في غمرة النكوص والمدّ الأصولي

حجم الخط
0

 

لعل الحنين إلى الماضي البعيد كان لجوءاً منطقياً للتعلق بومضات رائعة في ذلك الزمن الماضي البعيد، يستعيد قدراً من الهمم، ويشحذ العزائم، ويعطي حافزاً يقفز فوق حواجز اليأس والإحباط. ولقد وجد ما يسمى بالتيار الديني الاصولي أن له فرصة لإنقاذ الأمة من بين براثن اليأس والإحباط، وتسلط الأنظمة المجحفة بحقوق أبناء الأمة، الضائعين في ردهات الفقر والفاقة بينما هناك قلة تستأثر بالسلطة والثروة. ووجد أيضاً أن هناك نسبة كبيرة في بعض الأقطار العربية ممن هم على خط الفقر أو دون، وأن هناك بطالة آخذة في التعاظم بين قطاع الشباب الباحث مجهداً عن فرص عمل. ورفع التيار الديني الأصولي شعار أن العودة إلى أصول الدين هي الحل، وهي المنقذ، وأنه ما من سبيل آخر. وليس هنا مجال تقويم توجهات هذا التيار الفعلية، ومدى التزامه ومدى مصداقيته ومآربه، ولكن تجدر الإشارة إلى أن هذا التيار ضرب فيما ضرب عليه على وترين، صدى الضرب عليهما يجد استجابة لدى قطاع عريض من المجتمع العربي على الساحة العربية كلها:
الأول: إن هناك قلة ولغت في الفساد واستأثرت بالجاه والسلطان والثروة، وكثرة هائمة على وجهها في ردهات الفقر والبطالة. وأن هناك استبداداً، يقع على الكثرة، وتبديداً للمال العام تستأثر به القلة.
الثاني: أن الصلح مع الكيان الصهيوني مرفوض من حيث المبدأ، وأن الولايات المتحدة الأمريكية خصم مباشر لمساندته اللامحدودة لهذا الكيان من ناحية، ولأنه يتحالف مع الأنظمة المستبدة ةيستأثر معها بمال الأمة.
ولا شك أن الكيان الصهيوني يدرك أن دخول هذا التيار بمدّ أصولي بعد تراجع المد القومي معناه أن معركته مع العالم العربي تبدأ من جديد، وأنها ستكون معركة شرسة لأن المنطق الديني الذي تستند إليه دعاواه سوف يصطدم بمنطق إسلامي في مواجهته، وهو ردّ من نوع التحدي نفسه، وقد تكون المعركة أكثر عنفاً وأطول وأعقد. ويبدو أن الأنظمة على الساحة العربية تقاوم هذا التيار، وإن أبدى بعض الاعتدال أو الحياد. وقد تصل المسألة إلى مواجهة عنيفة يدخل فيها هذا النظام مع التيار في حلقات من العنف الرسمي والعنف غير الرسمي، الذي قد تكون محصلته تبديداً أكثر للطاقات والموارد، وانشغالاً بالمواجهة عن الانشغال بالتحدي الخارجي الكبير الذي يمثله الكيان الصهيوني والأطماع والأهواء التي تحيط بالأمة، ليس من دول الجوار بصورة رئيسية، وإنما من الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص. ومهما كان التشكيك في توجهات التيار الديني الأصولي ومآربه، ومن بينها القفز على السلطة، واحتكار الاستبداد، فإنه يضرب على أوتار الوضع المتردي والمتعاظم في التردي على الساحة العربية، واستئثار القلة بالسلطان والثروة وضياع الكثرة بين ردهات الفقر والفاقة والبطالة، والتقهقر والتخاذل تجاه خصوم الأمة، وقبول الانصياع لخططهم واستراتيجياتهم في تفكيك أي رباط يربط الأمة.. وهي أصلاً قد هُمش فيها كل رباط، وكادت تذوب عرى التاريخ المشترك والمصير المشترك والهوية المشتركة.
لقد جاء الخليج بما يسمى بحقبة الطفرة النفطية، وتمثل في السبعينات توجه استهلاكي مفرط في النهم الاستهلاكي، وإن كان له مردود إيجابي غير محدود ربما، تمثل في بعض المساعدات والقروض لأقطار عربية غير نفطية، أو بعض المشروعات المشتركة أو عوائد العمالة العربية، فإنها فرقت بصورة صارخة بين عالمين عربيين من الفقراء والأغنياء وكرست القطرية، وخصوصاً في منطقة الخليج العربي.
وجاءت حرب الخليج ـ كما يوضح محمد حسنين هيكل ـ فتركت آثاراً بعيدة المدى على الواقع العربي وعلى الأيدي العربية وعلى الضمير العربي، وأنه زاد الانقسام، وزاد حجم النفوذ الأجنبي والاقتران الأجنبي لحياة الأمة، وأدى ذلك إلى نوع من ضياع الهوية بل والهجرة منها. والأسوأ من ذلك أن بعض العرب لا ينزعون الهوية عن حاضرهم ومستقبلهم وإنما يعودون بأثر رجعي إلى خلع هوياتهم عن ماضيهم. وربما بدا هذا بصورة واضحة في الكويت وبصورة أقل في باقي أقطار الخليج العربي.
إن حسن النوايا وزخم المشاعر لا يمكن أن يقودا إلى محصلة ملموسة على أرض الواقع ما لم يكن هنالك استثمار للموارد والطاقات، في سبيل تحقيق أهداف الأمة. ولذلك فإن انحسار المدّ القومي يرجع بدرجة ما إلى أنه وقف إلى حد ما عند النوايا الحسنة وزخم المشاعر، أو تجاوزها ولكن لم يستثمر الطاقات والموارد الاستثمار الأمثل. والنكوص ظاهرة بدأت في أعقاب انحسار المدّ القومي مباشرة، على الساحة الرسمية، وتجاوزت ذلك غلى الساحة المجتمعية بما فيها الفئة المثقفة. ولعل كارثة الخليج فرقت الأمة بعد فرقة فزادتها فرقة، وضاعفت من النكوص بعد النكوص في مسافات ذهنية وعاطفية ونفسية بعيدة. والكويت، وإن مثّل النكوص فيها درجة كبيرة، ربما حتى أكبر من درجة مرارة الكارثة عليها، فإنه نكوص يستحيل عليه ـ رغم بعض المحاولات ـ أن يتخلص من الرباط العربي، والهوية العربية، والتاريخ العربي (…)
ورغم ذلك فإنه في بعض أقطار الخليج العربي كان التيار الديني الأصولي لا يختلف في توجهه فيما يتعلق بالقضايا الرئيسية عن نسق التيار الديني الاصولي أو أنساقه في عدد من الأقطار العربية. وقد جهر بموقفه مستنكراً للحضور العسكري الأجنبي، وموالاة الكافرين، ومستنكراً لاستشراء الفساد الإداري وعدم مساءلة الضالعين فيه، وتبديد المال العام، وضياع حقوق الكثرة المضطهدة والضائعة في ردهات الفقر والفاقة. وقد اعتُبر جهره هذا ظاهرة جديدة بالنسبة لأقطار الخليج العربية التي لم تشهد في إبان المدّ القومي تكتلاً يحظى بقاعدة مجتمعية لا يُعرف مدى اتساعها، ولكنها قادرة على كسر الجمود الجاثم على الساحة في تلك الأقطار.
ولا شك أن التيار الديني الأصولي كان قادراً على الضرب على أوتار تشد إليها قطاعاً عريضاً من المجتمع، وقادرة على الوصول إلى ما يسمى بأحياء الصفيح في وقت انحسر فيه المدّ القومي على الساحة العربية إجمالاً. وبعد حقبة الستينات التي بدا فيها المدّ القومي متصلاً ومتواصلاً مع آمال وتطلعات الكادحين من العمال والفلاحين، فإن التنظير المتصل به كان إلى حد كبير نخبوياً. بينما التيار الديني الأصولي تجاوز طرح النخب المثقفة التي قد يتناول الكثير من القضايا، ولكن يدور حول نفسه، وقد يحاور نفسه في أندية ومنتديات تكاد تقتصر على النخب، بينما هو بعيد جداً عن مجتمع كبير يعاني من ظروف معيشية صعبة في محيط المدن وأحياء الصفيح والأرياف والقرى.

من «عرب الخليج في عصر الردة»، 1995

النفط وإحياء القبيلة

كان الحسّ النقدي العالي هو السمة الأبرز في شخصية المفكر والأكاديمي والخبير التنموي والشاعر السعودي (1942 ـ 2013)، خاصة وأنّ ذلك الحسّ كان يستيقظ أكثر حين يتصدى الراحل لشأن بالغ الحساسية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لدول الخليج العربي؛ أي «طفرة النفط»، وعلاقتها بالتركيب القبائلي، وبالسياسات التنموية، وعواقبها الثقافية والتربوية غير الظاهرة تماماً أسوة بسواها. وكما رأى أن غزو العراق للكويت، وردود الفعل العسكرية والسياسية الإقليمية والدولية عليه، أيقظ في الخليج العربي حسّ القبيلة القديم؛ فإنه ساجل بقوّة لصالح نظرية ترى أنّ النفط كان سباقاً إلى إحياء الحسّ ذاته، وإنْ بأنساق مختلفة.
ولد عبد الرحمن في المدينة المنورة، وتابع دراسته الجامعية في الرياض، ثم سافر إلى الولايات المتحدة لإتمام دراساته العليا، وعاد بعدها للتدريس في جامعات المملكة، ولإدارة كليات ومؤسسات اقتصادية وتنموية عديدة. وذلك التعطش للنقد، والتعمق في عيوب الاجتماع والاقتصاد، أبعداه عن الدائرة الرسمية، بل جعلا منه شخصية شبه رجيمة في ناظر السلطات ودوائرها، ومستنيرة محببة لدى جمهور واسع من المتابعين والمريدين.
في لائحة أعماله، هنالك «البيروقراطية النفطية ومعضلة التنمية»، «المثقفون والبحث عن مسار»، «المأزق العربي الراهن: هل إلى سبيل من خلاص؟»، «الثقافة بين الدوار والحصار»، «التنمية بين التحدي والتردي»، «المورد الواحد»، و»عفواً أيها النفط». أمّا في الشعر، فله قرابة 20 مجموعة، بينها «استوت على الجودي»، «شمعة ظمأى»، «غيض الماء»، «بحر لجي»، «لا عاصم»، «الحب ذو العصف»، و«قطرات مزن قزحية».

أسامة عبد الرحمن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية