حين يرسم لاجئون حكاياتهم على جدران باريس

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»:ليس الـ«غرافيتي» عمل احتجاج فحسب. يكرس هذا الفن يومياً، حكايات الناس بخطوط عريضة وواضحة، أو برسوم بسيطة، تقول ما تعجز عنه رسائل مطولة. واستخدام الجدران من قبل الفنانين، لم يعد نفسه. بل صار أيضاً مع موجة اللجوء، وبعد رحلات عبور البحار والبراري الصعبة، للوصول الى بلدان أوروبا، مساحة «راسخة» ليروي هؤلاء قصصهم، كما عاشوها، ولينقلوا احلامهم من دون مبالغة.
ففي مبادرة شابة، جمعت الفنانة الفرنسية أورور سيريل أصدقاء لها من رسامين ومصممين فنيين، لمساعدة لاجئين عبروا الحدود هرباً من حروب بلادهم لإنجاز جدارية وسط ساحة «لا روبيبليك» الباريسية.
تحول جزء من الساحة الى ورشة عمل، منذ شهرين، ومساحة تفاعل بين لاجئين من جنسيات مختلفة وفرنسيين، يعبرون الساحة الى أشغالهم وحياتهم العادية. أغلب الظن أنهم لم يكترثوا في البداية، لما يجري، لكنهم سرعان ما انتبهوا الى هذه الحركة «الغريبة»، قرب خيم لاجئين افترشوا الساحة منتظرين مصائرهم في ملفات اللجوء.
تقول، لورين (26 عاماً)، وهي موظفة في مصرف، انها تذهب يومياً الى عملها، وشاهدت تطور عمل هؤلاء، «مدهشين للغاية. استطاعوا ان يحكوا لنا ببساطة حكايات اللجوء التي نسمع عنها فقط في وسائل الاعلام»، وتضيف: «لم اشعر بالشفقة وهم لم يحسسونا بها. انهم ارادوا فقط توضيح لنا ما جرى معهم، او ما يريدون التعبير عنه حقاً. احس ان هذا حق انساني وعلى الناس ان تعرف قيمته». الحكايات التي خطها هؤلاء المهاجرين، هي حكايات أمل أكثر من حكايات مأساة. وعلى الرغم من صعوبة ما عاشوه في بلادهم او في رحلات عبورهم القاسية، فإنهم حاولوا التعبير عن أحوال بلادهم التي حملوها معهم، كيقين أنها ستعود يوماً زاهية كما عرفوها او كما يحبون ان ينقلوا عنها، قبل ان تختزلها اليوم الحروب المستقطعة وتسيطر عليها ميليشيات الدم والتطرف، «انها بلادنا في النهاية. مصيرها ان تعود لنا»، وفق ما يقول جمال، الآتي من السودان. يسعى جمال الى ايجاد «مأوى» له في باريس، حيث هرب من الاقتتال الأهلي الحاصل في دارفور. يعيش جمال في غرفة صغيرة، قدمتها له جمعية خيرية تساعد اللاجئين. قدم جمال منذ سنة ونصف، وها هو ينهي مع المجموعة رسماً، يعبّر عن «مأساة» العيش في السودان، والخوف الذي يحسه مع ابناء جيله، «الحياة غير آمنة هناك. وهنا احس اني بخير لكن لم انتمي بشكل كامل. شاركت في هذه الجدارية لأني اريد ان يتعرف الى همومنا الشعب الفرنسي، وما نعيشه. نحن لم نهرب لأننا نريد نهب اوروبا، نحن هربنا لأن حياتنا سلبت منا».
المبادرة الفردية، التي حققت ثمارها منذ أيام، بإنهاء الجدارية، استعادت حكاية تاراكيل خان، وهو شاب أفغاني، هرب من «طغيان» حركة «طالبان». يقول لـ«القدس العربي» انه استطاع ان يعبر في لوحته عن حياة الافغانيين، وعن حال التعليم فيها، خصوصاً ان الفتيات هناك لا يحق لهن الدراسة، وفق حكم طالبان، التي صعدّت من قواعد الشريعة، «الحياة هناك لم تعد تطاق. هربت في رحلة شاقة، ودخلت فرنسا وقدمت لجوءاً انسانياً». الحياة في فرنسا مغايرة، بالنسبة لخان، لكنها لن تنسيه افغانستان التي عاش طفولته فيها بحب، كما يروي، «هناك عائلتي والذين احبهم. لكني تعرضت لتهديدات بالقتل، من قبل الحركة الجهادية، بسبب عملي في منظمة دولية، واتهمت بالعمالة».
كان العمل الجماعي في ورشة الرسم «ممتعاً» بالنسبة لتراكيل، الذي تعرف الى أصدقاء كثر هنا، «صاروا أصدقاء لي. تجمعنا الهموم نفسها. وعلى الرغم من كل الاختلافات في اللغة والعرق والدين، إلا أننا ننتمي الى الهم نفسه والظرف الانساني نفسه. اعتقد ان هذه الجدارية تعبير عميق على ان ما يجمعنا هو واحد في النهاية. هذا الانسان الذي فينا»، ويضيف ان هذه الجدراية «رسالتنا الى الجميع، اننا دعاة سلام وحب، ولسنا إرهابيين أو متطفلين أو سارقين. نحن نحتاج الى الحماية فقط».
وجد بعض المهاجرين في فرنسا، من المغرمين بالغرافيتي، على جدران باريس فضاء لرواية حكاياتهم، وللتعبير عما يختلج في أنفسهم. واستطاع هؤلاء الاعتماد على مساندة وتشجيع بعض الناشطين الفرنسيين ورسامي الغرافيتي الذين وجدوا في هذه الرسوم فرصة لإبلاغ أصواتهم للجميع.

صهيب أيوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية