بروكسل ـ «القدس العربي»، وكالات: واصلت بلجيكا حملتها لـ»تفكيك» الشبكة الجهادية المتشعبة التي نفذت اعتداءات بروكسل وباريس الدامية. وفي العاصمة تبدو العودة إلى الحياة المعتادة شاقة بعد اربعة ايام على الاعتداءات التي أدت إلى 31 قتيلا و300 مصاب. فمطار بروكسل الذي شهد هجوما انتحاريا مزدوجا الثلاثاء، سيبقى مغلقا حتى نهاية يوم غد الاثنين، ما ينسف مشاريع عطلة الفصح لكثير من البلجيكيين، فيما ما زالت حركة المترو الذي تعرض لتفجير انتحاري بطيئة.
وتعيش عاصمة الاتحاد الاوروبي على وقع العمليات الامنية، من المداهمات والتوقيفات في إطار التحقيق إلى أنشطة الفرق المتخصصة في المتفجرات للكشف عن طرود مشبوهة. وصباح أمس السبت فجر روبوت تابع للشرطة حقيبة ظهر متروكة في حي لاباسكول في وسط بروكسل الذي طوقته القوى الأمنية. كما تحتجز السلطات ثلاثة اشخاص اوقفوا الخميس في التحقيق في الاعتداءات.
واعلنت النيابة الفدرالية البلجيكية ان احد المشتبه بهم، الذي اعتقلته السلطات الخميس ويدعى فيصل س، قد يكون الرجل الثالث في مطار بروكسل، ووجهت اليه تهمة «ارتكاب عمل ارهابي بهدف القتل».
وقالت النيابة في بيان ان مشتبها به آخر هو رباح ن، الذي اعتقل في اطار تحقيق آخر حول مخطط اعتداء احبط هذا الاسبوع في فرنسا، وجهت اليه تهمة «المشاركة في أنشطة مجموعة ارهابية». ووجهت ايضا تهمة المشاركة في أنشطة مجموعة ارهابية إلى رجل ثالث اعتقل الخميس في بروكسل يدعى ابو بكر أ، لكن لا صلة مباشرة له بالاعتداءات.
هل يتعاون صلاح عبد السلام؟
بعد مقتل أو توقيف اكثر من 30 رجلا اصبحت الشبكة المسؤولة عن اعتداءات باريس وبروكسل «في طور التفكيك»، على ما أكد الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند الجمعة، لافتا إلى «وجود شبكات اخرى» و»خطر محدق مستمر». واعلنت فرنسا احباط مخطط اعتداء «بلغ مراحل متقدمة»، عبر توقيف الفرنسي رضا كريكت (34 عاما) في بولونيه – بيلانكور (غرب منطقة باريس)، فيما عثر على بنادق هجومية ومتفجرات في شقة باريسية تحدث عنها كريكت.
هنا ايضا يبرز تقاطع التيارين الجهاديين الفرنسي والبلجيكي، علما ان كريكت سبق ان ادين غيابيا في بروكسل في تموز/يوليو 2015 اثناء محاكمة شبكة جهادية تجند للقتال في سوريا، ابرز متهميها كان البلجيكي عبد الحميد اباعود أحد مدبري اعتداءات باريس في تشرين الثاني/نوفمبر.
كما اعتقل ثلاثة اشخاص الجمعة في بروكسل في اطار التحقيق في هذه الشبكة، اصيب اثنان منهم في الساق في عملية توقيفهم.
وتتعرض السلطات البلجيكية لانتقادات شديدة لأنها اجازت نفاد عدد من الناشطين من مراقبتها.
ويعتمد المحققون الفرنسيون والبلجيكيون كثيرا على صلاح عبد السلام لكشف تفاصيل هذه الشبكات. واوقف هذا المشتبه الرئيسي في اعتداءات باريس الاسبوع الفائت في بروكسل بعد تواريه اكثر من اربعة اشهر عن انظار اجهزة الاستخبارات البلجيكية، وأبدى نية في التعاون في البداية عبر التقليل من اهمية دوره، قبل الاعتكاف إلى الصمت.
وافادت النيابة البلجيكية ان الرجل «استخدم حقه في لزوم الصمت» اعتبارا من 19 اذار/مارس غداة توقيفه، ثم «رفض الادلاء باي تصريح» بعد اعتداءات بروكسل. وطلب القضاء الفرنسي تسليم عبد السلام، الامر الذي رفضه اولا قبل ان يوافق.
حفل رمزي
ويبدو ان التهديد الارهابي مرتفع جدا في اوروبا، على ما حذر منسق الاتحاد الاوروبي لمكافحة الارهاب جيل دو كيرشوف في صحيفة «لا ليبر بلجيك». وقال: «لن أتفاجأ إن شهدنا في غضون خمس سنوات محاولات لاستخدام الانترنت لشن هجمات»، لا سيما بالسيطرة على «مركز ادارة محطة نووية او مراقبة جوية او تسيير سكك الحديد».
اما البلجيكيون الذين هزتهم الهجمات الأعنف في المملكة منذ 1945 فواصلوا التجمع يوميا في ساحة البورصة في قلب العاصمة تعبيرا عن ارادة الصمود امام الارهاب. وامتلأت الساحة بالشموع والرسائل المكتوبة بالطبشور فتحولت إلى نصب تذكاري لضحايا الاعتداءات.
كما من المقرر تنظيم «مسيرة ضد الخوف» الاحد تنطلق من الساحة بعد «تجمع مواطنة» اخر من اجل «تعزيز +التعايش+ والتضامن».
وأكد المنظمون: «هذا الاسبوع، تعرضنا، نحن البلجيكيين، لهجوم استهدف نمط حياتنا وعاداتنا وحقوقنا وحريتنا. رغم رد الفعل الاول القاضي بالانغلاق، ينبغي في المرحلة التالية استبدال الخوف بالامل وبالدفاع عن قيمنا». كما اعربوا عن ارادتهم «لإظهار للذين يريدوننا ان نركع، اننا سنبقى واقفين».
كما تقرر تنظيم نشاط رمزي بمناسبة حفل للمغني الفرنسي جوني هاليداي في بروكسل، الذي أصر على إجراء الحفل. من جهة اخرى قررت المغنية الأمريكية ماريا كاري الغاء حفل مقرر اليوم الاحد لدواع أمنية.
في هذه الاثناء تتواصل الجهود الشاقة للتعرف إلى هويات الضحايا الذين شملوا 40 جنسية بالاجمال. واكدت السلطات المختلفة ان القتلى من 11 جنسية على الاقل بينهم امريكيان وصيني وهولنديان وبيروفية وفرنسي.
العلم الوطني ليس قاسماً مشتركاً
من جانب آخر بدت الظواهر الوطنية والتلويح بالاعلام البلجيكية نادرة في البلاد بعد الاعتداءات. ففيما دعت فرنسا والولايات المتحدة إلى وحدة مواطنيهما بعد هجمات كبرى، بالحديث عن الهوية الوطنية والتعهد بالانتقام، حض المسؤولون البلجيكيون رعاياهم على التسامح والتفهم.
والنبرة المختلفة في بلجيكا ناجمة عن انقسام البلد الذي يسكنه 11 مليون نسمة بين مجموعتين ناطقتين بالفرنسية والفلمنكية. وفي بلد لم تبد فيه مظاهر وحدة في السنوات الاخيرة إلا حول نجاحات منتخب «الشياطين الحمر» البلجيكي لكرة القدم، أثارت الاعتداءات مشاعر تعاضد عارمة في مختلف المناطق.
وقال داميان بيلتيريست (48 عاما) من الناطقين بالفرنسية: «نشعر بنوع من التعاطف، يمكننا تبادل الذكريات، لدينا أمر مشترك في النهاية يعيش الجميع التجربة نفسها بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية او الأصول».
وقد جرت الاعتداءات في مناطق كل من المجموعتين، في مطار زافنتم في المنطقة الفلمنكية، ومدينة بروكسل التي تشكل جيبا ناطقا بالفرنسية بغالبيته وسط منطقة فلمنكية. وأكد رئيس الوزراء البلجيكي الناطق بالفرنسية شارل ميشيل مخاطبا النواب ان «الحرية وحكم القانون والتسامح هي اكثر من اي وقت مضى نقاط مرجعية لنا للمضي قدما سوية».
ولم تشهد شوارع بروكسل التدفق العارم لمشاعر الوطنية على ما جرى في باريس ونيويورك بعد اعتداءات. فقد انتشرت اعلام اجنبية كثيرة، جنوب افريقيا وكوبا وفلسطين وسوريا، إلى جانب أعلام بلجيكا بالأسود والأصفر والأحمر، فيما انتشرت الزهور والشموع ورسائل الحداد المكتوبة في ساحة البورصة التي تحولت مقصدا للمتضامنين.
واوضح ريجيس داندوا استاذ العلوم السياسية في جامعة لوفان ان البلجيكيين يشعرون بالانتماء إلى مجموعتهم اللغوية يفوق الانتماء إلى الوطن، وبعود ذلك إلى كيفية تأسيس البلد. وصرح «انشئت بلجيكا بشكل مصطنع، ولو ان هذا حدث في اطار ثورة على المحتل الهولندي». وقال «ان التلويح بالأعلام والرد العسكري من مقومات خطاب لا نملكه».