أسطنبول ـ «القدس العربي»: «أمن أوروبا يبدأ من تركيا» عبارة أطلقها رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو عقب هجمات بروكسل الأخيرة وفتحت الباب واسعاً أمام التحليلات والتكهنات بمضمونها، بين من رأى فيها تهديداً مباشراً لدول الاتحاد ومن اعتبرها دعوة تركية مباشرة لهذه الدول للكف عن «الاستهانة» بدور أنقرة ومحوريتها في ضمان أمن أوروبا سياسياً وأمنياً واستراتيجياً.
كُتاب ومحللون صحافيون أتراك وعرب اعتبروا في تصريحات خاصة لـ»القدس العربي» أن تركيا تحاول الضغط على الاتحاد الأوروبي من أجل تعزيز تعاونه الأمني والسياسي معها وتقدير دورها باعتبارها حائط الصد الأول أمام التهديدات المتعاظمة القادمة للقارة الأوروبية من الشرق الأوسط.
وعقب هجمات بروكسل، قال داود أوغلو، إن أمن الاتحاد الأوروبي يبدأ من تركيا، مؤكداً على أن إقامة المنطقة الآمنة شمالي سوريا شرط أساسي لحفظ الأمن في أوروبا، مشدداً على أن الاتحاد سيصبح أكثر أمناً إذا تخلى عن اتباع معايير مزدوجة في التعامل مع التنظيمات الإرهابية.
وأشار داود أوغلو إلى أن تركيا لا تفرق بين ضحايا تفجير أنقرة أو اسطنبول وضحايا تفجيرات بروكسل، موضحاً أن حياة الإنسان لها نفس القيمة أياً كانت جنسيته أو دينه، مضيفاً: «لا يوجد شريك وحليف لأوروبا، فيما يتعلق بإرساء الأمن في المنطقة، سوى تركيا. عليهم أن يدركوا هذا ويتحركوا على أساسه».
وعن دور أوروبا في الأزمة السورية، قال: «بالأمس لم تكترث أوروبا لهذه المأساة الكبيرة، لكن الحقيقة المؤلمة تطرق بابها اليوم»، مؤكداً على أن السياسة الخاطئة، التي اتبعها الغرب، والمجتمع الدولي بشكل عام تجاه القضية السورية، تقف وراء الهجمات «الدنيئة» سواء في الغرب أو تركيا».
الكاتب والنائب السابق عن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا «رسول طوسون» رأى أن داود أوغلو يقصد بتصريحاته الأخيرة أن «أمن أوروبا يبدأ من تركيا في مواجهة الإرهاب المنبثق من الشرق الأوسط وكذلك في تدفق اللاجئين نحو أوروبا».
وقال طوسون لـ»القدس العربي»: «لا أظن أنه يهدد أوروبا هو فقط يشير إلى أهمية تركيا إذا وفى الأوروبيون بعهودهم وأيضا بمبادئهم»، معتبراً أن «الأوروبيين يتظاهرون بالصداقة ويكمن في صدورهم الحقد والكراهية وحتى العداوة. لذلك نرى في مواقفهم ازدواجية المعايير تجاه تركيا.. آخر دليل على ذلك موقفهم من انفجارات بروكسل، وما أن حدث الانفجار حتى أعلنوا الحداد في كل أنحاء أوروبا. بينما لم يبدوا هذه الردود الفعلية عندما انفجرت القنابل في أنقرة وخلفت مائة ضحية. إلى حد لفت هذا التناقض أنظار بعض الكتاب الموضوعيين الغربيين واستنكروه».
واعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمود عثمان أن «تصريح داوود أوغلو بأن أمن أوربا يبدأ من تركيا يمكن قراءته من أكثر من زاوية، ويحمل أكثر من رسالة للأوربيين الذين نسوا تركيا وأداروا ظهرهم لها عقب انتهاء الحرب الباردة، ولم يطرقوا بابها إلا عندما تفاقمت أزمة اللاجئين التي باتت تشكل تهديدا حقيقيا كاد يؤدي إلى انفراط عقد منظومة الشنجن».
وقال عثمان في تصريحات خاصة لـ»القدس العربي»: «داوود أوغلو يشير من ناحية إلى الدور التاريخي الاستراتيجي الذي لعبته تركيا كعضو في حلف الناتو أيام الحرب الباردة، حيث كانت الخندق الأمامي في التصدي للاتحاد السوفييتي وحماية أوروبا من خطره، ويؤكد بأن هذا الدور يجب أن يكون استراتيجيا دائماً وليس تكتيكياً حسب الحاجة وتحت الطلب»، مضيفاً: «خصوصا وأن منطقة الشرق الأوسط باتت بؤرة للقلاقل والصراعات الداخلية أكثر من أي وقت مضى، ومصدراً للهجرات والنزوح نحو أوربا مما يشكل تهديدا حقيقيا للأوربيين، فلا مناص ولا مهرب من ضم تركيا للمنظومة الأمنية الأوروبية».
ورأى في التصريحات «رسالة أخرى هي أن أوروبا تشكل العمق الاستراتيجي لتركيا ووجهتها، سابقا وفي المستقبل، وليس منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، إذ هناك من يشكك في نوايا وتوجهات حزب العدالة والتنمية نحو الغرب، ويسمي ذلك انحرافا في مسار الجمهورية التركية»، وتابع بالقول: «إذا كان لتركيا هذا الدور الحساس والمصيري في أمن أوربا وهو أمر ثابت لا يستطيع الأوربيون تجاوزه، فعليهم إذا أن يكونوا مستعدين للتعامل مع تركيا كجزء أساس وعضو فاعل في المنظومة الأوربية، وليس شريكا خارجيا له امتيازات معينة».
وزير الاتحاد الأوروبي التركي «فولكان بوزكر» وفي تصريحات صحافية قبل يومين شدد على أن «سوريا هي المصدر الأكبر خلال السنوات الأخيرة للإرهاب»، مضيفاً: «سوريا تعد في الفترات الأخيرة المصدر الأساس للهجرات غير الشرعية، وللإرهاب، وفي حال لم يتم حل الأزمة السورية، وحل الهجرات غير الشرعية، سنبقى وجها لوجه أمام المزيد من التفجيرات الإرهابية، إن المورد الأساس لداعش هو دول الاتحاد الأوروبي، وما لم تتعاون هذه الدول مع تركيا، لا يمكن تجفيف هذه الموارد التي تغذي داعش».
ودعا الوزير دول الاتحاد الأوروبي إلى التعاون مع تركيا، قائلا: «للأسف كنا على حق في وجهة النظر التي طرحناها، ندعو دول الاتحاد الأوروبي للتعاون مع تركيا، إن تركيا مستعدة للتعاون، وأظن أن الاتحاد الأوروبي سيكون جاهزا ايضا».
في السياق ذاته، رأى المحلل السياسي التركي باكير أتاجان أن تركيا ترغب في أن تقوم أوروبا بالتعاون معها بشكل جدي في مكافحة الإرهاب، لافتاً إلى أن «أوروبا حتى الآن لا تتعامل مع تركيا بجدية وينظرون لها من باب الاستفادة منها فقط وليس من باب التعاون والتشاركية».
وقال لـ»القدس العربي»: «الاتحاد الأوروبي في طريقه للتفكك والانهيار بينما تركيا تتمتع بقوة اقتصادية صاعدة وتمتلك قوة بشرية شابة كبيرة وجيش قوي وأرى أن أوروبا بحاجة لدولة تحمل مثل هذه المميزات التي تنطبق على تركيا بشكل كامل، وضمها إلى الاتحاد سيحميه من الإنهيار» على حد تعبيره. ولفت أتاجان إلى أن موجات الهجرة وتدهور الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط ساهم في خلق أزمات أمنية كبيرة في أوروبا لا يمكن حلها إلا بالتعاون مع تركيا، موضحاً أن «على سبيل المثال انضم من بلجيكا قرابة 500 شخص إلى داعش والجماعات الإرهابية في سوريا والعراق، قرابة 80 شخصا قتلوا، وقرابة 170 منهم عادوا إلى بلادهم وما زال الجزء المتبقي في سوريا والعراق.. من عاد منهم يشكل الآن خطرا كبيرا على الأمن بالبلاد وأكبر دليل على أهمية التعاون مع تركيا أن أحد منفذي هجمات بروكسل الأخيرة سُلم من قبل تركيا بعد الاشتباه في التحاقه بالجماعات الإرهابية.
وأوضح أنه لا توجد بين تركيا والاتحاد الأوروبي اتفاقيات أمنية وتعان استخباراتي عالي المستوى بسبب رفض الاتحاد في السابق، مشيراً إلى أن الاتفاق الأخير بينهما حول موضوع اللاجئين يتضمن فتح بعض الملفات الأمنية المتعلقة بانضمام تركيا إلى الاتحاد.
من إسماعيل جمال