لا شك في أن الجواب سيكون: نعم، ثمة فروق بينها.
يحضر: الجذر (حضر) دالّ على مشاهدة ووجود. والحضارة: الإقامة في الحَضَر الذي هو مقابل البدو، فالحضارة مقابلة للبداوة. وقد جمعهما المتنبي بقوله:
حسنُ الحضارة مجلوبٌ بتطرية
وفي البوادي حسنٌ غير مجلوبِ
ومن البديهي أن التطرية أيامه تختلف عن التطرية أيامنا. فقد تزوج أحد من ابتلاهم الله بحب الصورة المزركشة، وحين جاء الليل، غسلت وجهها من آثار (التطرية) وخلعت شعرها الصناعي (الباروكة المباركة) ورموشها الصناعية الطويلة، وعدساتها اللاصقة وأشياء أخرى، رمتها على سجادة قريبة، فارتمى على السجادة قائلا: أنا مع الأغلبية.
ولك أن تقول: دواء محضورٌ، أي له تأثيرات بالغة السوء والإضرار. قياسا على قوله، تعالى: (وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون) أي أن يصيبوني بسوء.
ومن تطورات هذه الكلمة ما نستعمله اليوم على غير الأصل اللغوي، وأعني بذلك كلمة (المحاضرة) التي يلقيها أستاذ على طلابه، أو يلقيها (مُحاضر) في ندوة من الندوات. وعلى الرغم من شيوعها وانتشارها فمن الأفضل أن يوضع بدلها مصطلح آخر.
ذلك أنّ أصل المحاضرة: المسابقة. حاضرت الرجل: سابقته. وحاضرت خصمي أمام القاضي، أي: انتصبت له ردا وردعا.
لذلك أميل إلى استخدام لفظ الحوار والمحاورة بدلا من المحاضرة. فليس المحاضر في حالة سباق مع مَن (يحاضرهم) في الدرس الجامعي، أو أمام النظراء في ندوة أو حفل، ليكون الشأن شأن مغالبة، بل هو حوار قبل أي شيء آخر.
إن لفظة (المُحاضر) في ندوة أو حفل غالبا ما تمنح من (يحاضر) سمة استعلاء على من يتكلم أمامهم أو معهم. وهذه صفة غالبة في كثير من بلداننا مع الأسف.
أما الحوار والمحاورة فتساوي بين الطرفين أخذا وعطاء. ولتكن المحاضرة خاصة في مجال التدريس.
«يحظر»
ننتقل إلى (يحظر). يقول لك المعجم: يحظر: يمنع. وفسروا الآية (وما كان عطاء ربك محظورا)(الإسراء 20) أي ليس ممنوعا.
وهذا تقريب لمعنى لفظ قد يجهله المرء باستعمال معنى آخر يعرفه. وإلا فإن فرقا ملحوظا بين (الحظر) و(المنع) ولو كان المعنى واحدا لاكتفت اللغة بأحد اللفظين. ويمكن استجلاء الفرق بينهما أن الحظر لا يعني المنع التام الكامل. فحين تقول لصاحبك: حظرت عليك زيارة فلان، مثلا، فإن كلامك لا يقتضي المنع النهائي. ولكنك إن قلت له (أمنعك من زيارة فلان) فهو المنع الباتّ الحاسم. وهو ما جاء في التنزيل العزيز، كما في (ما منعك أن تسجد لِما خلقت بيديّ)(ص 75). فهو امتنع عن السجود بإصرار لا رجعة فيه أيا كانت النتائج. وكذلك في سائر الآيات التي جاء فيها هذا الجذر ومشتقاته.
وثمة لفظة أخرى في التنزيل العزيز (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر)(القمر 31) قالوا إن معناها الرجل الذي يعمل الحظيرة للغنم. ولكن الآية لا تدل على من يعمل الحظيرة، بل على أغصان وقشّ يسور بها المكان ثم ييبس ذلك فيتهشم.
أما الحَظِر الرطْب في قولهم: جاء بالحظر الرطب، فيعني الكذب الشنيع. وقد تغزل شاعر بمن لا تمشي بالنميمة بين الناس، فقال:
(ولم تمشِ بين الناس بالحظِر الرطبِ)
«لا يجوز»
الجواز: المرور. ومنه مجاز البيت وهو الممر الموصل بين باب البيت وباحته، كما هو الحال في المنازل الشرقية حيث كان الناس يقسمون البيت إلى قسمين، خارجي لاستقبال الضيوف وداخلي خاص للأسرة.
فقولك: (لا يجوز لك أن تفعل كذا) أي لا يصح لك ذلك. ولكنه قد يفعل، فالمنع هنا ليس باتا قاطعا. ومن الصحيح قولهم: (لا يجوز نصب الفاعل) لأن هذا التعبير يترك مجالا لمجيء الفاعل منصوبا كما في (خرق الثوبُ المسمارَ). ولو قيل: نصب الفاعل محظور، أو ممنوع، لما كان التعبير سليما لأنه جاء منصوبا على ما رأيت في المسمار الذي خرق الثوب.
فاحفظوا ثيابكم من الانخراق وصفوفكم من الاختراق.
باحث وأستاذ جامعي، عراقي – لندن
هادي حسن حمودي