في بداية 2002 هاتفني مئير داغان وسأل بصوت منخفض ومؤدب إذا كنت مستعدا لان اساعده على تعبئة نماذج للاعتراف به كمعوق من الجيش الإسرائيلي. بالتأكيد، بسرور، قلت. فهو لم يصدق في حينه، وكذا من يعرفه لم يقدر، بأن بانتظاره محاولات افتراء.
بعد بضعة اشهر هاتفني مرة اخرى، هذه المرة بصوت عال وصارخ: أسمع أنك تقول لاريل (شارون) ان شلومو يناي يجب أن يكون رئيس الموساد؟
نعم، صحيح، قلت. شعرت براحة تامة في أنه أرد هكذا لانه مؤخرا فقط وبناء على طلبه أرشفت ملفه في قسم التأهيل وليس في قسم الاحباط. واذا كان اعتبر نفسه كمن مر زمنه، من السابقين، فما كان سبب يجعل المحيطين به يتعاطون معه بشكل مختلف. فرد بكلمات ليست نقية. فقد كانت له لغة متنوعة جدا.
لم يكن فخار داغان على كونه رئيس الموساد بل على كونه رأس كبير. ليس فقط بسبب نزعة قتالية عملياتية بل أساسا بسبب الشجاعة المدنية.
ان يقول ما يفكر به، مباشرة وباستقامة، دون الاحتساب كيف سيستقبل هذا وما الذي سيكسبه او بالاحرى سيخسره.
نحن، الصحافيين، نميل إرهاب اجراء المقارنات شبه العلمية بين رؤساء اذرع الامن على أساس معطيات جزئية ومتحيزة. وهذا يتعلق بالمكان الذي نضع فيه آذاننا، من يُسمعنا الكلام وما الذي نريد نحن أن نسمعه. وفي الآونة الاخيرة أشار صحافيون يمينيون إرهاب ثغرة واسعة في الموقف من داغان قبل أن تُعرف اراؤه وبعد أن عرفت. قبل أن يخرج علنا ضد الحكومة وبعد ذلك. وبالاجمال كانوا محقين: فالاقتباسات التي نقلوها كانت دقيقة. من هذه الناحية، الصحافيون هم كالسياسيين يحسنون لمن يحسن لهم وعند الامساك بهم، يسيئون لمن يسيء.
عندما خرج داغان ضد الحكومة، كان هناك سياسيون من اليمين، ميري ريغف مثلا، ممن تحدثوا عنه وكأنه «يحطم الصمت» خائن أو متسلل سوداني عنيف. وكان هناك من طلب اعتقاله للتحقيق الجنائي حقا. فدافع رجال مكتب رئيس الوزراء عن أنفسهم وعلقوا اضطرارا انتقاده على الاحباط لكونه لم يتلقَ زعما سنة اضافية في المنصب.
لقد عمل داغان تحت إمرة ثلاثة رؤساء وزراء. مع ايهود اولمرت طور علاقات صداقة وثيقة وتمتع لديه من مساحة عمل مطلقة. اما نتنياهو اعتقد انه كان رئيس موساد ممتاز، ولكن لسنة واحدة أكثر مما ينبغي. ثمة في هذا شيء ما. فسنته الاخيرة في المنصب كانت اشكالية. وداغان، من جهته، اعتقد وقال بصوت عال ان نتنياهو محصور في ذاته، في بقائه، وأن مصلحته الشخصية تسبق كل شيء، وان عقده الزمني هو عقد ضائع. شارون أحبه وقدره، ولكنه أبقاه على مسافة قريبة منه. في بداية طريقهما كرئيس وزراء ورئيس موساد، في لقاء العمل الذي بلغ فيه عن النشاط، كان شارون، الذي أحب ان يفاجيء لا أن يكون متفاجئا ـ مندهشا وغاضبا. وعندما عاد داغان إرهاب مكتبه، وجد فاكسا مع سطر يلخص اللقاء: من الان فصاعدا كل عملية على مستوى متوسط، كانت حتى اليوم بصلاحية رئيس قسم، لن تتم إلا بإذن رئيس الوزراء.
في السنوات الاخيرة وبقوة أكبر بعد وفاته تسجل في صالحه حرب منعها مع إيران. اليوم أيضا، بمسافة السنين، من الصعب أن نعرف إذا كان الخلاف حقيقيا أم وهميا. فلو كان هناك من سعوا حقا إرهاب قصف مواقع ومخزونات في أرجاء إيران، أم ان كلهم اعتقدوا بان الهجوم العسكري هو كثير المخاطر وقليل الفرص والخلاف كان تكتيكيا ولفظيا. لقد وصف داغان ايهود باراك بانه «خبير في خلق الدراما». فهل اولئك الذين ايدوا ظاهرا، نتنياهو وباراك، سعوا إرهاب تضليل واغراء الادارة الأمريكية للقيام بعمل ما، فيما أن المعارضين، بيرس، اشكنازي، داغان وديسكن، اعتقدوا بانه محظور على الذيل الإسرائيلي أن يهز الكلب الأمريكي، وأن خطأ كبيرا هو اقامة سياسة الخارجية والامن لدينا على العنصر الإيراني، وان خسارة على مليارات الدولارات التي تلقى إرهاب القمامة. بيرس، الذي يفهم شيئا أو اثنين في النووي وفي العلاقات الخارجية، كان مقتنعا في حينه بان «داغان، اشكنازي وثالث يسمى يوفال يستحقون جائزة إسرائيل»
ليس الموضوع الإيراني هو الذي أقلق داغان بل مشاكل أعمق. وهنا، كما هو دوما، كانت يد السياسة هي العليا، لاسفنا ومصيبتنا، والخبراء يقولون ما تقول لهم قلوبهم. داغان، كسلفيه شبتاي شفيت وافرايم هليفي ومواصله تمير باردو، مثل معظم قادة الجيش الإسرائيلي، الموساد والشاباك ـ عثر على نقاط الانكسار الإسرائيلية: الانهيار في داخل دولة ثنائية القومية، دولة ابرتهايد، التآكل في الاسناد الاستراتيجي، الفوارق الاجتماعية، المركز والمحيط. على كل هذه وليس على إيران تحدث واشتكى، بكى وذرف الدمع في خطابه الاخير.
يديعوت 22/3/2016
أمنون أبرموفيتش