القاهرة ـ «القدس العربي»: الرئيس السيسي يقول كلاماً رومانسياً حالماً ومخدرا للجماهير والنخب كافة، لكنه وفق معارضيه يترك أذرعته الأمنية ودولته البوليسية لممارسة أشد أنواع البطش بالمعارضين، والحجة التي يشهرها رجال الرئيس النافذون في ترسانته الإعلامية والأجهزة الأمنية أن «البلد مستهدف والمؤامرة عليه متعددة الأبعاد».
وقبل يومين أطلق السيسي أمام وفد من المثقفين، كما حالماً من عينة «أنا واحد منكم ولست فرعونا جديدا»، لكن الحقائق التي لا تخفى على أحد أن كل الشواهد تشير إلى أن الرجل الذي بات ممسكاً بتلابيب السلطة يدير دولته عبر نموذج سلطوي لم يعد له مثيل في معظم بقاع العالم. وفي لقاء الرئيس بالمثقفين قذف الروائي إبراهيم عبد المجيد حجرا في المياه الراكدة، ودفع زملائه للتخلص من عقدة الخوف، حينما قدم للسيسي مجموعة من الحقائق المفزعة التي تكشف عن أنه يقود نظاما قمعيا بامتياز، عبر سجن الأطفال والتنكيل بالراغبين في رفع لواء الحرية، والداعين لبناء دولة مدنية، ورموز ثورة يناير/كانون الثاني، الذين طردوا الديكتاتور المستبد مبارك خارج القصر، وبالتالي سقطت مزاعم طالما روجت لها آلة الرئيس الإعلامية، وفي مقدمتها أن مصر بصدد الوقوف على أعتاب الدول الأكثر تحضراً ومدنية. كما ضاع الحلم بدولة ترفل في النعيم وتباهي العالم وتحولت إلى كيان هزيل يخاف من الأطفال، ومن كلام أي معارض، لذا لم يجد الرئيس بديلا أمامه سوى بناء مزيد من السجون.. وقد حظيت صحف مصر أمس بالمزيد من المخاوف التي يحذر أصحابها من مستقبل معتم وتراجع في مساحة الحريات وزيادة منسوب الخوف الجماعي وإلى التفاصيل:
إبراهيم مجيد: لا بد من تعديل القوانين
أكد الكاتب والروائي إبراهيم عبد المجيد على أنه غير مهتم بإرجاع الفضل له في إطلاق سراح محمود محمد – معتقل التي شيرت – قائلا: «إن ما يهمه هو خروج الشاب بالفعل. وأضاف عبد المجيد، أنه انفعل أثناء جلوسه مع الرئيس السيسي في اجتماعه بالمثقفين، إذ كيف لدولة عمرها سبعة آلاف سنة، كما يقال، تسعد بحبس شاب صغير بسبب «تي شيرت» مكتوب عليه وطن بلا تعذيب ماذا كان يمكن أن يحدث لو كتب وطن كله تعذيب؟ وقال عبد المجيد في تدوينة عرفت طريقها لصحف منها «اليوم السابع»: أولا أشكر كل من أثنى على العبد الفقير إلى الله وأشكر كل من فرح لإخلاء سبيل محمود محمد. وأضاف: شخصيا لم أكن سأتحدث، وهذه ليست أول مرة أتحدث عن المعتقلين في مقالاتي وفي لقائي منذ عام مع الرئيس وبعض المثقفين أيضا. عرفت في ما بعد أنه كانت هناك جلسة في المحكمة بعد لقائنا بكثير، وأن القرار بالإفراج بكفالة قد صدر ولست مهتما أن يكون لكلامي تأثير أو لا، المهم أن محمود محمد أخلي سبيله، وإذا كان من حقي أن أتحدث عما قلت فهو لم يختلف وأخذت محمود محمد مثالا… وحكيت قصته وكيف تعلم الرسم في السجن؟ وكيف صارت الآن عظام قدمه تتآكل؟ وقلت للرئيس كيف ندافع عن وطن يفعل هذا في أبنائه نحن عاجزون عن الدفاع عن وطننا بسبب هذه الاعتقالات، ولا يمكن أن نكذب على الناس في الخارج لأنهم يعرفون كل شيء… لابد من تعديل القوانين».
