لندن ـ «القدس العربي»: تشهد أوروبا موجة من الكراهية والعداء للدين الإسلامي وصلت مرحلة مثيرة للقلق، كما أفاد خبراء أوروبيون أعربوا عن اعتقادهم أنّ إدراج «الإسلاموفوبيا» ضمن قائمة جرائم الكراهية سيساهم بشكل إيجابي في حل هذه المشكلة. إلا ان واقع الحال يظهر عكس ذلك، فقد ساهمت وسائل إعلام غربية في زيادة التعصب والتمييز ضدّ المسلمين في أوروبا، خاصة بعد تفجيرات باريس التي جرت أواخر العام الماضي. أصوات تنادي بإجراء تعديلات قانونية تحمي المسلمين وتحد من الإعتداء اللفظي والجسدي ضدهم وتحذر من نشوب مشاكل كبيرة للمجتمع الأوروبي في حال لم يتم الحد من انتشار الإسلاموفوبيا التي قيدت حرية العبادة لدى المسلمين وجعلت الشباب في عزلة عن المجتمع وأدت بالبعض إلى التطرف والالتحاق بالتنظيمات الإرهابية.
باحثون ومختصون في مجال القانون والتواصل الإنساني والجاليات المسلمة في الغرب تحدثوا لـ«القدس العربي» عن إمكانية الحد من انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا:
الديانة الإسلامية لم تحظ بالحماية القانونية
وقال أحمد الترك المحامي البريطاني «تقف القوانين الأوروبية والبريطانية على وجه الخصوص عاجزة عن الدفاع عن الإسلام كدين وعن حقوق المسلمين بالشكل الكافي. فالديانة المسيحية في بريطانيا محمية نتيجة لقوانين إزدراء الدين واليهودية محمية بموجب قوانين معاداة السامية أما الديانة الإسلامية فهي لا تحظى بالقدر نفسه من الحماية القانونية. وقد حرص حزب العمال البريطاني في حملته الانتخابية السابقة على ترويج انه سيقوم بإدراج معاداة الإسلام أو ما يعرف اصطلاحا بـ«الإسلاموفوبيا» ضمن الجرائم العنصرية في حال فوزه في الانتخابات».
وأضاف: مما لا شك فيه ان الأحكام القضائية ضد مرتكبي الجرائم والمخالفات تكون أقصى وأشد على الجاني حينما يكون باعثها أو الدافع إليها الكراهية الدينية أو العنصرية، لكن الجاليات المسلمة والمواطنين الأوروبيين من معتنقي الديانة الإسلامية يجب ان تكون لهم الحقوق نفسها في الحماية الدينية التي يتمتع بها المسيحيون واليهود الأوروبيون.
وأكد الترك على ضرورة أن يقوم أرباب العمل وأصحاب الشركات الكبرى بإفساح المجال أمام المسلمين للعمل بحرية وعدم جعلهم يشعرون بعدم الارتياح نتيجة ارتداء المحجبة للزي الديني أو لان الموظف يريد ان يقتطع خمس دقائق من فترة الراحة لتأدية صلاته المفروضة.
وهو يعتبر ان إدراج الإسلاموفوبيا ضمن جرائم الكراهية سيساعد المسلمين أكثر على الإندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها لكنها لن تكون الحل الأوحد إذ ان يرافقها تشجيع رسمي حكومي وتسويق إعلامي لأهمية التنوع الديني في المجتمعات والدور الإيجابي الذي يمكن ان يلعبه المسلمون عندما يشعرون بالإطمئنان والحماية القانونية.
وتابع «قد تحد قوانين الكراهية من الاعتداءات على المسلمين لكني لا أعتقد أنها ستوقفها بالكامل، وذلك نتيجة إنتشار الفكر اليميني المتطرف والنازية الجديدة في بعض الدول الأوروبية، وفي ظل تردي الوضع الاقتصادي وموجة اللاجئين التي تقتحم أوروبا. ويجب الاعتراف كذلك، ان بعض الممارسات السلبية التي يقوم بها بعض المسلمين سواء كانت نتيجة الجهل أو تطرف بعض الشرائح قد تزيد من المشاعر والسلوكيات العدائية ضدهم.
ويرى أن الحل الأمثل في هذه القضية يكمن في تشكيل مفوضية للأديان على شاكلة مفوضية العمل الخيري، تكون مهتمها حماية الأديان سواء من المتطرفين أو المعادين للأديان وتقوم بمهمة رعاية ومتابعة المؤسسات والمراكز الدينية.
سياسيون وإعلاميون ساهموا في تأجيج الفتنة
ويقول جمال ابو زيد كاتب وروائي ليبي مقيم في لندن عن موجة الكراهية ضد المسلمين المقيمين في الغرب خاصة بعد هجمات باريس الأخيرة:«مما لا ريب فيه أن ثمة موجة كراهية موجهة في المجتمع الغربي تحركها أصابع خفية ضد المسلمين المقيمين في الغرب، نتج عنها خوف من الإسلام وأتباعه في ذلك المجتمع. وقد اعتبر بعض الأطباء النفسانيين هذا الخوف أنه فزع شعوري وجداني غير مبرر، لذا ضموه إلى الأمراض النفسية، وأطلقوا عليه مصطلح إسلاموفوبيا».
مشيرا إلى ان «هجمات باريس والتي راح ضحيتها عدد من الأبرياء، تسببت في تعميق الشعور بالخوف من المسلمين وبتأجيج نار الحقد الديني والتعصب القومي ضد الجالية المسلمة المقيمة في فرنسا خاصة، وفي الغرب بصفة عامة، وبالتالي إستثمر العنصريون الغربيون تلك الهجمات ووظفوها لمهاجمة الإسلام والتضييق على المسلمين، في حين تراخت السلطات المحلية والحكومة الفرنسية في كبح جماح أولئك المتطرفين. كما وفرت وسائل الإعلام الفرنسية الجوّ المناسب ليلفظ أولئك المتطرفون كراهية وحقدا دفينا طالما تلجلج في صدورهم ونتيجة لتلك الهجمات تعرض المسلمون للاعتداء بالضرب والشتم والإهانة».
وأكد ان المسؤولية في ما وصل إليه حال المسلمين في الغرب تقع على المراكز الإسلامية في الغرب في الدفاع عن الجاليات المسلمة، والتصدي لتلك الظاهرة بالضغط على الحكومات الغربية من أجل كبح جماح الإعلام بالتعرض للإسلام وإثارة الفتنة ضده وتأليب المجتمع ضد أبنائه، كما أن على تلك المراكز القيام بحملات توعية للمجتمعات التي تعيش فيها وتعريفها بالإسلام، وإبراز الصورة المشرقة التي تم تشويهها من قبل الحاقدين. فالإسلام دين عظيم يدعو للتسامح والمحبة والسلام، وعلى هذه المراكز، النأي بنفسها عن المهاترات السياسية، والتركيز على الجانب الدعوي، بما في ذلك تبني الخطاب الصحيح في توجيه الشباب المسلم وتعريفه بدينه. وحول تأثير «الإسلاموفوبيا» على الشباب المسلم في الغرب قال أبو زيد انه نتيجة للهجوم المنظم المستمر، وحملات الاستفزاز المتتالية ضد المسلمين وعلى مقدساتهم، تملّك كثير من المسلمين شعور بالإحباط والخوف مما دفع بعضهم إلى العزلة أو التطرف. أو لعل المبالغة في الإحساس بالخوف لدى الشباب أو التمييز العنصري أو الديني يدفع ببعضهم للنفور من المجتمع الذي يعيشون فيه وقد يتطور النفور إلى حقد والبحث عن هوية مما يسهل عليه الوقوع في براثن الجماعات الإرهابية.
منوها إلى ان المرأة المسلمة، غالبا ما تتحمل أعباء ردود أفعال المجتمعات الغربية بعد كل حادثة، خصوصا من قبل بعض المتطرفين والعنصريين الحاقدين بسبب سهولة تمييزها نتيجة لباسها، أو لغتها، ولونها، ودفعت الاعتداءات أو التمييز ضدها، إلى توقفها عن العمل أو الحدّ من خروجها من البيت.
وأشار إلى وجود طغمة من السياسيين والإعلاميين يقومون بتأجيج نار الفتنة بين المجتمعات الغربية والمسلمين، كلّ حسب دوافعه ومنطلقاته، من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، دون استبعاد الدوافع العنصرية أو الكراهية. فعلى سبيل المثال لا الحصر ما يقوم به مرشح الحزب الجمهوري لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ترامب، خير مثال، إذ أنه يختزل المشهد المتشنج ضد المسلمين برمته. وعلى الرغم من عتمة المشهد وضبابيته إلا ان جمال أبو زيد يؤكد وجود بعض العقلاء في المجتمع الغربي ممن يبذلون جهودا من أجل وقف حملة الكراهية وتنقية الأجواء وينصح المتخصصين من المسلمين الوقوف إلى جانبهم وإضافة تلك الجهود للقضاء على الظاهرة التي من شأنها أن تعكر صفو العلاقات بين المسلمين والمجتمعات التي يعيشون فيها. وقد تزيد ظاهرة الإسلاموفوبيا، في حدة إحتقان المسلمين وشعورهم بالعزلة في بلدان نشأوا وترعرعوا فيها وقدّموا لها الكثير وساهموا في بنائها.
القضاء على الإسلاموفوبيا
أما وجهة نظر كمال عواد الباحث المختص في علوم التواصل الإنساني والنفسي والصحافي الفلسطيني في ليفربول في بريطانيا فقد عبر عنها بالقول:
«الإسلاموفوبيا هي كلمتان متصلتان ولها معنى ضمني، الإسلام وهو الدين الإسلامي والفوبيا وهو الخوف المرضي الشديد، إذا الإسلاموفوبيا هو الخوف المرضي الشديد من كل ما يمت إلى الإسلام بصلة سواءً كان الدين نفسه بتعاليمه أو المسلمين كأشخاص أو للنبي العربي المسلم أو للقرآن الكريم أو لكل ما ذكرت مجتمعاً عليها. في نظري ان هذا الشعور بالكره والعداء للدين الإسلامي والمسلمين ليس أمراً حديثا، بل شعور نما وترعرع تاريخياً. فالبعض يقول إنه ابتدأ منذ نشأة القوة الإسلامية حينما طردت جيوشها دولة الروم من بلاد العرب في آخر حرب لهم مع الرومان، ثم حين دخل جيوش المسلمين دولة اسبانيا واستولوا عليها. فالكره للمسلمين وليد هذا النجاح العسكري والانتصارات الساحقة وكسب الأراضي والأنفال والدول ودخول الناس في دين الله أفواجا. وتابع:«إدراج العداء للمسلمين ضمن جرائم الكراهية في نظري لن يخفف من هذا العداء إلا إذا لازمته تصرفات مهمة من المسلمين أنفسهم كدول وأفراد. فمثلا لربما يمتنع الغربيون أو أعداء المسلمين عن العداء الظاهر والمكشوف ولكنهم لربما سينقلبون لجماعات تتصرف بسرية تامة ضد المسلمين. على المسلمين ان يتقدموا بطرق عملية وجيده لتحسين نظرة أعداءهم لهم وذلك بأن يكونوا المثل والقدوة فيما ينادي به الإسلام من رحمة واحترام ومحبة وصدق في التعامل مع الصديق ومع العدو».
ويرى كمال عواد ان الصحافة والإعلام لعبا دورا كبيرا في صناعة التعصب والتطرف، فبعض الجرائد والمجلات بدأ بتعميم ان المسلمين كلهم أرهابيين وهم لا يفهمون بل رعاة قتلة وبعض المسلمين ساعدوا وغذوا هذا العداء في انهم كانوا حقاً ما وصفتهم به تلك الأبواق الدعائية، إذ انها ركزت على البعض ووصفتهم بالكل. وكان لهذا الأثر الكبير في تصرفات البعض فلقد شاهدنا بعض المتحجبات يهاجمها متشدد غربي وبعضهن يطردن من مدارسهن ويُمنع الحجاب في تلك المدرسة وبعض المتحجبات ينزعن الحجاب عن رؤوسهن ولقد طالب بعض رؤساء الدول وأصحاب القرار في الغرب بنزع النقاب عن وجوه المسلمات وقالوا انهن لربما إرهابيات يحتمين باختفائهن تحت النقاب. وطبعا استغل أصحاب النفوس المريضة هذه التصرفات من بعض الجهلة والأغبياء من متشددي الغرب وتشاركوا معا في صنع إنسان حاقد على ما يلاقيه بعض المسلمين في الغرب على يد هؤلاء الجهلة وجعلوا من هذا الإنسان رجلاً كان أو امرأة إرهابياً مستعدا لقتل نفسه وقتل الناس جميعا. والحل من وجهة نظر الباحث كمال عواد يكمن في محاولة الفهم الجدي والعميق لهذه الظاهرة كخطوة أولى وضرورية للتمكن من علاج ما يرتبط بها وينجم عنها من مشكلات ولا يكون الحل فقط بتحويلها إلى جرم يعاقب عليه القانون بل بالتعليم والشرح والتهذيب وتقديم الصورة المشرقة لهذا الدين وترتيب البيت المسلم واتحاد وشمولية القصد والهدف بالإصلاح والموعظة الحسنة والقدرة على التسامح والرحمة.
وجدان الربيعي