هناك مجموعة من الإشكالات المرتبطة بخصوصية اللغة في علاقتها بالانغلاق والانفتاح، بالتطور والتحجر، لاختلاف المرجعيات الثقافية والفكرية والمذهبية والحضارية وأفق اختياراتها.
إن اللغة كسائر المجالات الأخرى تتأثر بالمستوى الحضاري والثقافي، وتعرف فترات انحدار أو ارتقاء تبعا للمرحلة التاريخية التي تعيشها أمة من الأمم، ومكانتها المادية وقدرتها على المنافسة والتموقع.
لا يخفى على أحد التباين الصارخ بين الثقافتين الغربية والعربية، والآفاق والأشواط التي قطعتها الأولى في الرفع من أهمية لغتها، وانغماسها في مواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي والثقافي والمعرفي، حيث ترصد في البلدان المتحضرة للثقافة والتعليم والبحث اللغوي إمكانات مادية هائلة لأهميتها في التنمية وتحريك الدورة الاقتصادية. كما أن تغلغل الثقافة والإبداع في الحياة اليومية لتلك المجتمعات يؤهل لغتها ويضمن مصداقيتها. يقابل ذلك ركود وتراجع ثقافي لغوي في المجتمعات المتخلفة، التي لا تملك الإمكانات ولا تحظى الثقافة واللغة والعلم بالأولوية في اختياراتها السياسية والاستراتيجية. ما يخلق مجموعة من التوترات والعقد والتركيبات الذهنية والنفسية، المترتبة عن الإحساس بالدونية من طرف، وتضخم الأنا في الطرف المقابل.
الإشكالية الثقافية اللغوية عند الشعوب العربية، لها ارتباط وطيد بتصور مفاده أن اللغة العربية مقدسة لارتباطها بالنص الديني. لأن القرآن الكريم جاء بلغة عربية إعجازية.
هذه النظرة الثقافية المشوشة، التي تقدس اللغة العربية تحت دعوى أنها لغة القرآن، تخلط بين اللغة العربية كلغة إنسانية مثل سائر اللغات، لها قواعد وضوابط، وفي حاجة ماسة للمواكبة والتطوير، وبين اللغة القرآنية الإعجازية المتعالية التي لا ترقى إلى مستواها أي كتابة. إن هذا الفهم المغلوط ساهم بقدر كبير في تقليص ضخ دماء اللغة العربية لفرض مكانتها كلغة عصرية حضارية.
إن الخلط الذي وقع فيه المنظور اللغوي التقليدي لاتكائه على المقدس الديني بتقديس اللغة، جعله يتوهم أن العربية لغة فوقية متعالية. ولم يتقبل بسهولة اعتبارها وعاء للتعبير والتفكير والكتابة والتواصل. وأنها تواكب مسيرة التغير المجتمعي، وتحتاج للتحيين والمراجعة والتنوير. وأن اعتباريتها وقيمتها ومرجعتيها وصمودها، مرتهن بالانفتاح والتحيين والملاءمة.
يعرف العالم الغربي تطورا مطردا في جميع المجالات بما فيها اللغة، التي ساوقت الفكر العلمي الحديث وطورت أدواتها ومصطلحاتها. خاصة اللغة الإنكليزية التي تمكنت من أن تكون لغة العصر بامتياز، باعتبارها لغة التداول الحديث في العالم، لقدرتها على ان تصبح مرجعا في التواصل والبحث بكل أصنافه. بما قدمته من إمكانات ونتاجات في مختلف العلوم والأدبيات، بوأتها مركزا متقدما وبرزت كلغة حاملة لقاطرة الثقافة والعلم.
من المعروف أننا في المغرب والبلدان العربية عموما، عشنا فترات انغلاق ثقافي، وكانت الثقافة السلفية الفقهية مهيمنة، حيث ساد الاعتقاد بأن اللغة العربية هي اللغة المتميزة، لغة الآداب والثقافة والعلم. لغة الماضي والحاضر والمستقبل. هذا المفهوم بدأ يتراجع بدخول المستعمر حاملا معه علمه وثقافته ولغته وحضارته. وبدأت الرؤية للعالم تتغير. وأخذنا نفهم أن اللغة تحتاج أن تدخل إلى مختبرات العلم، وأن تجدد أدواتها ومصطلحاتها. فهمنا أن لغتنا متجاوزة في راهنيتها، وأن اللغات الحية العصرية كالإنكليزية قطعت أشواطا قياسية لا يمكننا كحضارة متخلفة أن نضاهيها أو نتجاوزها. وضعنا يفرض الوعي بضرورة الانفتاح على اللغات الحية، والتمكن منها، والاستفادة من طرق اشتغالها، لمسايرة الركب الحضاري. فثقافتنا الفقهية البسيطة متجاوزة، ولا تؤهلنا لمراجعة طريقة تعاملنا مع اللغة. والدخول إلى معترك الحياة الحديثة، لا يتم بتفكير تقليدي ماضوي.
رغم التقدم الواضح الذي عرفته مختلف الدول العربية، بما فيها المغرب، في تعاملها مع موضوع اللغة، ظلت الإشكالية اللغوية عندنا قائمة. طرحت مجموعة من الأسئلة المؤرقة والعميقة. أي لغة نختار في التعلم والدراسة؟ هل نختار اللغة العربية، باعتبارها لغتنا التي تعبر عن خصوصيتنا؟ بأي لغة يجب أن يقبل على التعليم؟ هل يجب أن يكون التعليم باللغة الفرنسية، أم باللغة العربية، أم بهما معا؟
هل حاجتنا إلى اللغات الأجنبية تنحصر في مجال الدراسات العلمية، أم أن اللغات الأجنبية تفرض نفسها في تعليمنا العصري؟ هل اللغة العربية في صيغتها الحالية قادرة على المواكبة والإنتاجية؟ كيف نساهم في تطوير اللغة العربية، لتتمكن من الانخراط ولتصبح لغة العلم والعصر؟ هاته الأسئلة وغيرها أنهكت تفكير الباحثين والمفكرين واللغويين والسياسيين. فحساسية الموضوع والذهنية الثقافية الماضوية المتحكمة في الوعي الجماعي المغربي، تعتبر مصدر إعاقة لكل فكر لغوي تنويري يندمج في حركية التاريخ. كما أن عدم القدرة على اتخاد قرارات سياسية حاسمة في الموضوع، أحد أسبابها التهيب من ردود الفعل المختلفة. لقد اتخذت مختلف الدول العربية، بما فيها المغرب، موقفا وسطا بين التدريس باللغة العربية أو بلغة أجنبية أخرى. فكان الانحياز للموقف التلفيقي المطبوع بالتذبذب والارتجالية، والمراجعة المستمرة للاختيارات اللغوية والتراجعات عن المكتسبات، سببا مهما في تردي المستوى التعليمي وفي تأزم الوضع اللغوي والثقافي على المستوى العربي عموما والوطني خصوصا. فالمعاناة قوية والآثار السلبية الثقافية والعلمية وخيمة نظرا للمراوحة والتردد والتراجعات على مستوى الاختيارات اللغوية وتطبيقاتها خلال مسيرة تاريخية طويلة أدى العلم والثقافة والمدرسة في بلادنا الثمن فادحا. وبما أن الاشتغال اللغوي باب واسع لولوج الحضارة فكانت اختياراتنا اللغوية سببا مهما في استمرار الوضع الاجتماعي موسوما بالتخلف والهشاشة.
إن اللغة أي لغة قادرة على أن تحمل مشعل الثقافة والفكر والعلم، وأن تكون ركيزة للتقدم والنماء. المشكل حاصل في الذهنيات والتقاليد المثبطة للعزائم، وفي طبيعة الاختيارات السياسية وكيفية اتخاذ القرارات. يعرف الجميع صعوبة الموقف والحساسية الثقافية والمفاهيم الخاطئة في التعاطي مع الإشكالية اللغوية وما تتطلبه مقتضيات العصر. نأمل أن يصب الاشتغال على هذا الموضوع بشكل معمق وبتدخل من كل الجهات، لأن التنوير اللغوي مدخل أساسي لأي تنمية اجتماعية.
٭ كاتب مغربي
منصف بندحمان