غزة – محمود أبو ندى: في العادة أتبادل أنا وصديقي نور روابط الأغاني التي تعجبنا. بلا لغة ولا تفاصيل او شرح. فقط روابط (لينكات). هذه عادة أدمنّاها في حياتنا الإلكترونية. إنه تبادل صامت لحالاتنا النفسية وأمانينا والإعجاب بالأصوات والألحان.
لكننا لم نجرب أن نخرج من جدران جنتنا الخاصة، عبر تطبيق «ساوند كلاود»، إلى أن جاء ذاك اليوم وكانت المفاجأة. قررنا (قرر هو للحقيقة) أن نخطو خطواتنا الأولى خارج عالمنا، لحضور حفل موسيقي، وهذه الحفلات لندرتها أشعرتني بالغبطة. لم ينتظر مني جوابًا بالنفي. امتعضت قليلا. وهممت بالرفض، لكن لهفته وحزمه أجبراني على الموافقة. خصوصاً ان اسم الفرقة كان غريباً لي: «دواوين». واعتبرته يومها اكتشافا جديدا ضمن مجموعتي «الموسيقية».
حين وصلنا كان المسرح يضج بالشباب، ولم تبق لنا مقاعد. صعدنا إلى الطابق الثاني، ولم نجد مقاعد أيضًا. وقفنا على أقدامنا نشاهد. كانت المؤدية روان عكاشة تصدح، حين عمّ الصمت في القاعة. نسيت انزعاجي، وبقيت عيناي معلقتين بالميكرفون، وصوت روان.
«طلّت البارودة والسّبع ما طل»، تعالت كلمات الأغنية في القاعة. وتوالت من بعدها أغنيات «ع الروزانا»، و»طلوا أحبابنا»، و»يا جماهير الأرض المحتلة»، إلى «هالأسمر اللون»، والتي تفاعلنا معها بصخب. هكذا اكتشفنا فرقة «غزّية» لا تنشد. تحاول احياء التراث بجهد شاب.
أخبرني صديقي ان الفرقة جديدة، وانطلقت منذ أشهر فقط، وتركز في عملها على إحياء الأغاني التراثية والثورية الفلسطينية، وإعادة تداولها في الساحة بل وإعادة توزيعها وغنائها بإيقاعات شابة، خصوصًا مع ضعف الاهتمام بهذا النوع الغنائي، بالإضافة إلى ذلك تَعتبر الفرقة إحياءها لهذا النوع من الحفلات على أنه رسم مساحة لأهل القطاع، ولو بقليل من الامكانات.
تتكون الفرقة من خمسين عضواً، موزعين بين مطربين وعازفين ومدربي صوت وفنيين يختصون بالصوت وطاقم تصوير وإضاءة كامل. ولا يتجاوز متوسط العمر لغالبية أعضاء الفرقة الـ24 سنة. ويبدو ان الجهد المبذول يتطور مع الوقت. حيث يسبق أي حفل (مدته ساعتان)، شهر من التجهيزات والـ»بروفات»، بالإضافة إلى ذلك فإن تمويل الفرقة ذاتي بحت. وينضم اليها شباب القطاع، ايماناً منهم بفكرة وجود فرقة موسيقية ملتزمة بالطرب وأغاني الثورة والانتفاضة، ولو بأحلام «مبتورة».
وتسعى الفرقة في خطتها مستقبلاً إلى إقامة الحفلات في مسارح واسعة بحيث تستوعب أعدادًا أكبر من الجماهير التي غدت مُقبلة بشكلٍ ملحوظٍ. اذ تعاني الفرقة من المقاعد المحدودة وضيق الأمكنة في المسارح الغزية. وتتطلع إلى توسيع بيكار جمهورها، وامتلاك مسرح خاص و»استوديو»، يخول الأعضاء المتمرنين المواظبة على التدريب الصوتي والموسيقي.
إسهامات الشباب المُتعلقة بالقضية أو بهوية أرضهم وأصولهم لا حدود لها أو لأشكالها المُتعددة، وهم في ميدان الغناء الشعبي أبدًا لا يقلون أهميةٍ أو قيمةً عن أقرانهم في ميادين أُخرى، فهم وعلى صغرِ أعمارهم إلا أنّهم يُدركون عمليًا ما لصوتهم وما لإيمانهم من قدرةٍ على ترسيخ قضاياهم والدفاعِ عنها. هم يحرسون تراثهم، ويُصورون عشقهم لأرضهم بكلماتٍ وأغان يحبونها.. وبجهد خاص ايضاً.
qsh