القاهرة-«القدس العربي»: عنوان عريض لكتاب ربما يكون الأهم بين ما صدر خلال الفترة الماضية، فقد نفدت منة طبعتان سابقتان وأوشكت الثالثة على النفاد .. «الاستبداد من الخلافة للرئاسة.. أيام للحضارة وسنوات للسقوط»، ذلك هو عنوان الكتاب الذي أثار ضجة وقت صدوره، إبان فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وكان غريباً ألا يُصادر كونه يمثل إسقاطاً سياسياً على مطامع التوريث ومحاولات تجهيز الوريث، إلى حين توافر الفرصة للصعود إلى العرش، ولأن قضية التوريث كانت هي القضية الأبرز فقد رأى النظام آن ذاك أن تجاهل الكتاب هو الطريقة المثلى لإبطال مفعولة واستثمار أصدائه على نحو يوهم الرأي العام بوجود ديمقراطية تسمح بالرأي الآخر، وتترك للفكر المعارض حرية النقد والشجب.
تلك كانت فلسفة نظام مبارك في التعامل مع الطبعة الأولى من الكتاب في عام 2007، وبالفعل نجحت هذه السياسة وتبددت الأصداء إلى أن جاء عام 2010 وصدرت الطبعة الثانية من الكتاب ذاته، فتجدد الانزعاج، ولكن أشياءً من وسائل المصادرة أو التنكيل بالكاتب لم تحدث، ومرت ردود الأفعال بين مقال هنا وآخر هناك مرور الكرام، وبات الأثر الباقي هو الجرأة والجسارة والتحدي، وهي دلالات صدور الطبعة الثانية، من دون تهيب أو خوف وثبات الكاتب محسن عبد العزيز، الشاب الذي لا تبدو عليه أي علامات تشي بشجاعة مفرطة من هذا النوع، حيث الوداعة والرقة هي السمة الغالبة على طبيعته وشخصيته.
وتمر العاصفة الثانية في هدوء كسابقتها وتندلع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 فيتحول الجميع شطر السياسة، ويصبح الحديث فيها حديثاً يومياً دائماً غير منقطع، فالشعب مشغول بما سوف تؤول إليه مجريات الأحداث، بعد أن وضعت مصر كلها فوق صفيح ساخن.
وتنقضي سنوات الغليان والحراك الثوري وتبدأ مرحلة التنظير السياسي وتشتبك القوى السياسية في نقاشات محتدمة على خلفيات متعددة تمثل ثورتي 25 يناير و30 يونيو/حزيران بؤرتها الأساسية، وهنا يرى الكاتب الصحافي محسن عبد العزيز مرة أخرى ضرورة صدور الطبعة الثالثة من كتابة، كي يتبين القارئ أوجه التشابه بين ما كان يحدث في أزمنة الخلافة والأزمنة التي تلتها، وما جرى ويجري في الأنظمة الرئاسية لجمهوريات العصر الحديث، مشيراً إلى ما يهدف إليه من رصد لأشكال الديكتاتورية والاستبداد في كل مرحلة برموزها وشخصياتها، ولم يتورع عن أن يجعل البداية من تاريخ قيام ثورة يناير، إذ يقول في مقدمة الطبعة الثالثة: عندما قامت ثورة 25 يناير قلت ليذهب الاستبداد حُكماً وكتاباً إلى ذمة التاريخ، كان الظن والأمل أن الاستبداد ذهب إلى غير رجعة، لكن ما حدث كان غير ذلك تماماً، والكلام للمؤلف الذي أعاد، على حد قوله ترتيب فصول كتابه وفق كل مرحلة، فإذا كانت بيعة يزيد ابن معاوية «توريث الحكم»، هي البطل في الطبعتين السابقتين، إذ بدأ التاريخ بغير التسلسل الزمني، فإن الطبعة الثالثة من الكتاب نفسه قد بدأت بفصل الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) فهو أول حكم إسلامي لصالح الأهل والعشيرة على حساب الأمة، كان من نتيجته مقتل الخليفة نفسه في أول ثورة ضد الاستبداد في الإسلام.
وتحت عنوان «للأكاذيب عندنا دولة وسلطان» يطرح الكاتب أيضاً سؤالاً: ما الذي يمكن أن نفعله لصنع ثورة على قدر أحلامنا، التي لامست السماء ثم هوت تحت أقدام المستبدين الجدد؟ ويردف قائلاً: نعم كان الفرح طاغياً بسقوط الاستبداد في مصر وتونس وليبيا واليمن، لكننا فوجئنا بأن سعادتنا تشبهنا حين نضحك كثيراً فنقول: «خيرا اللهم اجعله خيرا». ولكن بعد الفرح بثورات «الربيع العربي» مباشرة استيقظنا على كابوس شديد الوطأة كأن شعوبنا خُلقت للاستبداد ولا يصلح لها إلا البطش.
يشير الكاتب في هذه السطور إلى الفترة غير المستقرة التي عاشتها الشعوب العربية وعاشها الشعب المصري، حين قفزت قوى أخرى إلى سُدة الحكم تريد الهيمنة تحت شعارات براقة تدغدغ المشاعر الدينية للجماهير، عوداً إلى ما كان يحدث في الماضي إبان بيعة يزيد بن معاوية، أطول بيعة في التاريخ العربي، وهو الأمر الذي جاء على عكس فترتي حُكم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب التي عاشها المسلمون في ظل العدل والحرية.
في الكتاب الذي يقع في 317 صفحة من القطع الكبير يعقد الكاتب الكثير من المقارنات، ففي الفصل الرابع، على سبيل المثال، يمعن التحليل في فترة حُكم علي بن أبي طالب التي سقطت فيها أخلاق الخصوم في معركة السياسة، وكذلك في الفصل الخامس يُسقط القناع عن وجه معاوية بن أبي سفيان، الذي وضع قواعد الاستبداد السياسي وأقام حجر الأساس، ولم يتوقف الكاتب عند هذا الحد، ولكنه يشير إلى صراع العصبيات والمذاهب والأفكار، وفي مواضع أخرى ذات صلة يتحدث عن اجتهادات فقهاء قصف العقول وثلاثية التخريب والانفتاح والنهب وفساد الكبار.
لم يفلت أيضاً أي من رموز الأنظمة السابقة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من النقد، إذ طالت ألسنة اللهب الرئيس عبد الناصر ورجاله، حيث وصف محسن عبد العزيز الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل، بأنه كان المثقف الذي برر ديكتاتورية ناصر وزينها وقارنه في هذا السياق بالمتنبي شاعر السُلطة والسُلطان، ولمح إلى معركة هيكل مع مصطفى أمين، الذي خرج فيها الأول منتصراً، وكذلك لم يعفِ الرئيس السادات من مبدأ الديكتاتورية ولا من البطش بالخصوم في تأكيد على غياب الديمقراطية في المرحلتين المهمتين من حُكم مصر المحروسة.
ليس ثمة تحيز يشوب الكتابة ولا نزوع إلى فكر أو اتجاه أو انتماء لتيار سياسي نستطيع القطع بأنه يقود صاحب الكتاب الوثائقي نحو تغليظ عقوبة النقد في شهاداته إزاء كل العصور التي تطرق إليها في كتابه الذي نختلف حول بعض ما ورد فيه لكننا لا نُخفي إعجابنا به.
كمال القاضي