الإسلاميون إرهابيون… معادلة لم تسقط بعد في تونس

حجم الخط
10

تحقيق تلفزيوني ظهر في الذكرى الاولى لحادثة متحف باردو وخلص إلى نتيجة قد تصدم الكثيرين.
في التحقيق الذي بثته قناة فضائية خاصة في تونس، صورت صحافية بكاميرا سرية محاولتها دخول بعض الوزارات والمؤسسات الرسمية ومراكز التسوق، وهي تضع حقيبة ظهر شبيهة بتلك التي حملها بعض الذين نفذوا في السابق عمليات تفجير، وكيف أنها لم تخضع للتفتيش، حتى في بعض الحالات لمجرد السؤال عن هويتها والغاية من قدومها، ما ثبت بشكل عملي وملموس أن هناك خللا وتقصيرا جليا في اجراءات الامن داخل تلك المقار، رغم كل الضربات والعمليات الارهابية التي تعرضت لها تونس في الشهور والسنوات الاخيرة. وبالطبع كانت اراء وتعليقات الضيوف الذين حضروا برنامجا حواريا، بث خلاله التقرير شديدة التنوع والتضارب فهناك من فسر الخلل بنقص في التجهيزات والمعدات والتمويلات اللازمة، وهناك من اعتبر الامر تراخيا غير مبرر، بل أن هناك ايضا من ارجع الموضوع برمته إلى مسألة قد لا تخطر على البال، وهي انه لا وجود اصلا في «ثقافة التونسيين»، كما قال لما قد يوحي أو يحيل إلى فرضية أن تقوم امرأة يوما ما بتفجير أو بعمل إرهابي، ما يجعل من إخضاع النساء بوجه عام إلى مثل ذلك الإجراء الأمني أمرا غير شائع أو متداول بكثرة.
كل تلك الاختلافات والتناقضات عكست حقيقة واحدة وهي أن تونس لم تستطع إلى الآن أن تفك شيفرة طاعون الارهاب الذي ضرب تجربة انتقالها الديمقراطي واصابها بالانتكاس والوهن، وجعلها تصارع لأجل البقاء على قيد الحياة. هل ترعرع ذلك الطاعون لنقص في الإجراءات الأمنية؟ أم لوجود حاضنة شعبية تتغذى من البؤس والفقر المتمدد في أكثر من مكان كانت الداعم الاساسي له؟ أم لانه وجد سندا سياسيا وحتى دينيا من الداخل والخارج يشد أزره ويقوى شوكته؟ هذا ما ينقسم التونسيون حوله ولا يملكون بشأنه أجوبة حاسمة ودقيقة. وقد يكون السبب في ذلك أنهم كما قال الرئيس الباجي قائد السبسي اكثر من مرة لم يعرفوا الارهاب ولا جربوه او خبروه في السابق. ولكن ذلك المبرر لا يكفي لفهم كل تلك الانقسامات التي يمكن رؤيتها وتحسسها بسهولة داخل الشارع التونسي، وفي صفوف النخبة والطبقة السياسية التي عجزت، رغم كل نجاحاتها السياسية اللافتة عن الاتفاق حتى على موعد او برنامج لمؤتمر وطني يضع ملامح خطة تحظى باجماع كل التيارات والاحزاب، حول كيفية التصدي لطاعون الارهاب ومقاومته.
لماذا يحصل ذلك في وقت يقول فيه الجميع بلا استثناء إنهم ضد الارهاب وإنهم يرغبون بمحاربته واجتثاثه بشكل تام ونهائي؟
العقبة الكبرى هي أن التونسيين لا يقفون صفا واحدا في مواجهة عدو لدود يهدد بنسف تجربتهم والقضاء على تماسك دولتهم ووحدتها. لقد كانت مشاهد العملية الاخيرة التي حصلت في بلدة بن قردان جنوب البلاد فاصلا بالغ الدلالة والاهمية، بدا للكثيرين غريبا وخارجا عن المألوف. ولم يكن اللافت فيها فقط حالة التوحد غير المسبوق للأهالي مع قوات الشرطة والجيش في مواجهة مسلحين كان اغلبهم من سكان البلدة نفسها، بل تبدد هواجس ظلت تتردد همسا وحتى علنا حول تواطؤ الجنوبيين ضد الدولة وتعاطفهم مع التيارات التي ترفع شعارات اسلامية وتستهدف وحدة بلدهم وأمنه واستقراره. سقطت كل تلك المخاوف والهواجس التي ظل الإعلام المحلي يؤججها ويغذيها قبل وبعد الفرز الذي اظهرته الانتخابات الاخيرة التي برز فيها بشكل واضح حجم الاكتساح الكبير لحزب حركة النهضة للاغلبية الساحقة من الدوائر الانتخابية في الجنوب، ولكن الذي لم يسقط بعد هو تلك الشكوك القديمة في وطنية الاسلاميين وانتمائهم وفي انهم يدعمون ويسندون بشكل سري وغير معلن كل العمليات الارهابية التي حصلت وستحصل، رغم كل الشعارات والاعلانات التي يرددونها باستمرار حول رفضهم للعنف وتمسكهم بالديمقراطية والدولة المدنية. وحتى في قصة بن قردان البطولية كان لابد من البحث عن متواطئين وداعمين سريين للمسلحين، ولم يكن هناك بالطبع افضل من الاسلاميين المعتدلين، الذين يشاركون الان في السلطة حتى توجه نحوهم سهام الاتهام. ولاجل ذلك اختار المهاجمون هدفهم بدقة شديدة فقد روجوا في بعض مواقع التواصل الاجتماعي خبر ايقاف احد النواب المنتمين لحركة النهضة في مجلس نواب الشعب، وهو من ابناء بن قردان داخل ثكنة عسكرية في البلدة، خلال المواجهات الاخيرة وذلك بتهمة التورط في دعم الارهابيين وقدموا دليلا على ذلك التورط تمثل في أن النائب ضبط حاملا لهاتف ثريا، ورغم بيانات النفي التي صدرت عن البرلماني وحزبه، فقد حقق تناقل الخبر الكاذب في وسائل الاعلام المحلية بعضا من غاياته، وهي العمل على أن تظل المعادلة التي يستوي فيها كل الاسلاميين بلا استثناء ويسقط من خلالها أي تمايز أو اختلاف بين السلمي والمعتدل منهم والخارج عن القانون والمتمرد على الدولة، راسخة وباقية في عقول وافئدة التونسيين . ولم يكن غريبا أن يكتب رئيس تحرير صحيفة «المغرب» المحلية مقالا تحت عنوان « سؤال يطرحه العديد من التونسيين، هل يمكن أن نثق في حركة النهضة في حربنا على الارهاب؟»، قبل أن يخلص بعد تشريح مساؤى واخطاء التجربة القصيرة التي امضوها في الحكم إلى أن ذلك غير ممكن مادامت لم تقدم كما قال الكاتب على «خطوة النقد الذاتي الجريء والمصالحة الفعلية مع المجتمع التونسي». وما يعنيه ذلك ببساطة هو انه مهما كان موقع الاسلاميين أو كانت مواقفهم فانهم يظلون على حد وصف صاحب المقال «على هامش الوحدة الوطنية». كل الاسلاميين اذن في سلة واحدة تجمع المتشدد بالمعتدل والسلمي بالعنيف والجاهل بالمتعلم، والسبب الواضح لذلك هو أن تونس لا تتسع للاختلاف والتنوع ولا تقبل حتى الان أن يكون هناك دور لما يسمى بـ»الاسلام السياسي» في رسم حاضر البلد أو المشاركة والاسهام في تقرير مستقبل ابنائه. لقد وضعت تلك الحدود ورسمت بدقة منذ ستين عاما وما تغير الان أن الدولة التي حصنت نفسها وبنت اسوارا عالية ونسجت خرافات واكاذيب حول انفتاحها على كل ابنائها على اختلاف وتعدد آرائهم وافكارهم، بدأت تجرب طرقا جديدة في الاحتواء وترمي مع العصا الغليظة بعضا من الجزر المغشوش والفاسد، لاغراء الاعداء والخصوم بصفاء نيتها في قبولهم ماداموا ملتزمين بدستورها وقوانينها. ولكن الواقع اثبت أن ذلك لم يعد كافيا، وأن المطلوب قد تجاوز القبول بالسقف الدستوري والقانوني إلى الدعوة لتغيير الجلود والانفصال النهائي والبات عن المرجعية العربية والاسلامية تحت مسمى» التونسة». وذلك هو المقصود في النهاية «بالنقد الذاتي والمصالحة مع المجتمع التونسي»، وكأن حفاظ الاسلاميين المعتدلين وتمسكهم بهوية البلد صار جريمة تتطلب التوبة والاعتذار، وهذا ما يؤكد مرة اخرى أن هناك ازمة نفسية وثقافية حادة بدأت زمن الاستبداد وتستمر حتى الان في تونس، وتخص تصور التونسيين لعلاقتهم بالدولة والدين وفهمهم واستيعابهم لهوية ظلت طوال ستين عاما مجرد فلكلور شعبي وطقوس كرنفالية لا طعم لها ولا روح. والاخطر من كل ذلك أن الذين يضعون تلك الشروط النازية الصارمة ويرغبون بان يكون الاسلام بعيدا عن السياسة، لا ينتبهون إلى أن الحرب على الارهاب تقتضى على العكس وجود اسلام قوي ومستنير يسحب البساط من تحت اقدام المجانين الذين يشعلون الحرائق على اليمين والشمال باسمه. أما متى يستوعب التونسيون ذلك وتفهم تونس أن معادلة «كل إسلامي إرهابي» هي معادلة فيزيائية لا بد أن تخضع لمنطق وقانون النسبية، فالمؤكد أن ذلك لن يكون غدا وسيأخذ وقتا اطول مما قد تأخذه اشياء اخرى، قد يكون من بينها سد الثغرات الامنية التي كشفها التحقيق التلفزيوني الصادم.
كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية