العنف لا يؤدي إلا للعنف… والحرب لا تحسم

حجم الخط
0

العنف لا يحسم الصراعات إلا بالافراط في استخدامه والحاق الضرر الواسع بالانسانية. هذا ما تؤكده امور عديدة: اولها ان الحربين العالميتين الاولى والثانية حصدتا ارواح عشرات الملايين من البشر قبل ان تنتهيا ويستسلم الطرف الآخر.

الثاني: ان الحسم العسكري قد يتحقق ولكن بشرط التباين الكبير جدا في موازين القوى العسكرية، وهنا قد تحسم المعركة ولكن تبقى المشكلة التي نشأ الصراع بسببها. هذا ما حدث مع «القاعدة» و«طالبان» اللتين ضربتا عسكريا ولكنهما بقيتا تهددان امن الغرب بشكل خاص.

الثالث: ان العمل العسكري قد يكون هو الخيار الاول لمواجهة الطرف الآخر إذا كان هذا الآخر مصرا على استخدام العنف وبدون مطالب سياسية واضحة، وهذا ما يحدث مع التنظيمات الإرهابية مثل داعش.

الرابع: ان الصراعات الحالية في الشرق الاوسط ليست من النوع التي يمكن ان تحسم في ميادين القتال، بل تتطلب مهارات سياسية ومرونة في التعاطي مع الطرف الآخر، ايا كان شكله او هويته.

الخامس: ان العالم العربي اليوم يعاني من غياب القيادة السياسية القادرة على التصدي للازمات التي تعصف ببلدانه وشعوبه. فالجامعة العربية أصبحت أداة طيعة لانظمة حكم غير قادرة على ممارسة القيادة وفق معايير الزمن ومتطلبات الشعوب. ولذلك غاب التضامن والعمل المشترك، وانتقلت عدوى الاستبداد القطري إلى المنظمات القومية والقطرية. فما من تحالف يضم اطرافا عربية إلا واصبح ساحة لفرض الهيمنة من الاطراف القوية، هذا هو شأن الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص. ومن اسباب ذلك عدم وجود تكافؤ في امكانات الدول المشاركة في تلك التحالفات، وبالتالي اصبح القطب القوي قادرا على فرض هيمنته السياسية مستخدما امكاناته المالية بشكل اساسي، وليس بالايديولوجيا السياسية او الدينية. وكان من نتيجة ذلك غياب التوافق الحقيقي المؤسس على القناعات ضمن هذه التحالفات. ويلاحظ غياب امور عملية ثلاثة عن هذه التحالفات: الاول: غياب حرية الحوار السياسي المؤسس على القناعات، الثاني: الفشل في القيام باية مبادرات جماعية للاصلاح على اي من الصعدان: سواء بين الانظمة نفسها ام بينها وشعوبها. حتى غاب مفهوم «المساعي الحميدة» من القاموس السياسي العربي. الثالث: عدم القدرة على تشكل قوات ردع على غرار «قوات الردع العربية» التي تشكلت قبل اربعين عاما للتعاطي مع الحرب الاهلية في لبنان، الامر الذي جعل العالم العربي معتمدا على الخارج لحل ازماته. الرابع: تغير المزاج الشعبي لدى الشعوب العربية بعيدا عن روح التحرر والاستقلال والشعور بالانتماء والهوية. فبعد تجربة حربي الخليج الاولى والثانية، لم يعد هناك تحسس ازاء التدخلات الأمريكية في المنطقة، بعد ان كان التعاطي مع الولايات المتحدة يدين من يفعله بالعمالة والسقوط باحضان الامبريالية. كما تضاءلت الحساسية ازاء «اسرائيل» فلم يعد التعامل او محاولات التطبيع معها جرما او خيانة للقضية الفلسطينية. ويمكن القول ان ثورة إيران الإسلامية كانت فاصلا بين عهدين: اولهما حقبة الوعي والتضامن العربي وانطلاق الصحوة الإسلامية والتشبث بقيم الحرية ووحدة الامة والتعايش بين الشعوب مع تباين انتماءات مكوناتها العرقية والدينية والمذهبية، والحقبة الحالية التي اصبح هذا العالم فيه يعاني من تغول مشاعر الانتماء الضيقة التي تؤسس للانفصال والتقسيم والمزيد من تمزق الأمة.

ومع الحاجة للاسهاب بشرح هذه المفاهيم، وعدم امكان ذلك، يمكن اعتبار خطاب الرئيس الأمريكي «باراك اوباما» الاسبوع الماضي تعبيرا موازيا عن مضمون السجال المذكور. فالشرق الاوسط اليوم يخرج تدريجيا من حقبة الهيمنة الأمريكية التي كانت بداياتها سياسة «اصطحاب السفن» في العام الاخير من الحرب العراقية ـ الإيرانية، عندما استعان مجلس التعاون الخليجي بالأمريكيين لارسال بارجاتهم العسكرية لمصاحبة سفن النفط الكويتية اثناء ابحارها في الخليج حتى خروجها من مضيق هرمز. لم تحدث ضجة كبيرة على الصعيد الشعبي ضد استقدام القوات البحرية الأمريكية على نطاق واسع. ومع ان قدرا من الاحتجاج تبلور في بداية التسعينات عندما جيء بالقوات المتعددة الجنسية لاخراج القوات العراقية من الكويت، إلا ان المسار الايديولوجي والثقافي العام كان يتجه نحو امكان التعايش مع القطب الأمريكي خصوصا بعد ان تلاشى الاتحاد السوفييتي.

اليوم تعيش المنطقة صراعات مسلحة، تغيب عنهأ الحكمة ولا توجد محاولات عربية جادة لاحتوائها سواء عن طريق لجان «المساعي الحميدة» ام  قوات الردع العربية ام ضمن اطر «الدفاع المشترك». وكان من نتيجة ذلك توسع دوائر الصراع ليبلغ ذراه ويستدعي الاستنجاد بالغرب لاطفاء النيران. وتظهر تجارب المنطقة ان التفاوض والحوار من اهم طرق احتواء الازمات السياسية. فمثلا بعد ان انهك الاقتتال الداخلي كافة اطراف الصراع في ليبيا ادرك العقلاء ضرورة التوصل لاتفاق شامل يوقف نزف الدم ويجمع الفرقاء على طاولة التفاوض، وبعد اجتماعات متواصلة في المغرب تم تشكيل ما اطلق عليه «حكومة الوحدة» بدعم من الأمم المتحدة. ولولا تدخل بعض الدول العربية بتقديم الدعم العسكري لهذا الطرف او ذاك لكان ممكنا التوصل لمثل هذه الصيغة سابقا، وقطع الطريق على التطرف والإرهاب. هنا يتضح بوضوح استحالة حسم القضية بالعنف والإرهاب، وامكان انهائها بالتوافق والتفاهم. هذا لا يعني نهاية المشكلة الليبية، اذ ما تزال اطراف خارجية تعبث بامن البلاد، بينما يسعى اعداء الامة لتفتيت ذلك البلد وتقسيمه إلى ثلاث دويلات. وقد اصبح تقسيم الدول العربية الكبرى مثل العراق وسوريا ومصر هدفا لاطراف ترى في التمزق وسيلة لخدمة اهدافها، اما بالتوسع او الهيمنة السياسية او منع قيام ثورات ضدها. المثال الليبي يجد الآن له اصداء في الوضع السوري. فربما كان تدخل الروس عاملا لاضعاف المجموعات الإرهابية خصوصا داعش، ولكن الامر المؤكد ان قضية سوريا لا يمكن حسمها عسكريا، وان الحل لن يتحقق إلا بجلوس الفرقاء السياسيين على طاولة المفاوضات والتوصل إلى صيغة سياسية تحقق قدرا من مطالب الشعب بالاصلاح والتعددية والحرية، وتمنع سقوط الدولة بشكل كامل. وقال المبعوث الخاص للامم المتحدة في سوريا، ستافان دي مستورا ان الحكومة قدمت بالفعل ورقة مبادئ من ثماني نقاط «لكن ما نحتاج أن نفعل هو البدء في الحديث عن الانتقال السياسي وما الذي تراه الحكومة في هذا الشأن انتقالا سياسيا ممكنا». مع ذلك ستبقى سوريا معرضة للمزيد من اعمال الإرهاب لان المجموعات المتطرفة ليست طرفا في الاتفاق المزمع، ولم تدع إلى مفاوضات جنيف. ويدرك الغربيون ان استمرار الازمة السورية يمثل تهديدا لهم لامور عديدة: اولها ان ذلك يساهم في تقوية المجموعات الإرهابية وتوسع رقعة عملها، ثانيها: انه يؤدي لتصاعد اعداد اللاجئين والمهاجرين، وهو التحدي الاكبر لأوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية