التدخل العسكري الروسي أفاد الرياض والأزمة السورية رغم أضراره: هل تشهد سوريا انقلابا عسكريا يطيح بالأسد بعد إنسحاب موسكو؟

حجم الخط
16

الرياض ـ «القدس العربي»: قد يبدو غريبا للبعض ان الرياض مثلما هي مرتاحة لقرار موسكو بسحب قواتها وطائرتها العسكرية من سوريا الاسبوع الماضي فانها «مرتاحة» مما حققه التدخل العسكري في سوريا من نتائج سياسية!.
صحيح ان التدخل العسكري الروسي أوجد دورا رئيسيا لموسكو في سوريا وفي حل الأزمة السورية، وهذا أمر لم تتحفظ عليه أو تعارضه الرياض، ففي ظل ضعف الدور الأمريكي في الأزمة السورية، عسكريا وسياسيا «بسبب السياسة المترددة والمتقلبة لإدارة الرئيس باراك اوباما» على حد تعبير مسؤول سياسي سعودي، كانت الرياض تحث موسكو على التدخل في سوريا لإيجاد حل سياسي لحرب وأزمة طال أوانها، ورأينا الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي يذهب بتعليمات من والده الملك سلمان إلى موسكو في شهر حزيران/يونيو العام الماضي لحث الروس على التدخل في الأزمة السورية وتنشيط دورهم مع النظام السوري للتوصل إلى حل. صحيح كان هناك اختلاف حول موضوع «مصير الرئيس بشار الأسد» إلا انه كانت هناك تفاهمات بين الجانبين حول ضرورة  الحرص على بقاء الدولة السورية بمؤسساتها، وعلى بقاء الجيش السوري موحدا كمؤسسة عسكرية للحفاظ على أمن سوريا حتى ولو تغير النظام.
ومن أجل ان يكون لروسيا دور تدخلت عسكريا في الأزمة السورية وفي الحرب الدائرة هناك وبالفعل أصبح موقفا «آمرا» على النظام في دمشق. أحد الأمثلة على ذلك، ارسال الرئيس بوتين طائرة عسكرية حملت الرئيس بشار الأسد – وحيدا – من دمشق إلى موسكو ليلتقي به هناك في شهر تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي.
ولاحظنا ان الرياض لم تبد أي معارضة للتدخل العسكري في سوريا، وإعلامها الرسمي لم يهاجم التدخل، وان كانت أخذت تبدي تحفظات»مكتومة» على سير المعارك العسكرية في سوريا بعد ان بدأت الغارات الجوية الروسية تؤثر على الأوضاع الميدانية لقوات المعارضة السورية. فعملت على اثرها السعودية على زيادة دعمها العسكري لقوات المعارضة السورية، واتفقت مع أنقرة على زيادة حجم التدخل العسكري التركي – غير المعلن – داخل الأراضي السورية.
ولكن الرياض بشكل عام كانت «مرتاحة» لدخول روسيا على خط الأزمة السورية كلاعب رئيسي، فهذا التدخل أثار حفيظة الإدارة الأمريكية «المترددة والمتقلبة» وجعلها تعود لتنشط في المنطقة.
 وبالطبع فان واشنطن لا يمكن ان تقبل ان تنفرد موسكو بالوضع السوري وفي تقرير خطة طريق الحل في سوريا، ولا يمكن لواشنطن ان تقبل ان تبدو موسكو الأقوى والأنجح في ضرب تنظيمي «داعش» و»جبهة النصرة».
لذا رأينا واشنطن تعود – ومعها حلفاؤها الأوروبيون – لتنشط دورها في الأزمة السورية، ليس سياسيا فقط، بل أيضا عسكريا.
عسكريا تحركت واشنطن ونسقت مع حلفائها وتدخلت عسكريا وأرسلت قوات خاصة تحت ستار مستشارين عسكريين إلى شمال سوريا  «لضرب داعش»، ووافقت على ان تقوم السعودية بتزويد قوات المعارضة السورية بأسلحة أكثر تطورا، مثل صواريخ «تاو» بل وتتحدث معلومات عن قرب حصول قوات المعارضة على صواريخ أرض- جو.
وعسكريا لوحظ التلويح السعودي بالتدخل البري في سوريا بعد إعلانها تشكيل ما سمي «قوات التحالف الإسلامي للحرب على الإرهاب».