سجنوه بسبب «تي شيرت»
ونبقى مع الطفل المعتقل، حيث قال طارق محمد، شقيق المتهم محمود محمد الشهير بـ«معتقل التي شيرت»، إن قرار إخلاء سبيل شقيقه تأخر لمدة شهرين؛ نظرًا لانتهاء مدة الحبس الاحتياطي المحددة قانونا، وبحسب «الشروق» أضاف أن شقيقه ألقي القبض عليه أثناء عودته إلى المنزل؛ بسبب ارتدائه تي شيرت مكتوبا عليه «وطن بلا تعذيب»، متابعا: حتى الآن لا نعلم إن كانت النيابة ستستأنف على قرار القاضي، ولا أتمنى أن يحبس أخي يوما آخر. وأكد بحسب تصريحات تلفزيونية، على أنه حتى الآن لم يتم الإفراج عن شقيقه، رغم الحكم الصادر من المحكمة صباح اليوم، مطالبا السلطات الأمنية بالنظر في شأن المحبوسين احتياطيا بتهمة التظاهر أو الانتماء لجماعة إرهابية. وقررت محكمة جنايات القاهرة إخلاء سبيل محمود محمد الشهير بـ»معتقل التي شيرت»، وإسلام طلعت بكفالة ألف جنيه لكل منهما.
وكانت الأجهزة الأمنية قد سارعت إلى القبض على الطفل عقب أحداث 25 يناير/كانون الثاني من العام قبل الماضي، و«بحوزته لافتات تحريضية و«تي شيرت» مكتوبا عليه عبارات ضد أجهزة الدولة، لاتهامه بالتظاهر وإثارة الشغب هو وآخرين، بحسب بيان للأجهزة الأمنية».
على الرئيس أن يعتذر للبرادعي
البرادعي الذي تعرض للإهانة من قبل المحكمة المصرية خلال الأيام الماضية ليس خائناً، «الخائن وفقاً لمفهوم محمد السيد صالح في «المصري اليوم»، هو الجاسوس أو العميل أو المحارب لوطنه وشعبه وأهله.. البرادعي ليس كذلك، بل هو تحمل الكثير من أجل نصرة ثورة 30 يونيو/حزيران، بل إنني أجزم أن خروج البرادعي على نظام الإخوان وعلى الرئيس الأسبق مرسي قاد وراءه الجزء الأكبر من التيار الليبرالي.
تبدل رأي الرجل بعد ذلك بسبب الدماء التي سالت في «رابعة» و«النهضة»- مثله في ذلك مثل مصريين كثيرين. ويؤمن الكاتب بأن ما حدث في «رابعة» جريمة، وأن السيسي ما كان ينبغي أن يمر عليها. كان من المفترض أن يفتح ملفها بشفافية، وأن يحاسب المتجاوزين في دماء المصريين. ويؤكد أن البرادعي له حيثية دولية وصوت مسموع، بل إنه المسؤول الأبرز الذي قال كلمة حق ضد الولايات المتحدة، ولم ينسق وراء الادعاءات بوجود سلاح نووي في العراق. لذلك، فإن حذف اسمه من مقررات وزارة التربية والتعليم جريمة، بل هو خطأ سياسي لا يطال فاعله فقط، وهو هنا وزارة التربية والتعليم، وعلى رأسها وزير التربية والتعليم، بل مسؤول عن ذلك رئيس الحكومة.. بل رئيس الجمهورية، لذلك فإن الكاتب يرى الفرصة سانحة ومهيأة أمام الرئيس لأن يتخذ إجراءين فقط، أولهما إقالة وزير التربية والتعليم، ويكون القرار هنا بمرجعية سياسية، فالسبب هنا تزوير التاريخ والواقع، وليس لأخطاء الرجل المهنية والإدارية.
أما الإجراء الثاني، الذي يدعو صالح الرئيس السيسي لاتخاذه، فهو الاعتذار للبرادعي عن هذا الخطأ، مؤكداً أنه في حاجة ألا يتحمل أوزار غيره حتى لو كانوا من أخلص رجاله.. الأخطاء تتزايد.. والتحديات التي تواجهنا تتفاقم.. والرئيس يحتاج إلى مزيد من الأصدقاء.. وعلى الأقل تحييد الأعداء والمعارضين».
غضب السيناوية مشروع
صارت سيناء لغزا، فدماء رجال الجيش والشرطة التي تسيل غزيرة هناك منذ سنتين تصدمنا، ومعاناة أهلنا هناك وعذاباتهم جراء الصراع الذي ليسوا طرفا فيه تستنفر فينا مشاعر الحزن والقلق. كما يشير فهمي هويدي في «الشروق»: «رغم التصريحات المستمرة عن تطهير سيناء و«تصفية» التفكيريين والقضاء على البؤر الإرهابية، واستخدام أحدث الأسلحة في الرصد والمتابعة وإجهاض المخططات، إلا أن المعلومات المسربة من سيناء تتحدث عن تزايد أعداد المنضمين إلى تنظيم «داعش»، كما تشير إلى حصولهم على أسلحة متقدمة، أحدثها صاروخ «الكورنيت» الروسي الموجه حراريا، الذي يستهدف الدبابات والمدرعات. إذا صحت هذه المعلومات فمعنى ذلك، كما يرى هويدي، أن ثمة شيئا غير مفهوم في المشهد يحتاج إلى إيضاح وتفسير، كما أن ثمة ثغرات في المواجهة ينبغي أن تعالج وأخرى في السياسات بحاجة لأن تصوب. يضيف الكاتب: يوم السبت الماضي 19/3أذيع تصريح منسوب إلى مركز الإعلام الأمني في وزارة الداخلية، ذكر أن قذيفة هاون أطلقت على كمين الصفا في دائرة قسم ثالث العريش، الأمر الذي أسفر عن استشهاد 13 من رجال الشرطة بينهم ضابطان، وأن الأجهزة الأمنية تقوم بتمشيط موقع الحادث، وفي وقت لاحق أعلنت الداخلية قائمة بأسماء «شهدائها الأبرار» ضمت 15 شخصا، ثم أعلن بعد ذلك أن ضابطا وجنديين مفقودون. الأمر الذي يعني أن ضحايا الهجوم الإرهابي كانوا 18 من رجال الشرطة على الأقل. في الوقت ذاته تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي صورا للهجوم قدمت رواية أخرى لما جرى. وأثار انتباهى في البيان الذي أصدره الإرهابيون الذين ينسبون أنفسهم إلى «ولاية سيناء»، أن الهجوم بمثابة رد على الاعتداء على كرامة نساء العريش وإهانتهن. ورغم أن استهدافهم لمواقع الشرطة والجيش يمثل سياسة ثابتة لديهم ولا تحتاج إلى تبرير، إلا أن الكاتب حاول أن يتحقق من الذريعة التي أوردوها. فاكتشف أن النساء هناك يتعرضون للتحرش من قبل بعض عناصر الأمن بحجة الخوف من حملهن أحزمة ناسفة، وهو ما تسبب في غضب واسع بين المواطنين».
الوهم لا يغني عن الأمل
ونتحول نحو خائف آخر على مستقبل الوطن، ففي «الشروق» أكد عبد الله السناوي على أنه: «لا يمكن تجاوز تلال المشكلات المستعصية بلا توافقات عامة، تدرك طبيعتها وأسبابها وسبل مواجهتها، مؤكداً أن الاعتراف بالأزمة خطوة أولى في بناء التوافقات الممكنة، وإدراك خطورتها على المستقبل المصري خطوة ثانية لتجنب أي انزلاق إلى المجهول، والانفتاح على كل رأي بلا إقصاء خطوة ثالثة على قاعدة «الشرعية الدستورية»، وتصويب الخلل العام خطوة أخيرة تستلزم إجراءات تبث الثقة في مجتمع محبط. ويرى الكاتب أن التوجه الرئاسي لجولات متتابعة من الحوار الوطني خطوة صحيحة في توقيتها وأهدافها بالنظر إلى أحجام التحديات والمخاطر. وشدد السناوي على أن التوافق الوطني بوليصة تأمين سياسية ضد أي مخاطر محدقة تهدد البلد في مستقبله.. بلا توافق فإن كل السيناريوهات مفتوحة على الخطر، وبلا بوصلة فإن مصير البلد معلق على مجهول. الحوار بذاته يرفع منسوب الأمل في بلد لا يحتمل إخفاقا جديدا. مؤكداً أن هناك فارق بين الأمل والوهم. الأول، رهاناته تستدعي إجراءات تصلح ما تهدم وتلهم التغيير. والثاني، تحليق في الفراغ يستنزف مصداقيته بأسرع من أي توقع. ما تحتاجه مصر أن تقف على أرض صلبة، تحاور نفسها بجدية في كل الملفات الملغمة، تفتح المسام المسدودة وتصحح مواطن الخلل في السياسات والممارسات. وبحسب الكاتب فإن أهمية أي حوار وطني، هو في مدى استجابته لحقائق عصره في بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، مؤكداً أن مصر لا يمكن أن تعود للوراء ولا تحكم على الطرق القديمة ذاتها. من مهام أي حوار وطني جدي تثبيت الدولة وفق القواعد الدستورية، دولة قانون تحترم مواطنيها ولا تجور عليهم، تحارب الإرهاب ولا تسمح بأي ثغرات اجتماعية وسياسية تمكنه من أن يضرب ويتمدد ويهدد وجودها نفسه».
لماذا يرتعد الأمن من جثة؟
وفي محاولة للتأكيد على براءة مصر من دم الشاب الإيطالي، قال حلمي النمنم وزير الثقافة في «المصري اليوم»: «إن أجهزة الأمن المصرية تورطت في قتله، الأمور ليست بهذه البساطة، والأجهزة المصرية ليست بهذه الفجاجة والبلاهة، فضلاً عن أنه لا يوجد مبرر لدى الأجهزة المصرية لذلك، شاب يُعد رسالة علمية ويريد أن ينتقد الأوضاع السياسية في مصر، ويسعى لإجراء مقابلات شخصية مع مواطنين يساندون ويدعمون رأيه، هناك عشرات الدارسين المصريين يفعلون أكثر من ذلك في رسائلهم العلمية، لكن هذه الرسائل توضع على رفوف المكتبات، وبعضها ينشر في كتب، والنقد الشديد واضح فيها، أما الدارسون الأجانب، فهم غالباً ينطلقون من خلفيات ثقافية وفكرية تقودهم حتماً إلى توجيه كثير من الانتقادات للأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية المصرية، آخر ما قرأته في هذا الصدد قبل أسبوع، لباحثة أوروبية، عاشت في مصر سنوات الثمانينيات، ثم جاءت إلى مصر عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني وعقب ثورة 30 يونيو/حزيران، وتعلن استياءها أنه رغم ثورتين كبيرتين في مصر مازالت مصر ترفض منح المثليين جنسياًحقوقهم. هو إذا ليس حالة غريبة ولا حالة مخيفة، تستدعي من أجهزة الأمن أو الجهات القانونية التدخل ضده بأي شكل من الأشكال، من يقرأ الصحف المصرية خاصة الرسمية منها، يجدها مليئة بالانتقادات والمآخذ السياسية وبأسلوب بالغ الحدة في كثير من الأحيان. ولا يظن النمنم أن العملية تمت بهدف الانتقام، من ينتقم يقتل بسرعة وعنف ويخفي الجثة، لكن علامات التعذيب التي وجدت على جسد «باولو» تقول إن القاتل محترف، وإنه تعمد إبراز جوانب التعذيب ليلصقها بالأجهزة الرسمية، وإنه كان هناك تعمد إلقاء الجثة في الطريق العام، في ذكرى ثورة 25 يناير، هدف الفاعل أن ينقل رسالة سامة إلى الإيطاليين لضرب تحالفها مع مصر، ومن ثم الإضرار بسمعة مصر عالمياً».
أوفياء للسيسي ومبارك
في أعقاب لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بعدد من المثقفين، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صفحة قديمة من صحيفة «الأهرام» الحكومية تكشف علاقة كثير من المثقفين الذين حضروا لقاء السيسي بالرئيس المخلوع حسني مبارك. وأظهرت الصورة، بحسب «المصريون» مقالا للكاتب السيد ياسين، يشيد بلقاء مبارك مع المثقفين واصفًا إياه بأنه «حوار ثقافي فريد». بينما علق الكاتب الصحافي صلاح عيسى على لقاء المثقفين بمبارك قائلا: «الحوار بين رأس الدولة وعقل الأمة». وفي السياق نفسه كتب الكاتب الصحافي محمد سلماوي مقالا بعنوان «لقاء الثقافة والسياسية».. بينما علق الروائي يوسف القعيد قائلًا: «ماذا قال الرئيس؟ وأي تساؤلات طرحناها»، ويجمع كل هؤلاء على أنهم حضروا لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي أمس الذي يهدف لمعرفة آراء المثقفين في الأوضاع الحالية في البلاد».
هل يلقى الزند مصير المستبدين؟
لا تزال الحملة ضد وزير العدل المقال تتصاعد، السعيد الخميسي في «الشعب» هاجمه بضراوة: «لقد اعتدى من قبل حمزة البسيوني أحد أشهر زبانية التعذيب على الذات الإلهية بألفاظ يعف اللسان عن ذكرها، تقديسا وتأدبا مع مقام الإلوهية، وظن أن لن يقدر عليه أحد. ولم يمهله الله كثيرا فقد صدر الأمر الإلهي في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1971 صباح يوم العيد، بأن يكون هذا «الحمزة» عدو الله، عبرة لكل ظالم، حيث اصطدمت سيارته بشاحنة تجر وراءها أسياخ الحديد، فتدخل أسياخ الحديد في رقبته وجسده ليتحول جسده لقطع لحم متلاصقة لا تخرج إلا بفصل جسده عن رأسه، والأهم أنهم حاولوا أن يصلوا عليه في المسجد فترفض الجثة دخول المسجد ليدفن، من دون أن يصلوا عليه! واليوم يعيد الزند الكرة، ولكنها كرة خاسرة، فيتعدى بألفاظ نابية مفادها، أنه سيسجن النبي صلى الله عليه وسلم إن هو أخطأ، ولا يدري هذا الجاهل أن الله قال في حقه «والله يعصمك من الناس»، فلقد تعهد الله بعصمته وحفظه من المشركين والكفار واليهود ومن سار على دربهم من يهود المسلمين. كان أولى بهذا الزند أن يطبق العدالة على نفسه أولا فيحاكمها على ما نهبت وعلى ما اقترفت من ذنوب في حق الله وحق الأبرياء. لكن الله ختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله؟ تبا وسحقا لكل من تعدى على رسول الله صلى الله عليه وسلم . عذرا لك يا رسول الله ونبرأ من هؤلاء الأوغاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد».
الإرهاب لا حدود له
ضرب الإرهاب الأسود ضربته الجديدة في العاصمة البلجيكية، وكان واضحا أن القصد هو قتل أكبر عدد ممكن، سواء مستخدمي مترو الأنفاق أو المسافرين في مطار بروكسل، كما كان واضحا وفق لما يشير إليه جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون»: «أن الضربة هي رد فعل سريع على اعتقال القيادي الداعشي صلاح عبد السلام، المتهم الرئيسي في تفجيرات باريس، وفي كل الأحوال، كان الإرهاب الأسود سيخطط ويضرب، سواء اعتقل صلاح أو لم يعتقل، وأتت الفاجعة الجديدة لكي تذكر العالم بأن الخطر يتمدد ويتسرب في كل مكان، في آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومن قبل في أمريكا، ووصل إلى بلدان لم تكن تخطر على البال أن يطالها مثل بعض عواصم غرب ووسط أفريقيا. ما يحدث الآن من جرائم إرهابية مروعة يضعنا، كما يؤكد الكاتب، أمام حقيقة أننا بمواجهة «عولمة الإرهاب»، إن صح التعبير، وأصبح التحدي كبيرا ويستدعي ـ بالتالي ـ تفكيرا مختلفا في كيفية محاصرته وتقليص خطره، ثم تجفيف منابعه، تمهيدا لإنقاذ البشرية من شره، وبدون أدنى شك فإن ضربة بروكسل، ومن قبلها ضربة باريس، ومن قبلهما ضربة أنقره واسطنبول، تؤكد أن أحدا في العالم لم يعد بمنأى عن خطر الإرهاب، وأن دولة أو عاصمة لم تعد محصنة من خطر الإرهاب، وبالتالي تفرض نفسها حقيقة أن الجميع مدعوون للحوار الجاد والصريح والأمين، من أجل النظر في أسباب هذا الانفجار الإرهابي المذهل، وبالتالي في الأسلوب الذي يمكن به إنقاذ البشرية، كل البشرية منه».
شامت في بروكسل
على الرغم من التنديد الواسع في الصحف والفضائيات، بالحادث الإرهابي الآثم، إلا أن هناك من أعلن الشماتة في ما جرى، ومن هؤلاء محمود الكردوسي في «الوطن» بمناسبة هجمات بروكسل الإرهابية: «قبل أيام.. هجم البرلمان الأوروبي على مصر، متكئاً على حادث مقتل الإيطالي ريجيني. انفتح هوس حقوق الإنسان والتعذيب وكبت الحريات، وكأن مصر لا تحارب إرهاباً.. يبدو الآن أن أوروبا تشرب من كأسه. كلما ضرب الإرهاب عاصمة أوروبية قال عقلاؤنا: اللهم لا شماتة. أنا شخصياً شمتان. بعد «الحفلة اللي اتعملت على مصر» لم أعد أخجل من القول إنني شمتان. بعد «زيطة» الناشطين ومرتزقة الداخل وسماسرة حقوق الإنسان.. شمتان. باسم كل المصريين الذين اكتووا بنار الإرهاب.. باسم كل الشهداء.. باسم كل من فقد عزيزاً أو أضير في لقمة عيشه.. شمتان. أوروبا وولاياتها المتحدة زرعونا إرهاباً وها هم يحصدون: يمهل ولا يهمل».
وجه الشبه
بين بروكسل وشرم الشيخ
ونبقى مع الحادث الأليم، حيث يرى عبد القادر شهيب في «فيتو» أنه: «على الرغم من حالة الاستعداد والاستنفار الأمني، تمكن الإرهابيون من القيام بتفجيرين في مطار بروكسل وتفجير آخر في إحدى محطات المترو بالقرب من مقر الاتحاد الأوروبي.. وهذا معناه أن الاستنفار الأمني في درجاته القصوى، لا يلغي احتمالات حدوث عمليات إرهابية.. ربما يقللها أو يجعلها صعبة أمام من يقوم بتنفيذها، ولكن لا يمنعها تماما.. وهذا أمر يجب أن يدركه ويعـــــيه هؤلاء الذين لا يكفون عن الصراخ، بعد كل عملية إرهابية تحدث في أراضينا، خاصة في سيناء، ويفهمون أن الإرهابيين لا يوقفهم أو يحبطهم إلقاء القبض على عدد منهم كما شاهدنا في بلجيكا التي ضرب فيها الإرهاب بعد الإمساك بمطلوبين خطيرين متهمين بالتورط في تفجيرات فرنسا الأخيرة، ولا يثنيهم عن الإرهاب تصفية أو إعدام عدد منهم. أما استهداف مطار بروكسل على هذا النحو الذي حدث فيه، فإنه يحمل رسالة لكل من أوقفوا رحلات شركات طيران تابعة لهم للهبوط أو الإقلاع في مطار شرم الشيخ، على إثر سقوط الطائرة الروسية التي لم تنته بعد التحقيقات الجارية في تحديد سبب سقوطها، وإن كان الروس ومن قبلهم البريطانيون والأمريكيون تحدثوا عن احتمالات حدوث انفجار فيها.. فالمؤكد، بحسب الكاتب، أن المسؤولين البلجيكيين سوف يتخذون إجراءات مشددة جديدة لتأمين مطار بروكسل، لكننا لن نشهد في الأغلب مقاطعة أوروبية أو غير أوروبية لهذا المطار، الذي لن يستمر إغلاقه طويلا وسوف يعود للعمل مجددا وربما بعد ساعات».
لهذه الأسباب تنهار الحكومات
ونتحول للمعارك الصحافية ضد الحكومة، إذ يقول عبود الزمر في «المصريون»: «لا شك أن الحكومات المتعاقبة في مصر تعاني من ضمور الخيال السياسي، وليس أدل على ذلك من أنها تتفاجأ دائماً بالأحداث، ولا تمتلك الرؤية المستقبلية الواضحة، فضلاً عن ضعف قدرتها على اتخاذ الحلول المناسبة للمشكلات. إن صاحب الخيال الثري الخصيب هو الذي يمكنه تصور الحدث المستقبلي وتداعياته وحسابات ردود الأفعال المتوقعة، وكيفية معالجتها مع إمكانية الاختيار الصحيح بين البدائل المتاحة بمهارة. إن الحكومة التي تمضي سريعاً في تنفيذ مشروعاتها الكبرى من دون تشاور مع القوى السياسية والوطنية، هي حكومة فاقدة لصفة من صفات المؤمنين «وأمرهم شورى بينهم»، فضلاً عن انعدام خيالها السياسي، إذ أن هذه القوى السياسية شريكة في الوطن لا أجيرة عندها. هذا النوع من الحكومات أشبه بعمال التراحيل الذين يعملون باليومية عند صاحب العمل، من دون أن يكون لهم هدف مستقبلي. يضيف الزمر، أنظروا معي أيها السادة إلى التصرف الحكومي في حادثة الطائرة الروسية، ومقتل الطالب الإيطالي، إذ لم تخل المعالجة من تفكير بدائي لا يصلح في الواقع القائم، ما أدى إلى مواقف روسية وأوروبية تضر بالوطن، ثم انظروا أيضاً إلى مشكلة سد النهضة، وكيف أن الحكومة لم تتصرف بشكل جيد على مستوى الموقف، كما لم تتحرك لتعديل السياسات الزراعية بما يتناسب مع احتمالية نقص المياة، وانظروا أيضاً إلى ترتيب الحكومة للأولويات، إذ أنها بدأت برفع الدعم عن المواطن، وبتنفيذ مشروعات ضخمة لا تعود بالفائدة السريعة على شعب يحتاج إلى دعم مباشر لميزانيته المتخمة بالمصروفات، وهذا الترتيب بالطبع يفتقر للخيال السياسي».
فساد لا يجد من يحاصره
هل هناك جدية هذه المرة من الدولة لاستعادة أراضيها المنهوبة طوال الأربعين عاما الماضية؟ وهل لجنة يترأسها إبراهيم محلب صدرت بقرار جمهوري، ويدعمها ويساندها الرئيس السيسي بنفسه غير قادرة على اقتحام معاقل مافيا الأراضي في مصر، واستعادة أملاكها بقوة القانون أو بقوة السلطة، إذا لزم الأمر. بالتأكيد قادرة ولديها من القانون والقوة ما يؤهلها لخوض واحد من أخطر ملفات الفساد في مصر،كما يشير عادل السنهوري في «اليوم السابع»: «ليست هناك دولة على وجه الأرض، حسب ظني، لديها هذا الكم من الفساد في الاستيلاء على الأراضي من كبار رجال الأعمال وأصحاب النفوذ والتنفيذيين، وبتواطؤ من رجال في السلطة في سنوات سابقة. فإذا كانت هناك إرادة سياسية، فسوف تستطيع اللجنة القضاء على هذا الملف أو تحقيق تقدم حقيقي فيه، ومن دون الخضوع لتهديدات أو ابتزاز أو مقاومة أو استغلال ثغرات القانون. وأظن أن اللجنة برئاسة محلب وبأعضائها الممثلين عن كل الجهات المعنية بالدولة لأول مرة لديها فرصة ذهبية للقضاء على أكثر من 80٪ من حجم الفساد في مصر. إذا استطاعت اللجنة استرداد أملاك الدولة من الأراضي أو تسوية مشاكلها أو تقنين أوضاعها أو دفع فروق الأرباح، فسوف توفر مئات المليارات من الجنيهات لخزينة الدولة، وتفرض هيبة الدولة. هناك صعوبات جمة تواجه اللجنة بالتأكيد في عمليات الحصر، لأننا نفتقد في عدد من مؤسساتنا ووزارتنا وهيئاتنا للبيانات وقواعد المعلومات وخريطة أملاك الدولة التي تتفرق ولايتها على أكثر من جهة، وفي عصر الفساد استغلت مافيا الأراضي وحيتان الفساد تواطؤ الدولة و«غض طرفها» ورخاوتها لابتلاع أراضي الدولة، وتحقيق ثروات هائلة من ورائها. وبمجرد النظر إلى قائمة المافيا أو أشهر عناصرها تدرك أن معركة «استرداد الأراضئ» ليست سهلة».
هل يعثر أوباما على ملاذ آمن لمشاكله
نتحول إلى البيت الابيض والمشاكل التي تواجه رئيسه باراك أوباما، ووفقاً لمكرم محمد أحمد في «الأهرام»: «مهما كانت التبريرات التي يسوقها لسياساته الجديدة التي جعلت اهتمام واشنطن بالقارة الآسيوية بديلا لمنطقة الشرق الأوسط، لأنها لم تعد من وجهة نظره تهم المصالح الأمريكية كثيرا، ابتداء من اعتقاده بأن مستقبل أمريكا الاقتصادي يكمن في علاقاتها مع آسيا، وأن على الولايات المتحدة تعزيز شبكة علاقاتها مع بورما وفيتنام وإندونيسيا والدول النمور جنوب شرق القارة، كي تمنع هيمنة الصين، وأن الآسيويين يمتلئون طاقة وحماسا، أيا كانت هذه المسوغات، فالامر المؤكد أن اوباما يدرك جيدا حجم الفشل الذريع الذي أحاق بسياساته في الشرق الأوسط، ويعرف على وجه اليقين أنه أغضب كافة أصدقائه، ابتداء من الخليجيين والسعوديين إلى المصريين، وقبلهم أهل العراق وسوريا، كما أغضب حلفاءه الأقرب الإسرائيليين، رغم ما يقدمه من عون عسكري ضخم لإسرائيل، وأظن أن تعليقه كل آمال المستقبل الأمريكي على علاقاته الآسيوية الجديدة يكشف رغبته الملحة في الهروب من الشرق الأوسط، الذي كشف خواء سياساته وفضح عجزها، ابتداء من قضية الصراع العربي الإسرائيلي إلى الحرب على الإرهاب، بما في ذلك تسوية الملف النووي الإيراني، التي يعتبرها أهم إنجازاته، رغم آثارها المخيفة التي زادت من مخاطر هيمنة فارس وتمدد نفوذها في الشرق الأوسط على حساب أمن العرب ومصالحهم العليا. يضيف مكرم، رغم أن العالم كله يعرف على نحو مفصل أن سياسات أوباما الفاشلة تجاه الأزمة السورية، وفشله الذريع في مواجهة الإرهاب، وسكوته المتواطئ على تضخم «داعش»، وهروبه المخجل من الالتزام بقضية سلام الشرق الأوسط، هي التي فتحت الأبواب واسعة أمام التدخل العسكري الروسي في سوريا، الذي عزز مكانة الروس شرق المتوسط، وأضفى عليها شرعية دولية لم يملك أوباما سوى الاعتراف بها. يصر الرئيس الأمريكي أوباما على إنكار كل هذه الحقائق، ويحاول تقنين ضعفه وهروبه في مبدأ جديد يحمل اسمه يدعو إلى إهمال الشرق الأوسط وتجنب مشاكله، بحجة أنه لم يعد يهم المصالح الأمريكية كثيرا، ويعتبر أخطاءه الكبرى مصدر فخر واعتزاز».
فشل مشروع الجامعة العربية
ألم يحن الوقتُ بعد لأن يتبلور موقفٌ واضحٌ يُعلِن فشلَ مشروع جامعة الدول العربية وفق الطموح الذي كان مخططاً له؟ أليس 71 عاماً مدة كافية لإعادة النظر؟ ألا تستحق الكوارثُ التي يمرّ بها العالم العربي في هذه اللحظة التاريخية السوداء أن نتوقف بجدية لمراجعة وجود هذا الكيان؟ يتساءل أحمد عبد التواب في «التحرير»: «للأسف الشديد فإن البوادر تشير إلى أن الجمود لا يزال هو العنوان السائد! فقد صدر بيان عن الجامعة يوم الخميس الماضي، في مناسبة ما يسمونه «اليوم العربي لحقوق الإنسان»، والتسمية وحدها تستحق التأمل لما تنطوى عليه من حرص على أن احتفال العرب بحقوق الإنسان مستقل عن احتفال العالم، وهو موقف يتعارض مع المبادئ التي قام عليها مبدأ حقوق الإنسان، الذي يساوي بين البشر أجمعين بهدف التجميع بينهم، ثم الإشارة في البيان نفسه إلى ما يُسمّى بالميثاق العربي لحقوق الإنسان (لاحظ القول بإنه عربى وليس إنسانياً!) وأيضاً إلى ما سمّاه البيان بإيمان الأمة العربية بكرامة الإنسان الذي أعزّه الله.. إلخ وإلى أن الوطن العربي مهد الديانات وموطن الحضارات.. إلخ، في إيحاء بأن العرب كما لو كانوا وحدهم المؤمنين بكرامة الإنسان، أو أن إيمانهم بهذه الكرامة مميز عن غيرهم، وإلى فضلهم على البشر بالسبق الحضاري..إلخ إلخ! ينسى البعض ما لو تذكروه لكان لهم موقف آخر! فقد كان الأصل وراء إنشاء الجامعة عام 1945 هو القضية الفلسطينية، عندما اتضح للجميع آنذاك، وقبل إعلان قيام دولة إسرائيل بثلاث سنوات، خطر الهجرات اليهودية وإرهاب المنظمات الصهيونية، وأدركوا مخطط تنفيذ مؤامرة إقامة دولة إسرائيل، فاجتمع العرب لتوحيد جهودهم لإنقاذ فلسطين! ..فانظر الآن ما آل إليه مصير فلسطين والفلسطينيين! وانظر إلى ما تحقق من مؤامرة تأسيس إسرائيل التي لم تكن موجودة بالفعل آنذاك! وكل هذا من دون أن يتوقف المعنيون قليلاً لمراجعة الأمر».
حسام عبد البصير