام. فقبل عام كان الخبراء يتوقعون قرب انهيار نظام الأسد وأنه وصل نهاية الحبل وستصل المعارضة قريبا إلى دمشق. وبهذه المثابة كان الوجود العسكري الروسي في سوريا من أجل «مساعدة» نظام الأسد وهو ما تم فعله. والآن لم يعد أحد يتحدث عن نهاية الأسد. بل وأجبر المشاركون في العملية السياسية على القبول بواقع بقائه وإن لفترة أخرى. وبهذا أثبت بوتين أنه موال لأصدقائه في المنطقة على خلاف أمريكا التي تخلت عن حلفائها. واستطاع بوتين كذلك إستعراض منجزاته العسكرية وإثبات أن عملية تحديث المؤسسة العسكرية والإنفاق المالي عليها عبر السنوات الماضية أثمر بالتأكيد ثماره. فقد أظهر الجيش الروسي أنه قادر على شن هجوم عسكري متواصل خارج حدود الإتحاد السوفييتي السابق. ويمكن والحالة هذه لموسكو أن تغير الحقائق على الأرض عبر استخدام القوة.

المصيدة الأفغانية

وأهم ما في الحملة الروسية أنها تجنبت الوقوع في المصيدة الأفغانية التي ورطت الجيش السوفييتي السابق عقدا من الزمان. بل وكان أوباما ينتظر ولوغ بوتين في «المستنقع» السوري. وحاول أصدقاء المعارضة توريط روسيا في سوريا من خلال زيادة القدرات العسكرية للمقاتلين السوريين. ولم تنجح هذه الإستراتيجية نظرا للموقف البارد من أطراف بدأت تفكر بتداعيات الحرب بالوكالة- أي بين السعودية وروسيا. وكان إسقاط تركيا للطائرة الروسية تذكيرا بمخاطر الحرب ومنظور التصادم بين القوى العظمى في سوريا. وحتى عندما هددت تركيا الشهر الماضي بإرسال قوات إلى داخل سوريا من أجل بناء «مناطق آمنة» وقالت إنها سترحب بالمشاركة السعودية في عملية كهذه، لم تبد الرياض أو واشنطن إلا حماسا قليلا للعملية. كل هذا لا يعني عدم وعي بوتين بمخاطر حرب طويلة، فهو عارف بالدروس الأمريكية في أفغانستان والعراق وكيف تحولتا إلى حروب طويلة أثقلت كاهل الخزانة الأمريكية وسقط فيها آلاف الجنود. ومثلما فعل السوفييت مع محمد نجيب الله في أفغانستان الذي ظل محميا حتى توقف الحرب، فالنظام السوري يجد الحماية الروسية ولكنه محمي من الإيرانيين والميليشيات الشيعية العراقية وحزب الله.

فدرالية

المهم في الحالة السورية أن روسيا عززت مناطق النظام أو ما يشبه الدويلة العلوية التي سيجد الأسد فيها ملجأ حالة سقط نظامه في دمشق. ولا تمانع موسكو مبدئيا من شكل فدرالي للحكم/ لا مركزي يشمل على دولة للنظام ومنطقة حكم ذاتي ومنطقة للسنة. وهذا الموقف نابع من حقائق الأرض واستحالة إعادة الأمور إلى ما كانت عليه. وبهذه النظرة لم يغير التدخل الروسي كثيرا على الأرض، بل جاء الإنسحاب حسب «فايننشال تايمز» (18/3/2016) كاعتراف بحدود ما يمكن أن تقدمه القوة الروسية. فالنظام رغم تقدمه لا يزال ضعيفا ولم يحقق ما كان يطمح إليه وهو الوصول إلى الحدود التركية. ونقلت عن يزيد صايغ الباحث البارز بمعهد كارنيغي- بيروت أن بوتين اكتشف «حدود النفوذ الروسي على نظام الأسد والذي يتحدث بشكل مفتوح عن السيادة والإستقلال منذ إعلان وقف العمليات القتالية» في شهر شباط/فبراير.

رسالة للسعودية

وهذا ينسجم مع فكرة روسيا عن التسوية السياسية في سوريا ولهذا السبب فبوتين كان راغبا بإرسال رسائل لكل اللاعبين في الأزمة السورية خاصة السعودية أنه جاهز للتحاور. ومنذ البداية لم تكن موسكو حسب غوديسوف ترغب بمواجهة مع الرياض في سوريا. فهي تريد التوصل مع الرياض إلى اتفاق حول أسعار النفط العالمي. والرسالة واضحة للسعودية: الروس جاهزون للتفاوض بعد تثبيت نظام الأسد والتباحث على تسوية تقوم على شكل لا مركزي وإنشاء حكومة وحدة وطنية لا انتقالية، تستجيب للمطالب السعودية وتحمي مصالحها. فمن خلال الإنسحاب بعد تأمين النظام وعدم القتال حتى آخر لحظة تخلق روسيا الظروف من أجل تسوية وتقديم تنازلات. خاصة أن جهود التسوية تلقى دعما من الطرف الأمريكي الذي استطاع بوتين إجباره للتباحث معه على قدم المساواة في المسألة السورية.
وحقق بوتين إنجازه في سوريا على حساب التردد الأمريكي وسياسات أوباما الخارجية. فقد ظل أوباما يذكر العالم أن تدخل روسيا في سوريا هو دليل ضعف. وهو ما تبنتته مجلة «إيكونوميست» في عددها الأخير إذ وصفت «نصر» بوتين بالفارغ والتلفزيوني. وقالت إن بوتين ضعيف أكثر مما يتظاهر، فاقتصاده ينهار وتراجعت مستويات المعيشة بسبب انهيار أسعار النفط ويفقد الشرعية نتيجة مغامراته في اوكرانيا والآن سوريا. وتعتقد المجلة أن نزعات بوتين العدوانية ستنتقل إلى مكان آخر. فهو يترك وراءه حروبا مجمدة دون حل ويبحث عن مغامرة أخرى. وفي سنته الأخيرة قد يجد أوباما نفسه أمام مواجهة جديدة مع بوتين. الرؤية من موسكو لإعلان الكرملين هي أن سوريا جزء محاولة إعادة قوة الردع الروسي التي تهاوت بعد انهيار الإتحاد السوفييتي. أما الرؤية من الخارج فلم يحقق بوتين ما أراد، بل فشل على صعيدين: مواجهة تنظيم الدولة وتغيير المعادلة الحربية في سوريا بشكل جذري. بل زادت الحرب معاناة السوريين وفاقمت أزمة الهجرة بحيث اتهم الإتحاد الأوروبي موسكو باستخدام اللاجئين كسلاح.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية