الجحيم تحت أقدام الأمهات العربيات!!!

أبكيكَ بدموع التماسيح!: في البداية لم أصدق النبأ. وبقيت أسابيع عدة أطالع أخبار مصرع (الشيخ البريطاني) جون (الجهادي!!) الذي شاهدناه نصف ملثم في أشرطة ذبح الرهائن وأصابعه تقوم بذلك بمتعة بالغة.. «جلاد التنظيم» هذا رمز للهمجية التي تتخذ من الدين الإسلامي الحنيف ستارة لممارسة «متعة القتل» التي طالما مارسها البريطاني الآخر الشهير «جاك السفاح» بذرائع مختلفة. الأمريكيون أكدوا بشكل قاطع مصرع «جلاد التنظيم» وصدقت الخبر فقط حين نعته مجلتهم «دابق» فبكيته بدموع التماسيح وبالذات بمناسبة «عيد الأم العربية» الذي حل منذ أيام.
لا أبكي (لورد) الإجرام جون وحده بل أبكي بدموع التماسيح أيضاً المجرمين جميعاً من أمثاله وأبشرهم بالقتل ولو بعد حين، أولئك الذين يتلذذون بالقتل والأذى تحت ذريعة دين الرحمة، والإنسانية.
أكرر. لا أبكي «الشيخ جون» لورد الإجرام وحده بدموع التماسيح بل أبكي حضور أمثاله في كوكبنا فذلك مؤذٍ للسمعة الدينية الإسلامية.. كذلك المجرم الذي أشعل النار في معاذ الكساسبة في القفص وقتله حرقاً على الشاشات وأدمى قلب أمه والأمهات جميعاً.

الأم العربية في وادي الدموع

الأم السورية واليمنية والعراقية وقبلها الأم الفلسطينية وسواهن من الأمهات العربيات مكسورات القلوب، مر العيد وهن بلا أعياد حقيقية لأمومتهن. ففي الأقطار العربية (الساخنة) يبكين القتلى والمعذبين في السجون ومجهولي المصير والمهددين في الارواح والرزق.. الراكضين من بقعة نارية إلى أخرى طلباً للسلامة للأسرة ولهم وللحرية للجميع.
وفي أوطان عربية لم تمزقها الحروب بعد، تعيش الأمهات قلقاً فتاكاً. هذا ابن يخطط للهجرة وهذه ابنة تتعرض لزواج بالإرغام، ينتهي بتعنيف زوجي يهين كرامتها كما كرامة أمها على نحو غير مباشر، إذ لعل أمها مرت قبلها بما هي فيه.. «الجنة تحت أقدام الأمهات»؟ بالتأكيد في الآخرة أما على الأرض العربية اليوم، فالجحيم تحت أقدام معظم الأمهات العربيات.

الأم الفلسطينية عميدة الحزن والصمود

ولن ننسى الأم الفلسطينية ملكة الأمهات العربيات المجروحات التي تعاني منذ عقود من اضطهاد إسرائيل لأولادها وتهديم البيوت وبناء المزيد من السجون والجدران لمنع صاحب الأرض الفلسطيني من حرية الحركة هذا إلى جانب إحراق الزيتون والبرتقال والحقول وبقية رموز رزقه لتجويعه وتركيعه!.. لعل الأم الفلسطينية الأقدم عربياً في وادي الحزن (الأمهاتي) وهي عميدة الأمهات الصابرات. وأضم إلى سلك الصابرات نساء في أقطار مستقرة نسبياً لكن الأولاد لا يحلمون بغير الهجرة.. وإلى أين؟ إلى بلاد الحرية والديمقراطية التي علينا أن نكرسها في بلادنا كصناعة محلية فالثوب المستعار لا يدفئ!

«باي باي» لزمن الهجرة

ثم إن الغرب الديمقراطي الذي يتمتع بحرية نسبية نسعى إليها (ونحن نشتمها) هذا الغرب بدأ يضيق ذرعا بنا، أي بأولاد أمهات المهاجرين العرب: أمهات مكسورات القلوب.
ثم أنه «باي باي» للمهاجر الذي يتوهم أن (جنة الغرب) التي لم يصنع شيئاً في وطنه يشابهها ستستقبله بأذرع مفتوحة لعناقه بالأحضان. ربما سيحدث ذلك في اللقاء الأول. والشهر الأول حيث يتم الاستقبال باللافتات الترحيبية والقبلات الأخوية.

بعد انقضاء شهر العسل مع المهاجر

وبعدها ستتسخ اللوحات الترحيبية باللاجئين ومعظمهم من السوريين (يا لحرقة قلبي أنا السورية). وتتبدى الحقيقة..
أبناء الأم التي لم تذق «عيد الأم» ترى أولادها في أحد الأعياد الغربية يهاجمون الشعر الأشقر وأجساد البيضاوات والحقائب التي قد تكون محشوة بالمال نسبياً وبين سرقة الجسد وسرقة المال سينكسر شهر العسل على روائح البصل العفن الفائح من سلوك دخيل على الحياة الغربية. ولكل فعل ردة فعل، وها هي ردة الفعل الغربية لا تتأخر في إبداء الكراهية للمهاجرين الذين استقبلتهم أنجيلا ميركل ولم يحسنوا الاحتفاء بذلك.. وتدفع الثمن في صناديق الاقتراع ضدها.
ووجدوا من يتهم جذور تلك الإساءات بالكبت الجنسي العربي التاريخي والاحتقار الإسلامي الموهوم لمكانة المرأة حتى ولو التقوا بها في بلدها الذين يتسولون فيه بطاقة إقامة!

أيتها الأم العربية، لا نريد أولادك!

وهكذا تتوالى موجات تدمير الأبناء في العديد من الاوطان العربية بالقتل أو السجون أو اضطهاد الشخصية والحض على (انحرافها) بمعنى ما، كما تتوالى أمواج الكراهية (للأجانب) (المختلفين) جداً.
وها هو نزل للاجئين في برلين يتعرض في الشهر الماضي لإحراق (ضمن إطار موجة الكراهية) للمهاجرين العاجزين عن التكيف مع قواعد عالم غامروا بحياتهم للوصول إليه..
وثمة حقيقة لا مفر من المصارحة بها: الحريات التي يتمتع بها الغرب والديمقراطيات لم تنبع من فراغ بل أيضاً من أسلوب خاص في التفكير والعقائد، وليس بوسع العربي التمتع بها إذا رفض احترامها على الأقل..

كلام لطيف وحزن كثيف!

الأم العربية عاشت عيدها بين المطرقة والسندان.. بين الواقع العربي الذي يرفضه الكثير من ابنائها فيهاجرون، والسندان الغربي الذي من حـــــقه أن يفرض عليهم قوانينه وعاداته.. والحل؟ إنه ببساطة في العمل لتصـــــير أوطاننا أماكن صالحة للحياة فيها بكل حرية وكرامة، ومن صنع «محلي» مع المواجــــهة الشجـــاعة للوقوف ضد ما يحول دون ذلك من أساطير وأوهام وتقاليد مهترئة مثل أكفان الموتى فقد شبعت الأم العربية من موت أولادها هنا وهناك..
ومعذرة من الأم العربية (وأنا إحداهن) لأنني لم استطع قطف باقة «أزهار كذب» في عيد الأم. بل قطفت باقة أشواك هي في جوهرها حياة القلب السري للأم العربية اليوم في الكثير من أقطارنا، بعيداً عن قطارات أنفاق النفاق!

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية