القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: نظراً لما تشكله الظاهرة الدينية من قوة حضور في الوعي والسلوك الإنساني، كان لابد من الفلسفة غربية كانت أو إسلامية أن تتصدى لها، وتحاول جاهدة أن تبني تصوراتها المنطقية حول هذه الظاهرة. ولم يكن يتأتى ذلك إلا من خلال فلسفات التأويل. لكن حتى هذه الفلسفات التي طورها الغرب، أصبحنا في عالمنا الموسوم بالعربي نرتد عن محاولات التأويل الكلاسيكية، التي نادى بها فلاسفة الإسلام. هذه المشكلة هي ما دارت حولها ندوة أقيمت في «مركز دال للأبحاث»، التابع لـ»مؤسسة مؤمنون بلا حدود»، والمعنونة بـ»عقلنة الدين ونظرية التأويل الكلاسيكية»، حاضر فيها أشرف منصور أستاذ الفلسفة في كلية الآداب، جامعة الإسكندرية. وصاحب عدة مؤلفات منها.. «العقل والوحي: منهج التأويل بين ابن رشد وموسى بن ميمون وسبينوزا»، و»سبينوزا ونقد العقل الخالص: دراسة لنظرية كانط في المعرفة والميتافيزيقا في ضوء فلسفة سبينوزا».
أوضح منصور في البداية مفهوم (عقلنة الدين) بأنه أمر يعني التفسير المنطقي لمظاهر الدين الأساسية من نبوة ووحي ومعجزات ونص ديني وشريعة. هذه العقلنة تحاول أن تمنطق بعض المظاهر الدينية العصيّة على الفهم، التي تنتمي للإيمان المطلق لكل ما هو غرائبي وخارق للطبيعة، وبالتالي محاولة استيعاب هذه الظواهر، والعثور على الأسباب العقلية لحدوثها. ويتأتى ذلك من خلال فلسفة التأويل، التي فكر من خلالها فلاسفة الإسلام.
ويتخيّر منصور كلا من الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، موسى بن ميمون، وأخيراً سبينوزا، الذين انتهجوا مبدأ التأويل الكلاسيكي لحل المعضلات التي تؤرقهم، في بحث هذه المفاهيم الغيبية. ويرى أن هناك سمات عامة اعتمدها هؤلاء، منها.. العثور على المبرر الاجتماعي والسياسي للظاهرة الدينية، التأويل المجازي للنص الديني، الذي يبدو في تناقض صريح مع العقل، النظرة السوسيولوجية للأديان والفلسفة، فالدين للعامة والفلسفة للخاصة، وبالتالي اكتشاف طبيعة الخطاب المناسب للعامة كالخطابة الدينية، التي تقوم بالأساس على التمثيلات والاستعارات، أما البرهان والخطاب العقلي المنطقي، فهو قاصر على الخاصة. وأخيراً عدم التصريح للعامة بالمفارقات ما بين شكلي الخطابين وتباين مستويات الفهم. وهو ما تمثله فلاسفة الإسلام، ومعهم ابن ميمون، في حرصهم على عدم التصريح بالتأويل للعامة، لما في ذلك من خطر على إيمان العامة، الذي إذا اهتز أصاب الخلل البناء الاجتماعي بالكامل.
ومن هذه الأفكار، أن الإله ليس شخصاً، بل هو عقل خالص، وهو المبدأ الأول والعلة الأولى للوجود، وهو القانون الطبيعي الحاكم للكون. العالم ليس مخلوقاً من العدم، بل وجوده مساوق لوجود الإله. الإله ليس خارج العالم وليس داخل العالم، لكنه محايث للعالم في الوقت نفسه، مما يعني وحدة الوجود. الوحي ظاهرة طبيعية، فهو إما فيض من العقل الأول على عقل النبي بتوسط العقل الفعال المسمى بجبريل في الأديان، أو اتصال بين النبي والعقل الفعال عند ابن رشد، أو موهبة في استخدام الخيال كما عند سبينوزا.
وبالتالي فإن عقلنة الدين هي عقلنته للفيلسوف، لا للعامة، لأن العامة لن تتفهم ولن تتقبل هذه العقلنة، ويجب أن يبقى الدين لديها في مجال الخطابة، ويدور في مجال المخيلة. هذه هي نظرية التأويل الكلاسيكية كما ظهرت لدى الفلاسفة سالفي الذِكر، إنها مجرّد محاولة للعقلنة، كانت تحكمها أدوات معرفية ووضع اجتماعي يتناسب وزمن ظهور تلك الفلسفات.
وفي الأخير يلفت أشرف منصور إلى الحالة الفارقة، ما بين محاولات عقلنة الظاهرة الدينية في الماضي البعيد، ورغم تطور مناهج التأويل في الغرب، التي أصبحت تتعامل مع كل المظاهر التي تتماس مع المقدس في حرية كبيرة، أصبح صوت الأصوليات الدينية أكثر صخباً وحدة، وما ظاهرة الإسلام السياسي إلا الوجه الواضح لهذه الأصوليات، فحتى محاولات التأويل القاصرة على الفلاسفة وأشباههم كما اتضح، لم يعد من الممكن أن يتم تناوله الآن ــ وفق مفهومهم القديم ــ فتراث فلاسفة الإسلام من مقاربات عقلانية للظاهرة الدينية حدثت معه قطيعة حادة، تمثلت في انغلاق فكري، فأصبح الفهم الأصولي الشائع للدين وللنص الديني هو المسيطر والمفسر والمروّج الوحيد للعقيدة وتبعاتها.