تتميز الواقعية السياسية بالفطنة وغياب التصورات المبالغ فيها فيما يتعلق بالعالم الذي نعيش فيه، وتزعم أنها تعرف طبيعة العدو أو الخصم الذي تتم مواجهته. هذا الزعم عادة يكون كاذبا لأنه عندما يصيب احيانا الحقيقة، فانها تسعى عادة إلى تبرير سياسة ضيقة الأفق والدفاع عن ايديولوجيا منغلقة أو ضمان استمرار واقع مشوه ومرفوض. ليست الحقيقة عن العالم أو العدو هي التي ترشد اصحاب الواقعية السياسية، بل الرغبة في الحفاظ على الوضع القائم الذي يتمتعون منه حتى الآن.
«الواقعية» من هذا النوع ميزت سلوك الشعب اليهودي منذ ايام الهيكل الثاني على الأقل. حيث قيل في حينه إن «عيسوه يكره يعقوب». أي العالم الغير يهودي يكره اليهود لكونهم يهودا ويريد القضاء عليهم. هذا القول يسعى قبل كل شيء إلى الدفاع عن اليهودية من الثقافة الهيلينية الرومانية. وقد تحصن اليهود من وراء هذا القول طوال فترة الشتات وعفوا أنفسهم من مراجعة النفس. لأن المراجعة كانت ستلزمهم باحداث تغييرات بعيدة المدى في العلاقة مع غير اليهود.
هكذا أصبح اليهود يكرهون الاغيار. لأنهم يؤمنون أن الاغيار يكرهونهم. والاغيار بالفعل يكرهون اليهود لأن اليهود يكرهون الاغيار. في الحاصل العام، تسببت الواقعية بخسارة كبيرة لليهود على مر الاجيال ووضعتهم في مكان حقير على هامش التاريخ. سلوك إسرائيل تجاه الفلسطينيين ايضا فيه نهج «واقعي» كاذب كهذا. لا يوجد شريك في الطرف الفلسطيني، يدعي ويكرر رئيس الحكومة ويردد ذلك من ورائه رئيس المعارضة. لكن الحقيقة هي أنه لا يوجد شريك كهذا في الطرف الإسرائيلي. والحديث عن غياب الشريك الفلسطيني في عملية السلام يهدف إلى تشويش حقيقة أن إسرائيل لا تريد السلام.
إسرائيل كانت فعليا تريد السلام عشية حرب الاستقلال. وعندما اتضحت نتائج الحرب تلاشى هذا الامر. وقد فضلت إسرائيل في حينه اتفاق وقف اطلاق النار أكثر من السلام. لأن السلام كان مقرونا بتقديم تنازلات عن انجازات الحرب. وحسب رأي إسرائيل، فان اتفاق وقف اطلاق النار قد ضمن استمرار الوضع القائم الذي نشأ نتيجة الحرب. في تموز 1949 قال آبا ايبان لدافيد بن غوريون «أنا لا أرى ضرورة للجري وراء السلام. يكفينا وقف اطلاق النار… سننتظر بضع سنوات» («يوميات الحرب»، دافيد بن غوريون). القيادة الإسرائيلية لم يكن في استطاعتها بالطبع الاعلان عن ذلك بشكل صريح. وخلال فترة قصيرة تبلور جهاز دعاية وتمويه تحدث عن رغبة إسرائيل في السلام وبأن الدول العربية تستعد من اجل «جولة اخرى».
ومن سخرية القدر أن خوف إسرائيل تحول من جولة ثانية إلى حقيقة. ليس بسبب اشارات سابقة ظهرت في الجانب العربي بل بتأثير المنطق الواقعي الذي يقول إنه في ظل غياب التقدم في السلام، فان احتمال الحرب يزداد. لا سيما وأن العرب لم يسلموا بنتائج حرب 1948. الواقعيون يميلون إلى الدخول بشكل أسرع إلى الدائرة التي يضعونها بأنفسهم ويتعاملون مع المخاطر التي تنشأ نتيجة لذلك بجدية كبيرة وبالتزام كبير مطلوب منهم كمواقعيين.
أنماط تفكير الواقعية السياسية الإسرائيلية لم تتغير. الواقع المحيط عرف تغييرات كبيرة: الصراع مع المحيط العربي تقلص، دول عربية خرجت من المواجهة العنيفة، هناك خطة سلام مطروحة منذ 2011 وهي خطة سلام عربية ـ إذا بقينا وجها لوجه مع الفلسطينيين. كما طلب في حينه أكبر الواقعيين لدينا، موشيه ديان. وعندها، كالعادة، ينكشف الضعف الاساسي للواقعية السياسية: ليس هناك سيطرة على القوى التي تعمل في العالم الخارجي. والاسوأ من ذلك ـ لا توجد سيطرة على القوى والضغوط الداخلية لدينا. في إسرائيل اولئك الغرباء الذين يهذون، ورثة قوى الدوافع المسيحانية لليهودية التاريخية، والذين حصلوا على التشجيع والتأييد الكبيرين بالتحديد من الواقعية السياسية الإسرائيلية بأشكالها المختلفة. كل مشروع استيطاني في المناطق هو ثمرة ناضجة لذلك.
لم تكن أبدا للواقعية السياسية الإسرائيلية خطة سلام أو خطة تعايش منصفة مع الفلسطينيين، لا في اطار دولة واحدة ولا في اطار تقسيم لدولتين. الخطط التي يتم طرحها بين فينة واخرى من قبل سياسيين «واقعيين» هي خطط منتصف الطريق. هكذا كانت خطة الانفصال عن غزة لاريئيل شارون، الذي أراد رفع الضغط الدولي عن إسرائيل وضمان السيطرة الإسرائيلية في الضفة. وهكذا هي خطة هرتسوغ الجديدة، قائد المعسكر الصهيوني. والتي تهدف ايضا إلى تخفيف الضغط الدولي وضمان السيطرة الإسرائيلية على المستوطنات الكبيرة في الضفة.
النتيجة الفعلية الواضحة والوحيدة لخطة هرتسوغ ستكون زيادة البناء والتطوير في المستوطنات. ولكن مصير هذه الخطة أن تتلاشى لأنها غير مقبولة على المستوطنين وعلى احزاب اليمين، الذين يخافون دائما من الاسبقيات السلبية التي تحمل في ثناياها اسم السلام. هذه الخطة لا حاجة اليها. فهي لا تزيد ولا تنقص. إنها استمرار للسياسة القائمة. ويبدو أنها أقصى ما يمكن أخذه الآن من الواقعية السياسية الإسرائيلية.
هآرتس 23/3/2016
يغئال عيلام