صراع الإرادات في الإصلاحات ومحاربة تنظيم «الدولة» والمأساة الإنسانية في العراق

بغداد ـ «القدس العربي»: بعد انقضاء الاسبوع الأول على الاعتصامات التي أعلن عنها التيار الصدري أمام المنطقة الخضراء للمطالبة بالإصلاحات، فقد بدا واضحا تصاعد حدة صراع الإرادات بين الكتل السياسية، بين جناح الشعب والمرجعية الدينية المطالب بإصلاحات حقيقية شاملة لكل العملية السياسية لإنقاذ البلاد من التردي في كافة الأوضاع واستمرار نهب خيراتها، وبين جناح يريد اشغال الشعب وامتصاص غضبه بتركيز الاصلاحات على تغيير وزاري محدود يحافظ على امتيازاتها ومصالحها دون أن يمس جوهر الأزمات المزمنة. ورغم عقد سلسلة اجتماعات بين الرئاسات الثلاث وقادة الكتل السياسية، يبدو أن المسافة بين الطرفين ما زالت واسعة جدا، والتوافق بعيد مع إصرار كليهما على مواقفه وعدم الاستعداد لتقديم أي تنازلات.
وفي هذا السياق، برزت خلافات جدية بين قوى التحالف الوطني على خلفية التعامل مع الإصلاحات والتشكيلة الوزارية المرتقبة، فقد تمسك السيد مقتدى الصدر ويدعمه بنسبة كبيرة، تيار الحكيم، بضرورة إنجاز إصلاحات شاملة وليس مجرد تغيير بعض الوزراء، وأن تكون التشكيلة الوزارية الجديدة بعيدة عن تأثير الأحزاب، وهو الأمر الذي يبدو أن لا سبيل لتحقيقه، بعد أن رفضته باقي قوى التحالف الوطني وخاصة كتلة القانون والدعوة وبدر التي تتحكم بتمرير أي تشكيلة وزارية في مجلس النواب بفضل العدد الحاسم من مقاعد البرلمان. ووصلت الخلافات بين بعض أطراف التحالف الوطني الى حد التلويح باستخدام المليشيات العسكرية التابعة لها.
وحتى بعد أن اعلنت لجنتا اختيار التشكيلة الجديدة التي كلفهما العبادي والصدر، أسماء مرشحيهما من الوزراء، فإن حكومة حيدر العبادي شكت من عدم تعاون أغلب الكتل في تقديم أسماء مرشحيها لاختيار المناسب منهم، وهو ما ينبئ بمعركة شرسة ومساومات ستواجهها الأسماء المرشحة عند عرضها تحت قبة مجلس النواب.
وفي الجانب العسكري، بدءت هذه الأيام الصفحة الأولى من معركة تحرير الموصل المرتقبة، عندما شنت طلائع الجيش العراقي بدعم من البيشمركه وطيران التحالف الدولي، هجوما على مجموعة قرى عربية في منطقة مخمور جنوب شرق الموصل وتمكنت من استعادة أغلبها من يد تنظيم «الدولة» ضمن عملية «الفتح» التي اعتبرتها القوات المسلحة الصفحة الأولى في عملية تحرير الموصل.
وقد سبق العملية قبل أيام، قيام التنظيم الارهابي بقصف التجمعات والمعسكرات للقوات العراقية والبيشمركه، اضافة الى القواعد التي تتواجد فيها قوات امريكية في مخمور وتركية في بعشيقة، التي تشرف على تدريب القوات العراقية والبيشمركه، لإعدادها لمعركة تحرير الموصل التي يسيطر عليها التنظيم منذ حزيران 2014.
كما أعدت الحكومة المحلية للموصل، خطة انسانية للتعامل مع تطورات الأوضاع الأمنية والانسانية أثناء وبعد معركة التحرير من حيث التعامل مع موجات النزوح الواسعة المتوقعة لأكثر من مليون من سكان الموصل والمناطق المحيطة الذين سيفرون من المعارك وسيشكلون أعباء جديدة على أزمة النازحين المستفحلة أصلا. وهو ما يتطلب جهدا وطنيا ودوليا كبيرا للتعامل مع هذه الحالة خاصة وأن المعركة يتوقع لها أن لا تكون قصيرة في ضوء أهمية المدينة للتنظيم وكونها مقره الرئيسي في العراق وبالتالي توقع مقاومة عناصره لتقدم القوات العراقية فيها، كما رأينا في معركة الرمادي التي أخذت وقتا طويلا لكي تتمكن القوات العراقية من السيطرة عليها. أما في الجانب الإنساني في المناطق التي تشهد معارك بين القوات العراقية وعناصر تنظيم «الدولة» وخاصة في الأنبار وصلاح الدين، أو توترات طائفية كما في ديالى ومناطق حزام بغداد، فقد تصاعدت دعوات محلية ودولية من مخاطر انهيار الأوضاع الانسانية المأساوية، حيث تتزايد أعداد النازحين الفارين من مدن الأنبار والتي لم تعد مخيمات النازحين تستوعب المزيد منهم أو تستطيع توفير حاجاتهم الانسانية الضرورية، ووصلت المجاعة جراء الحصار في مناطق مثل الفلوجة، الى حد اقدام الناس على أكل الحشائش والقطط والكلاب، مما حدا بالمنظمات الدولية مثل بعثة الأمم المتحدة في العراق ومنظمات حقوقية دولية، الى الإعلان عن ضرورة التحرك لإغاثة السكان المنكوبين والعمل على الاسراع في انهاء معاناتهم التي انعكست بتزايد حالات انتحار عائلات بكامل أفرادها بسبب الجوع، كما حصل في الفلوجة ونينوى.

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية