(إلى أبي رحمه الله) عبر المسافة الفاصلة بين مفرق طريق حمص وبين قريتنا ((تيرمعله)) وفي سكون الليل الحمصي الطري حكّ موتور الــ(سمبسون) عجلاته بالإسفلت كما يحك حصان ظهره بلحاء شجرة هرمة. عذّب النسيم العليل المشبع برائحة العشب البريّ والمحاصيل المنقوشة على بساط الأرض المروية قلب أبي فصدح بأبيات ال الفراتي الحزين: ‘بجفاك دمع الحزن فوك الوجن ساري’. ôôô.ôتسرب الصوت في أوردة الليل الواجد، وصاح عمي (أبو أيمن) الذي كان يتولى القيادة:’ آآآآآآه ه ه ه ‘ وأرخى قبضته عن حاقن البنزين فتنفست الدراجة النارية الصعداء و أخفضت ضجيجها تاركة لل السبق في صعود المرتفع الذي لاح لركابها في ضوء القمر الشاحب. نكأ ال جرح الحارس المتكور على نفسه عند بوابة الفرقة العسكرية. انتفض كعصفور ونفث دخان التبغ عبر فتحتي أنفه بنزق. وحين صارت الدراجة النارية قبالته أشهر الجندي بارودته مستوقفا ركابها بأمر عسكري: ‘قـــــــــــف’. ألقم الجندي بارودته رصاصة فرنّ المعدن الصلب بوجع عميق. وأقسم الجندي اللاهث كثور إنه سيشعل الليل بالـ (فشك) مالم يسمعه أبي مزيدا من ال قبل أن يمضي هو وصديقه في سبيلهما. صدح الصوت البدوي الحزين مجددا:” شالوا على مكحول مدري ضعنهم وين…………..’. تلوّت أشجار السرو العالية خلف الجندي ومدت أعناقها فوق المسافات نحو الفرات والجزيرة السورية البعيدة. شدَّ الجندي من لفافة التبغ نفسا عميقا وشدّت مسامعه الصوت الشجي بظمأ البوادي حتى لامس لؤلؤة قلبه، فتقهقرت قامته المترنحة إلى غرفة حراسة ضيقة واقفة كتابوت مفتوح وذابت البارودة بين يديه بصمت. وحدها تلك البارودة لم تقتل أحدا من قريتي بعد ذلك أبدا.
*كاتب من سورية
*ال: من أعذب ألوان الأشعار الشعبية في البادية السورية والعراق.