الترابي.. مشروع التناقضات والمفارقات

في الخامس من هذا الشهر رحلت إحدى الشخصيات المفتاحية التي أثرت بشكل واضح على تاريخ السودان الحديث. شخصية استطاعت بنجاح نقل تناقضاتها الشخصية إلى الخارج، بحيث يصبح ذلك التناقض سمة لمشروع سياسي لا يكتمل.
يمكن أن نبدأ القصة من نهايتها، من تاريخ الوفاة نفسه. لقد تحولت الخرطوم يومذاك لسرادق عزاء كبير يتناسب مع أهمية الرجل، الذي كان قائداً للمعارضة وقريباً من الحكومة في الوقت ذاته، كما كان من القيادات التاريخية «للحركة الإسلامية» التي تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي وإعلامي كبير في البلاد. لكن المشهد لم يقتصر على «الإسلاميين»، فاليساريون كانوا هنا أيضاً. ليس باعتبارهم الحليف الأهم لحسن الترابي في جبهة المعارضة الحالية، ولكن لأن الأخير كان يحرص، بسبب الكسب السياسي أو لإيمانه الفعلي بذلك، على أن يردم الفجوة بين حزبه الذي يقوم على تفسير منفتح للحكم الإسلامي والأحزاب اليسارية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي. لقد فعل الترابي كل ما يستطيع في سبيل ذلك، فبالغ في الحديث عن المشتركات التي تجمعه وحزبه بالأحزاب والجماعات العلمانية واليسارية، ولم يكتف بحضور عزاء محمد نقد أحد رموز الحزب الشيوعي، بل اتخذها فرصة ليعبر عن احترامه لتلك الشخصية، التي ثبتت على مواقفها طوال حياتها، وليجدد نقده للسلفيين الذين يكفّرون الشيوعية باعتبار أنهم «ينتمون إلى سالف الحياة وليس إلى قادمها أو مستقبلها».
في الواقع فإن الترابي كان يغتنم كل فرصة لتوضيح تمايزه عن العلماء والفقهاء التقلييديين المسجونين ضمن الفتاوى القديمة والمنغلقين على التصورات التراثية والتفاسير السلفية. كان يتبنى منهجاً يرى أنه يمنح مساحة أكبر للعقل البشري لتجديد نصوص ومضمون الشريعة الإسلامية. تبني هذا المنهج الذي يقلّل من الاعتماد على المصادر القديمة كان يقربه من الاتجاه الليبرالي ويجعله ينافس صهره الصادق المهدي الذي كان مثله جريئاً في معاداة التوجهات السلفية.
لكن موقف الترابي من الشيوعية والعلمانية لم يكن ثابتاً، كما غيره من مواقفه التي تتغير بحسب الأجواء السياسية، فقد كان كفاح حركات العلمنة والتغريب والمفاهيم الجديدة كالشيوعية الأساس الذي بني عليه نضال الحركات التي انتمى إليها الترابي مبكراً، ابتداء من جماعة الأخوان المسلمين مروراً بجبهة الميثاق الإسلامي ونهاية بالحركة الإسلامية. كان الترابي وأصحابه يستمدون شرعيتهم في الواقع، خاصة في الفترة التي سبقت وصولهم إلى السلطة، من التمايز عن أولئك المثقفين الذين يسعون لتطبيق المناهج الشرقية أو الغربية في واقع مغاير. كان تكفير اليسار بكل توجهاته رائجاً، وقد ساهم ذلك في تمدد الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية في المجتمع السوداني المتدين. ذلك سيستمر حين يصبح الترابي ومجموعته المقربة على رأس السلطة في بداية التسعينيات وحين يبشّر بما سيسميه «المشروع الحضاري الإسلامي» المبني على الـتأصيل والتحكيم العصري للشريعة، ولكن أيضاً على العداء التام للأفكار العلمانية، وما تفرع عنها من أحزاب وجماعات. في تلك الأيام كانت الشيوعية تهمة لا تغتفر. لكن ذلك سرعان ما سيتغير مع نهاية التسعينيات بعد توجه الرئيس البشير لإقصاء الترابي وسحب بساط السلطة من يده. حينها سيتأخر المشروع الإسلامي لصالح المشروع «الشعبي» المعارض، الهادف لتعميق المفاصلة مع الحزب الحاكم والتعاون مع كل من كان ينظر إليهم حتى الأمس القريب كخونة وأعداء ومارقين في سبيل هدف غامض جديد وهو الوصول إلى حكم مدني.
في الحاشية نقول إن «الحركة الإسلامية» المذكورة أعلاه هي علامة تجارية حاول الترابي أن يجعلها متحدثة باسم العمل الإسلامي، لكن خروجه، أو إخراجه بالأحرى، من السلطة السياسية أدى لخروجه والكثيرين من أتباعه من هيكل الحركة التي فشلوا في تحويلها لهيئة دينية مسيطرة على الحكم على غرار الحالة الإيرانية. من جهة أخرى فقد كان الانتماء المباشر لهذه الحركة أو الاستمرار في الانتماء إليها معيقاً أساسياً لمشروع الترابي الجديد، الذي كان يهدف بشكل رئيس في سنواته الأخيرة للاقتراب من المعارضة الداخلية ذات التفاوت العلماني وللتسويق لنفسه كمناضل في سبيل الحريات العامة أكثر من كونه مجرد داعية أو ناشط إسلامي.
ضمن هذا المشهد يظهر الغنوشي الذي يعتبر من أهم تلاميذ الترابي في المنطقة العربية أو أكثرهم ظهوراً، خاصة بعد ربيع تونس. الغنوشي سيعتبر في كلمته التي جاء خصيصاً ليلقيها على مسامع الحضور، أن من المهم توحيد جناحي «الحركة الإسلامية» في السودان. هو يعني بذلك الحركة بجناحيها الرسمي القريب من الحكومة والآخر القريب من شيخه، الذي انفصل لصالح المشروع المعارض الجديد.
أقول إن الغنوشي بكلمته تلك قد ضيّق واسعاً، فقد كان من السهل عليه إذا تجاهل الدعوة لضرورة توحد السودانيين جميعاً وليس فقط الإسلاميين في هذه المرحلة، أن يدعو لتوحد الشخصيات والجماعات العاملة في الساحة الإسلامية، لكنه بدا، لي على الأقل، متأثراً بمذهب احتكار العمل الإسلامي. يعلم الغنوشي أن جماعة الأخوان المسلمين مثلاً ليست جزءاً من هذه الحركة الإسلامية وكذلك باقي الجماعات السلفية والسنية ناهيك عن الصوفية، لكنه يتعمد أن لا يراها.
ليس هنا مقام انتقاد آراء الغنوشي السياسية إلا على سبيل التذكير بأنها ناتجة في الأصل عن تأثره بشيخه السوداني، فحينما يرفض بقوة وسم حزب الله بالإرهاب ويتعامى عن كل جرائمه وتدخلاته، فإن ذلك ينسجم مع صوت أستاذه الذي كان يؤمن حتى آخر أيامه بعدم وجود فروق بين السنة والشيعة، كما كان يؤمن بأن «الجمهورية الإسلامية» تجربة تستحق أن تحتذى.
على ذكر الشيعة الذين لم تتح الفرصة لرموزهم لحضور مراسم الوداع أو للتعبير بقوة عن فقدهم لصوت كان لا يخفي رفضه لكل القرارات التي كانت تحاول الحد من النفوذ الإيراني الشيعي في السودان، أذكّر بأن موقف الترابي من الشيعة يندرج تحت الموقف الأكبر الذي يدعو إلى منح حرية التشيع والتبشير أو حتى الكفر. بحسب فهم الشيخ للحريات، الردة بحد ذاتها ليست جريمة. الكلام يبدو سهل التسويق للخارج، خاصة أولئك الغربيين الذي تعجبهم الأصوات الإسلامية المتسامحة وغير المتقيدة بالتفسيرات الأصولية والتراثية. لكن إيمان الشيخ المطلق بالحريات محل نظر، فهو لم يعترض، إذا لم نقل دعم، لم يعترض على إعدام محمود محمد طه عام 1985 بعد أن وجهت له تهمة الردة لخروجه عن الإجماعات الفقهية وإنكاره، بدعوى التجديد، للكثير من المعروف بالضرورة من أمور الدين، وهي الإتهامات نفسها، التي ستلاحق، للطرافة، الترابي نفسه خلال حياته، بل وبعد الممات. ذكر محمود محمد طه هنا مهم، لأن أولئك الذين منعوا الناس من التذكير بأفكار الترابي الشاذة بحجة أن من مات لا يجوز إلا ذكره بالخير، كانوا في معظمهم من الذين لم يتوقفوا عن دحض أفكار محمود ووصمه بالكفر حتى بعد ثلاثين سنة من إعدامه.
تلك لم تكن المفارقة الوحيدة حيث ساند داعية الحريات قبلها تطبيق النميري الفوضوي لأحكام الشريعة والذي كانت أحكام الردة جزءاً منه. ذلك التطبيق على طريقة النميري ربما لم يكن مقنعاً للشيخ، لكن لم يكن هنالك مفر من القبول بها نكاية بالشيوعيين الذين أقصاهم النميري وأبعدهم، ونكاية بغيرهم من المنافسيين السياسيين «المعترضين على تطبيق الشريعة».
داعية الحريات لم يقدم خدمات مجانية للنميري فقط، بل كان المخطط الأهم لانقلاب 1989 تحت دعوى الاستيلاء على السلطة من أجل الأسلمة الفوقية. مشاهد كثيرة يمكن أن تستدعى باسم تلك الأسلمة ابتداء من سياسة «التمكين» التي أجبر بموجبها الآلاف من أبناء السودانيين المؤهلين على ترك وظائفهم بسبب حملهم، أو الاشتباه في حملهم، لأفكار غير مرحب بها، مروراً بقوانين ضبط الشارع العام والمراقبة الفظة للسلوك والضمير، ونهاية بذلك التقديس غير المبرر لشخص الشيخ الملهم الذي سيصبح انتقاده جريمة.
عرف الترابي بانتقاده للطائفية خاصة الطائفتين الدينيتين المنافستين، الأنصار والختمية، لكنه استفاد بشكل واضح من السلوك الجماعي الذي يحب أن يسير خلف قائد كاريزمي بآراء شبه مقدسة وكلمات لا يستطيع الجميع تفسيرها. كلمات الترابي أيضاً كانت صعبة التفسير ليس لأن لغتها باطنية وعميقة كلغة المتصوفة، ولكن لأن صاحبها يفوق غيره في التفكير بعشرات السنوات الضوئية. سيقول الترابي أن حرب الجنوب جهاد ضد الكفر والصليبية وسينشر بين تلاميذه ثقافة التضحية الممزوجة بتعاليم الدين، الذي يعتبر أن الحياة هي حياة الآخرة حيث الحور العين والنعيم المقيم والتخلص من هذه الدنيا الزائفة. سيكون ذلك مقنعاً للملايين وسيتم التشكيك في وطنية وتدين كل من يعترض أو يحاول مناقشة هذه المسلّمة.
لكن حرب الجنوب لن تعود جهاداً بمجرد خروجه من الحكم وانتقاله إلى المعسكر الآخر. للدهشة فإن أولئك الذين كانوا بالأمس يهللون خلفه بالأغاني والأناشيد الحماسية سرعان ما سيشككون مثله في جدوى تلك الحرب من الناحيتين الإسلامية أو الوطنية، أما جون قرنق قائد العصيان الجنوبي الذي وصف قبلها بكل صفة يمكن أن تخطر على بال فإنه سرعان ما سيصبح حليفاً يمكن الاتفاق معه على نقاط مشتركة 2002)) من بينها حق تقرير المصير.
كان الترابي مهموماً بتجميع أكبر قدر من الناس حوله وإذا لم يكن هناك مجال ووقت للتصفية والتربية على الطريقة التقليدية فإنه كان لابد من ربط هذه العدد الكبير بشبكة من المصالح والفوائد. هذا بالتحديد يفسر حالة العداء المتنامية للحكومة السودانية خاصة للرئيس البشير بعد قرارات المفاصلة التي سحبت بساط القوة والسلطة من كثيرين لا يسرهم أبداً الاكتفاء بالعمل «الإسلامي» أو الانزواء خلف أعمال مكتبية تقليدية.
الكثير من أنصار الترابي سينحازون إلى طرح الحكومة الذي لا يختصر الأزمة السودانية في شقي «الحركة الإسلامية» فينفتح على كل التيارات الإسلامية أولاً، قبل أن يفتح باب الحوار والمشاركة في الحكم للجميع بمختلف التوجهات والخلفيات.
لكن عدداً من أولئك الأنصار سيتحول إلى وقود للحرب في دارفور وسينتقل بعقيدته القتالية من الجهاد في سبيل الدين ضمن حرب الجنوب إلى قتال بهدف عصبي بعد إعادة ترتيب الولاءات ووضع أولوية للقبيلة، وهو الأمر الذي سيجعل أولئك «الإسلاميين» يتورطون في عدد من العمليات الإجرامية حتى وصل الانحدار ببعضهم حد أن يصبح مرتزقاً بيد القذافي والمجموعات التي تلته في ليبيا، أو أن يشارك في أحداث جنوب السودان بحثاً عن نصرة وتمويل. المشروع الإسلامي الذي أراد بناء ولاء على أساس رابطة جديدة لم يعد مجدياً، على الأقل بالنسبة لأولئك الذين سرعان ما عادوا للانحياز إلى القبيلة والهوية الجهوية والإقليمية.
في لحظة غضب وانفعال طالب الترابي الرئيس البشير بتسليم نفسه للمحكمة الجنائية. الشيخ الذي أسس كياناً عربياً وإسلامياً يضم شخصيات وجماعات من جميع أنحاء العالم للوقوف في وجه النظام العالمي المتغطرس، كان يشبّه الأمم المتحدة والتعاقد معها بصلح الحديبية الملزم والذي يجوز، بل يجب التحاكم إليه. المفارقات لا تنتهي والتناقضات كذلك ويصعب أن يحيط بها مقال واحد أو حتى كتاب. قد يقول قائل هنا أنه من غير المنصف تحميل الرجل وزر كل ما حدث ويحدث للسودان وهذا صحيح بلاشك، لكنني أقول إن من غير الإنصاف أيضاً وصف الرجل بأنه مجرد مفكر أو فيلسوف لا علاقة له بالواقع السياسي.
كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية