القاهرة ـ «القدس العربي» من رانيا يوسف: في تصريح لافت لها بعد عرض فيلمها الجديد «قهوة لكل الأمم»، ضمن فعاليات «مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة»، أكدت المخرجة الفلسطينية وفاء جميل، أنها تكره «مشاهد الدم والقتل»، التي تنتشر على الفضائيات والمواقع الإلكترونية، على الرغم من أنها تصنع أفلاماً وثائقية منذ ستة عشر عاما، إلا أنها أعلنت رفضها احتواء اي منها على هذه المشاهد.
اختارت وفاء الابتعاد عن استفزاز مشاعر الجمهور بهذه اللقطات، التي وصفتها بأنها استهلكت أكثر مما ينبغي في أفلام كثيرة سابقة، وترى أن التحدي الأكبر الذي يواجه المخرج، هو «الاستعاضة عن هذا الأسلوب بتقديم عمل فني يحمل مضمون الصراع برؤية مختلفة عما اعتادت طرحه السينما الفلسطينية».
قدمت المخرجة الفلسطينية التي تعيش في السويد (بلد المنفى)، مجموعة من الأفلام التي تتمحور حول مفهوم البحث عن الهوية. ومن أشهر أفلامها «أولاد إبراهيم» الذي يتناول قضية الحوار بين الأديان والثقافات، وصور الفيلم في جبال بفاريا في ألمانيا، خلال انعقاد مخيم صيفي أكاديمي ضم عددا من المشتركين من فلسطين، العراق، البوسنة وألمانيا، من أعمالها أيضاً فيلم «الجذور»، الذي يسلط الضوء على مؤتمر «تشكيل المجتمعات وقت الأزمات»، والذي تم عقده في دار الندوة الدولية في بيت لحم، عام 2005، وفيلمها الذي أثار جدلاً كبيراً عند عرضه «حماس أسفل فلسطين»، الذي جسد الخلافات الفلسطينية بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية، وترصد فيه واقعة خلع بعض أفرادها العلم الفلسطيني عن المجلس التشريعي واستبداله بالعلم الأخضر.
تقول وفاء جميل في حوارها مع «القدس العربي» في القاهرة، إنها لم تزر عائلتها في غزة منذ ستة عشر عاماً بسبب رفض قوات الاحتلال منحها التصريح لدخول المدينة، وأكدت أن هذه القصة ستكون محور فيلمها التسجيلي المقبل.
وهنا نص الحوار:
■ في فيلمك الأخير «قهوة لكل الأمم» كيف تعرفتِ على تجربة عابد؟
□ تعرفت على قصة عابد من إحدى الصحف التي نشرت قضيته مع الكيان الإسرائيلي، الذي حاول في العام 1948 تهجيره من بيته في قرية الولجة قرب بيت لحم، لكنه أصر على البقاء. عاش حتى نهاية حياته في كهف اكتشف وجوده على أرضه، وأثناء عيشه في كهفه، قرر فتح مقهى. حوّل مأساته الشخصية إلى مشروع غير حياته ومكنه من مشاركة ملكيته الوحيدة الخالصة له، والمشهد الفاتن الذي يطل عليه كهفه مع مئات من الزبائن من جنسيات مختلفة كانت تترد عليه هناك.
صورت الفيلم في سبع سنوات بداية من العام 2008، بسبب ضعف التمويل وبعض المعوقات الامنية، منها أن الوصول إلى عابد في كل مرة كان يستلزم إصدار تصاريح. عابد كان يسكن في منطقة نائية في قرية الولجة، في كل مرة كنت أذهب إليه اضطر إلى السير مسافات طويلة وأنا أحمل معدات التصوير في يدي. فبجانب معاناته كنت أعاني أنا أيضاً في الوصول إليه، ولكن هذه الصعوبات لم تكن تساوي شيئا أمام معاناته هو.
■ لم نشعر بتغير زمني لا في الصورة ولا في الأحداث؟
□ الجمهور عادة يتساءل لماذا لم أضع تواريخ على الصورة تحدد الفترة التي صورت فيها الفيلم. في الحقيقة التاريخ لا يعنيني لأنني بنيت الفيلم بشكل أقرب إلى الروائي. رغم أنني عملت مع أكثر من مصور خلال سنوات التصوير، وصورت أجزاء كثيرة بنفسي، بالتالي حاولت قدر الإمكان إذابة هذا الفارق الزمني، لأنني معنية أكثر بالقصة وليس بترتيب السنوات. أنهيت الفيلم أكثر من مرة، ولكن كل مرة تظهر لي أحداث جديدة، مثل خروج أخ عابد من سجون الاحتلال في صفقة تبادل للأسرى، بعد أن قضى أكثر من خمسة وعشرين عاماً ، ثم توقفت وعدت بعد أن خسر عابد القضية وطالبته المحكمة الاسرائيلية بهدم الكهف، لم أستطع أن أتجاهل هذا الحدث الذي بنيت عليه قصة الفيلم، وعدت لتصوير عملية هدم الكهف.
■ ولكننا لم نشاهد الدبابات الإسرائيلية وهي تهدم الكهف، فقط بعض أطلال الهدم ومتعلقات عابد المتناثرة على الأرض؟
□ استبدلت هذه المشاهد القاسية بمشهد البيضة المكسورة، لا أفضل تجسيد الصراع المباشر، أو عرض المواجهات المسلحة أو الدموية. فضلت أن يحمل طابعا دراميا إنسانيا.
■ هذا يعني رفضك تقديم أفلام تحكي عن تجارب مناضلين مسلحين؟
□ طبعا ممكن أقدم حكايات عن مناضلين بالسلاح، لأنهم جزء من واقعنا في فلسطين، كل شخص يناضل بطريقته، فكرت بالفعل أن أصنع فيلما عن مروان البرغوثي، لكن أيضا سأقدمه من دون أن أدخل مشاهد دموية، أو تحمل قدرا من العنف المفرط، هذه المشاهد استهلكت كثيراً في السينما الفلسطينية وأصبحت لا تحمل أي جديد.
■ نموذج زوجة عابد ترى أن الواقع لن يتغير وتثور على وضع زوجها الذي لازال يتمسك بالأمل في انتزاع حقوقه، هل هذا النموذج موجود بين الفلسطينيات؟
□ موجود بكثرة، ولكن نظرتنا إلى شخصية زوجة عابد تختلف، فهي أم لثمانية أبناء تركها زوجها منذ عشرين عاما ليقيم في كهف، تضطر إلى العمل من أجل تربية ابنائها، وهم أيضاً يعملون معها لتوفير نفقات دراستهم، هذه أيضا طريقة للنضال.
■ أعطيت لعلاقة عابد بعائلته مساحة كبيرة في الفيلم أكبر من علاقته بالأرض؟
□ العائلة بالنسبة لي كمخرجة فلسطينية تعطي حالة من الصراع، فهو أب لثمانية أبناء يتركهم عشرين عاما، زوجته كانت ترعي الأبناء وهو يرعى الأرض، شعرت بأنني وقعت في صراع بين شخصيتي كمخرجة وبين إحساسي كامرأة وضعت نفسها مكان زوجته، لا أتحمل أن يتركني زوجي مع 8 أبناء.
■ ماذا يعني عنوان الفيلم، ما علاقة كل الأمم بالمقهى؟
□ كل الأمم هذا حلم عابد، أن يؤسس مشروعا أو مطعما يستضيف فيه كل الأمم/ بالنسبة لي عابد كان يؤمن بالسلام على أرضه.
■ عرضت جانبا واحدا من الأحداث لماذا لم تتعرضي لحالة الصراع المضاد؟
□ تركت صورة واحدة للمدرعة الإسرائيلية أثناء هدم كهف عابد، لكن لم أفضل إضافة مشاهد صراع عابد مع قوات الاحتلال بشكل مباشر، هذه الصور أصبحت نمطية ومستهلكة خاصة في الأفلام التسجيلية. أصنع أفلامي بطريقتي.
■ لماذا يلجأ المخرجون عادة في بداية مشوارهم للفيلم الوثائقي؟
□ السينما التسجيلية وثيقة للتاريخ أكثر من الفيلم الروائي، كما أن صانع الفيلم يبلغ أعلى مراحل نضجه أثناء تجربته التسجيلية، الخبرة نأخذها من الأفلام التسجيلية.
■ لماذا يهجر المخرجون الفيلم التسجيلي إلى الروائي ولا يعودون إليه مرة أخرى؟
□ عرض الأفلام التسجيلية عادة يقتصر على المهرجانات والتظاهرات الثقافية، المشكلة الأساسية للفيلم الوثائقي أن توزيعة قليل، لأن الفيلم الروائي أكثر إغراء للمنتجين. في معظم أفلامي شاركت في إنتاجها من مالي الخاص، وأتمنى أن تجد الأفلام الوثائقية رواجا، لأن هناك الكثير من القصص لا يعبر عنها إلا بالسينما التسجيلي.
■ ماذا أضاف إليك عرض فيلمك في مهرجان يحتفي بسينما المرأة؟
□ أهمية إقامة مهرجان لأفلام النساء بالنسبة لي تتويج لكل المهرجانات، المهرجان يعكس نضال المرأة ولكن في مجال صناعة الفيلم، النساء حول العالم يصنعن أفلاما جيدة لكنها لا تلقى أحياناً رواجا أو احتفاء يوازي ما تستقبل به المهرجانات أعمال المخرجين الرجال.
■ كيف وجدت رد فعل الجمهور بعد عرض الفيلم في مصر؟
□ أثار الجمهور وجهات نظر متعددة بعد العرض الأول للفيلم، والمثير أن الآراء انقسمت بين الرجال الذين انتظروا مشاهد العنف والدماء، وبين النساء اللاتي دعمن أسلوبي في الابتعاد عن تجسد العنف في الفيلم، بالطبع مفارقة طريفة لكن ما أسعدني أكثر أن الفيلم لاقى استحسان الجمهور عامة.