سياسيا تحركت واشنطن وتفرغ وزير خارجيتها جون كيري لملف الأزمة السورية، وتعددت زياراته لموسكو للتنسيق معها ومع الأطراف المعنية الأخرى بالأزمة لاسيما السعودية، وهذا أدى إلى عقد مؤتمري «فيينا» ونيويورك حيث أسفرا عن الاتفاق على عقد مفاوضات جنيف بين المعارضة السورية (ممثلة بمعارضة مؤتمر الرياض) والنظام السوري.
صحيح انه حتى الآن لم تحقق مفاوضات جنيف بجولتيها الأولى والثانية – الجارية حاليا -أي نتائج سياسية تذكر، ولكن وقف إطلاق النار والذي سمي بوقف «الأعمال العدائية» يعتبر انجازا سياسيا تحقق بسبب التفاهم الدولي لاسيما الروسي والأمريكي على البدء بطريق الحل السياسي للأزمة السورية، حتى ولو ماطل نظام دمشق وعمل على افشال مفاوضات جنيف الذي يسعى نظام دمشق إلى إطالتها حتى تفشل، لانه لا يريد تقديم التنازلات المطلوبة منه روسيا ودوليا. وبمماطلته كان النظام السوري يستند إلى الدعم الروسي العسكري على الأرض والدعم السياسي في المفاوضات.
والآن سحبت روسيا قواتها وطائراتها من سوريا ولم تعد تشارك عمليا في المعارك ففقد النظام أحد أسس «غروره وغطرسته» الذي ظهر بعد هذا التدخل.
وهذا ما جعل وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يرحب بقرار موسكو للإنسحاب العسكري من سوريا، ولكن الرياض لا تريد من موسكو الإنسحاب من دورها في الحل السياسي للأزمة السورية وان كانت، بالطبع، تأمل ان تخفف روسيا من تأييدها السياسي للنظام ومواقفه خلال مفاوضات جنيف.
ولا أحد يعرف ما إذا كانت الرياض قد علمت من قبل بقرار موسكو المفاجئ بالإنسحاب العسكري من سوريا، ولكن لاشك انها علمت بأسبابه خلال الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع نظيره السعودي عادل الجبير، ثاني يوم إعلان قرار الإنسحاب.
ولوحظ ان الوزير الجبير صرح عقب هذا الاتصال معتبرا الإنسحاب الجزئي للقوات الروسية من سوريا خطوة إيجابية للغاية، معرباً عن أمله أن يجبر هذا الرئيس السوري بشار الأسد على تقديم تنازلات. وقال إن «المملكة تأمل أن يسهم الإنسحاب الروسي في تسريع وتيرة العملية السياسية التي تستند إلى إعلان جنيف 1، وأن يجبر نظام الأسد على تقديم التنازلات اللازمة لتحقيق الانتقال السياسي».
مراقبون في الرياض رأوا ان الحل السياسي وفق مفاوضات جنيف سيطول وقد لا يؤدي إلى حل عملي ينهي الأزمة السورية، حتى ولو تحقق، ما تسعى إليه السعودية وقوى أخرى برحيل الرئيس الأسد. ويرى هؤلاء ان الحل الجذري للأزمة السورية هو انقلاب عسكري شامل يقوم به الجيش السوري يطيح بنظام الرئيس الأسد ورموزه، وإقامة نظام عسكري قوي بستطيع ان «يلم البلاد»، فلا يكون هناك مبرر لاستمرار الحروب التي تخوضها المعارضة، ويمحو النظام الجديد المآسي التي سببها النظام السابق. وهذا يحتاج إلى جيش سوري قوي ليس بسلاحه بل أيضا في معنوياته.
ويرى البعض ان روسيا قد تكون انسحبت لتمهد لمثل هذا الانقلاب العسكري، الذي نعتقد ان الرياض تتمناه ليكون هو الحل لحرب طال أمدها مثلما سيطول أمل مفاوضات جنيف ان استمرت.
لذا لن يكون غريبا ان نسمع قريبا أخبارا عن رحيل الرئيس الأسد قتلا أو بانقلاب قبل نهاية العام.

سليمان نمر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية