واشنطن ـ «القدس العربي»: قالت وزارة الدفاع الأمريكية انها «ستنتظر وستراقب» مدى صدق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الإعلان عن انسحاب قواته من سوريا. إذ صرح المتحدث الرسمي باسم البنتاغون بيتر كوك ان المؤسسة العسكرية الأمريكية مثل أي طرف آخر ستنتظر وترى ما يفعله الروس، مشيرا إلى مواصلة موسكو شن بعض الغارات الجوية على بعض المناطق في البلاد. وقد صدم بوتين المجتمع الدولي يوم الاثنين الماضي بإعلانه انسحاب القوات الروسية من سوريا بعد أقل من ستة أشهر بعد اكتمال ووفاء الأهداف الروسية على حد تعبير بوتين. وكان الكرملين قال ان التدخل الروسي جاء بهدف استهداف تنظيم «الدولة الإسلامية» ولكن واشنطن قالت ان معظم الضربات الجوية قد استهدفت قوات المعارضة السورية والمدنيين من أجل دعم الرئيس السوري بشار الأسد.
وثارت تساؤلات في واشنطن، على الفور، حول نوايا بوتين الذي لم يقدم جدولا زمنيا للانسحاب الكامل. وقال، أيضا، ان روسيا ستحتفظ بقاعدة جوية في محافظة اللاذقية وأخرى بحرية في ميناء طرطوس. كما تزامن الإعلان مع استئناف محادثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة بين جماعات المعارضة السورية والنظام.
وشهدت وزارة الدفاع الأمريكية مغادرة 10 طائرات روسية فقط من سوريا، ولكن كوك أوضح ان واشنطن شاهدت في السابق مغادرة للطائرات الروسية ولكنها كانت تعود. وقال:»تقييم روسيا يعتمد على أفعالهم وليس أقوالهم كما هو الحال على مدى الأشهر الستة الماضية» مشيرا إلى ان الضربات الجوية الروسية منذ إعلان الانسحاب استهدفت مواقع تنظيم الدولة وهو أمر لا ينتهك وقف اطلاق النار المعمول به حاليا.
هذا الموقف المتشكك من المؤسسة العسكرية الأمريكية والذي يتفق تماما مع موقف المؤسسة السياسية في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، لم يمنع كوك من القول ان واشنطن ترحب بهذه الخطوة إذا سحب بوتين بالفعل قواته للمساعدة في تعزيز وقف اطلاق النار، ثم عاد ليكرر تصريحاته السابقة بضرورة الحكم على روسيا من خلال أفعالها وليس أقوالها. في حين قال جون كيربي المتحدث باسم وزارة الخارجية ان من السابق لأوانه الاستنتاج ان روسيا تنسحب حقا من سوريا.
وقد تباينت ردود الفعل الأمريكية غير الرسمية للانسحاب الروسي من سوريا، حيث رأت صحيفة «يو اس اي توداي» ان الانسحاب سيزيد من الضغط على الرئيس السوري بشار الأسد من أجل التوصل إلى تسوية سياسية لانهاء الحرب الأهلية في البلاد، كما يثير احتمالات التوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا لتحقيق ذلك، حيث سيزور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري موسكو في هذا السياق ليلتقي بوتين لبحث جهود السلام السورية، مع الإشارة هنا إلى ان الأسد قد أظهر القليل من الاهتمام في تقديم أي تنازلات لانهاء الحرب.
وقال خبراء أمريكيون ان الروس يعلمون جيدا ان الأسد لا يمكن ان يبقى إلى الأبد، وهم يحاولون الآن اجباره على تقديم تنازلات في المفاوضات، حيث تريد الولايات المتحدة وحلفاؤها انتخابات حرة نزيهة لاختيار زعيم جديد. وعلى ما يبدو كما يضيف الخبراء، فان بوتين قرر عدم ترك جيشه في سوريا لتوجيه ضربة أخيرة للمعارضة، وهو أمر قد يستغرق وقتا طويلا وسيكلف كثيرا في الوقت الذي يعيش فيه الاقتصاد الروسي في حالة ركود بسبب انخفاض صادرات النفط الضخمة، وبدلا من ذلك فان هدفه الآن هو المحافظة على عناصر أمن نظام الأسد وليس الأسد نفسه.
وأوضح المحلل أندرو تايلر من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ان أهداف بوتين محدودة، وانه قرر الخروج من سوريا عندما حقق هذه الأهداف وهي دعم النظام للحصول على وضع جيد في التفاوض. وعلى حد تعبيره، فان التدخل العسكرى لا يؤدي بالضرورة إلى منحدر زلق، في حين قال عدد آخر من المحللين ان بوتين حقق نجاحا باهرا من المنظور السياسي المحلي قبل الانتخابات البرلمانية الوشيكة وانه صور روسيا كقوة عالمية وعسكرية عبر شن حملة دموية قصيرة ضد «الإرهاب» دون التورط في المستنقع.
وفي الواقع، هناك بعض المبررات في رؤية انتصار لبوتين في سوريا وفقا للخبراء، حيث عمل على استقرار نظام الأسد ودفع الولايات المتحدة إلى التراجع عن سياستها القديمة بعدم التفاوض مع دمشق، كما انها أجبرت واشنطن على التعامل مع موسكو كشريك على قدم المساواة في منطقة الشرق الأوسط، ومن المنظور العسكري، عززت موسكو منشأة طرطوس كقاعدة وأصبحت لديها قاعدة جوية في سوريا لايواء نظام الدفاع الجوي «اس 400» وزاد الوجود العسكري الدائم بفضل التدخل الأخير.
هنالك دلائل أمريكية على تغييرات روسية في الحملة الجوية حيث تم تخفيض عدد الغارات الجوية منذ وقف اطلاق النار الجزئي مع تركيز أكثر على ضرب مواقع تنظيم «الدولة الإسلامية» بدلا من استهداف جماعات المعارضة بشكل أساسي. ولكن في إتجاه آخر فان الحملة الروسية في سوريا تمثل سابقة خطيرة تعني امكانية استخدام موسكو لأسلوب التدخل العسكري الحاسم كتكتيك فعال وهذا بالطبع خبر سيئ للغاية لجيران روسيا في القارة الأوروبية، كما يعني أيضا، ان روسيا تنوي التركيز مرة أخرى على اوكرانيا التي تشهد حالة من الضعف في الوقت الراهن. فالحكومة في كييف تعيش في حالة اضطراب والمناوشات مستمرة على طول خط التماس خاصة في الأسابيع الأخيرة.
رائد صالحة